في مارس من العام 2019 أجبرت الفيضانات الواسعة من نهر ميسوري قيادة قاعدة أوفوت الجوية في نبراسكا / أمريكيا على إخلاء تسع طائرات. وأدى انتشار مياه الفيضانات الملوثة مع مياه الصرف الصحي التي غطت حوالي ثلث القاعدة، بما فيها المدرجات، إلى توقف عمليات الإقلاع والهبوط وتضرر المنشآت فيها. هذا الخبر جزء من أخبار متعددة تناولتها وكالات الأنباء العالمية في السنوات الأخيرة حول الحرائق والفيضانات والأعاصير والظروف الجوية المتطرفة الناتجة عن التغير المناخي، والتي أدت إلى أضرار في القواعد الجوية الأمريكية، وعطلت عملياتها ومهامها التدريبية.
يشكل تغير المناخ تهديداً متطوراً ومتعدد الأبعاد، ينتج عن مجموعة من الأسباب من خلال الأنظمة البشرية للطاقة والنقل والزراعة واستخدام الموارد. وأصبح واضحاً أن آثار تغير المناخ لديها القدرة على زعزعة استقرار الإنسان والحياة على جميع المستويات. وفي السنوات الأخيرة تزايد قلق المجتمع الدولي العسكري والأمني بخصوص المخاطر العالمية الأمنية للتغير المناخي، كما أصبح للقادة والجيوش إدراك واسع بمدى سرعة تأثير تغير المناخ على المسارح العملياتية والتهديدات التي قد تتعرض لها البنى التحتية. وفي عام 2017 وصف الكونجرس الأمريكي تغير المناخ بأنه تهديد مباشر للأمن القومي، ولا شك أن المخاطر الناجمة عن تغير المناخ لا تحدث بمعزل عن بعضها بعضاً، ولا تعترف بالحدود الوطنية، وسوف تزداد في القوة والتكرار مع استمرار الاحترار.
في مجال القوات الجوية، وفي كل يوم يزداد القادة والطيارون والمخططون الاستراتيجيون قناعة أن تغير المناخ يعيد تشكيل الأمن العالمي، في بيئة عملياتية متزايدة التعقيد، حيث يقدم تحديات جادة على قدرة القوات الجوية في الحفاظ على الجاهزية والوصول إلى المواقع الاستراتيجية العالمية وتنفيذ المهمات العملياتية. وهذا يتطلب من القوات الجوية التكيف والاستجابة لهذا التهديد بالتحديث وتحسين الوضع التشغيلي، في ظل مهمة القوات الجوية الأساسية وهي الطيران والقتال والفوز في أي وقت وفي أي مكان في العالم.
تؤثر القوات الجوية في تغير المناخ وتتأثر به، فمثلاً تشكل الانبعاثات الناتجة عن سلاح الجو الأمريكي أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في وزارة الدفاع الأمريكية، هذه الغازات هي التي تسبب الاحتباس الحراري وتساهم في تفاقم آثار تغير المناخ، مثل الظواهر الجوية المتطرفة، ويقول فرانك كيندال أحد قادة القوات الجوية الأمريكية (إن الظروف الجوية والبيئية القاسية تفرض بالفعل تكاليف باهظة على منشآت القوات الجوية ومهامها التشغيلية، بينما تشكل في نفس الوقت مخاطر جديدة على قدراتنا في التدريب والعمل بفعالية).
إن التغير المناخي يمثل تحدياً كبيراً للقوات الجوية، لكنه في الوقت ذاته يعد فرصة لتطوير وتحديث الأساليب والتقنيات العسكرية، من خلال الابتكار التكنولوجي وتحسين التدريب واستخدام الطاقة المتجددة، مما يساهم في أن تظل القوات الجوية قادرة على تنفيذ مهامها بشكل فعّال في مواجهة الظروف البيئية المتغيرة. ومن خلال التعاون الدولي والتخطيط الاستراتيجي، يمكن التغلب على العديد من الصعوبات التي يفرضها هذا التحدي العالمي، مما يعزز قدرة القوات الجوية على حماية الأمن الوطني في المستقبل.
تتضمن خطة العمل المناخي التي أصدرتها القوات الجوية الأمريكية عام 2022 إرشادات تصف نهجاً ثلاثي المحاور لمعالجة تغير المناخ:
أولاً: زيادة القدرات
ثانياً: تقليل الانبعاثات
ثالثاً: تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
تأثير التغير المناخي على القوات الجوية
التغير المناخي له تأثير كبير على القوات الجوية حول العالم، حيث يشكل تحديات متزايدة تتطلب تعديلات في استراتيجيات التشغيل والقدرات العسكرية. وفيما يلي بعض التأثيرات التي قد يسببها التغير المناخي على القوات الجوية:
1. التأثير على المنشآت والقدرات العملياتية: تؤدي الظروف الناجمة عن تغير المناخ مثل زيادة درجات الحرارة وتغيير أنماط هطول الأمطار والطقس القاسي، إلى زيادة المخاطر التي تهدد منشآت وقواعد القوات الجوية وجاهزيتها العملياتية. في ظروف الفيضانات والأعاصير التي تهدد المدارج، لا يمكن للطائرات المقاتلة أن تقلع أو تهبط. ولا يمكن العمل من المنشآت التي دمرتها الأعاصير وحرائق الغابات. يسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة العواصف إلى تأثيرات كبيرة على العمليات الجوية، وقد تؤدي الظروف الجوية المتقلبة، إلى زيادة مخاطر الحوادث الجوية بسبب الضباب، الرياح القوية، أو العواصف المفاجئة التي قد توثر على الرؤية والقدرة على التحكم في الطائرات، مما يوثر على قدرة الطيارين على تنفيذ مهامهم بشكل فعال.
2.أضرار للطائرات وأنظمة الأسلحة: تؤثر زيادة الحرارة والرطوبة على الطائرات ومكوناتها. فقد تصبح أنظمة التبريد أقل فعالية في الظروف الحارة، مما يؤدي إلى زيادة استهلاك الطاقة وارتفاع درجة حرارة المحركات. كما أن الطائرات قد تواجه صعوبة في التعامل مع الارتفاعات خاصة في المناطق التي تشهد درجات حرارة مرتفعة بشكل مستمر. وقد تحتاج المقاتلات إلى تحديثات تقنية للتكيف مع الظروف الجوية القاسية، مثل الأنظمة الخاصة بالمناطق الحارة أو الباردة، وكذلك التعديلات التي قد تجعلها أكثر مقاومة للأضرار الناتجة عن الظروف البيئية القاسية. يمكن على سبيل المثال أن تؤدي درجات الحرارة المرتفعة المتزايدة في مسارح معينة للعمليات إلى إتلاف المحركات أو التشويش على الأجهزة الإلكترونية والتأثير على قدرة حمل الطائرات ورحلاتها أو تشكل مخاطر على تخزين الذخيرة.
3. التأثير على الإمداد والدعم اللوجستي: يجب أن تأخذ القوات الجوية في اعتبارها التغيرات المناخية عند تخطيط عمليات الإمداد والدعم اللوجستي، حيث تؤثر الأحوال الجوية على قدرة النقل والإمداد بالمواد الحيوية مثل الوقود والذخيرة.
4. التأثير على التدريب والجاهزية: تتطلب التغيرات المناخية تعديل برامج التدريب للطيارين والفرق الجوية، بما في ذلك التدريب على الطيران في ظروف جوية قاسية وغير تقليدية. ويستلزم هذا استراتيجيات تأقلم وتقنيات جديدة لضمان استدامة العمليات العسكرية في ظل هذه الظروف المتغيرة.
التكيف والاستجابة
تسعى القوات الجوية في العديد من البلدان إلى التكيف مع التغيرات المناخية والاستجابة لها من خلال عدة استراتيجيات وخطط طويلة المدى:
1. تحسين التكنولوجيا المستخدمة: تتمثل إحدى أهم استراتيجيات التكيف في تحديث الأسطول الجوي وتطوير تقنيات جديدة. على سبيل المثال، استخدام الطائرات المجهزة بأحدث الأنظمة التي يمكنها التعامل مع الظروف الجوية القاسية، مثل تقنيات الطيران في ظروف ضبابية أو تحت درجات حرارة مرتفعة.
2. التدريب والتأهيل: من خلال برامج تدريب متخصصة، يتم تزويد الطيارين والطاقم الأرضي بالمعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع التحديات المناخية المتزايدة. هذا يشمل التدريب على مواجهة الظروف الجوية المتقلبة، والعمليات الجوية في البيئات الحارة، فضلاً عن تقنيات الهبوط والإقلاع في ظروف غير مثالية.
3. الواقع الافتراضي: تجري القوات الجوية قدراً كبيراً من التدريب والعمليات التي تنطوي على الطيران، وتسبب انبعاثات، لذلك في السنوات الأخيرة بدأت القوات الجوية باستخدام الواقع الافتراضي Virtual Reality كأداة مهمة لمحاكاة التدريب، وخفض الرحلات الفعلية، وتعزيز قدرات اتخاذ القرار، والجاهزية العملياتية، حيث يقدم الواقع الافتراضي تجارب غامرة وواقعية. سمحت أجهزة محاكاة الطيران للطيارين بممارسة مهاراتهم في بيئة خاضعة للرقابة. ونظراً للطبيعة الغامرة للواقع الافتراضي، وصلت محاكاة الطيران إلى آفاق جديدة.. هذا لا يوفر وقود الطائرات فحسب، بل يقلل أيضاً من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بطلعات التدريب.
4. إعادة تصميم القواعد الجوية: في ظل ارتفاع مستويات البحار، تُجرى دراسة لإعادة تصميم القواعد العسكرية والمطارات الجوية، بحيث تكون مقاومة للتغيرات المناخية. يشمل ذلك بناء المنشآت على ارتفاعات أكبر أو في مناطق أقل عرضة للفيضانات.
5. استخدام الطاقة البديلة: أحد الحلول الفعّالة لمواجهة التغير المناخي في القوات الجوية يتمثل في تبني تقنيات الطاقة المتجددة. العديد من القوات الجوية في العالم بدأت بتطوير مشاريع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح في قواعدها الجوية لتقليل الاعتماد على الطاقة التقليدية. كما يمكن تركيب الألواح الشمسية في المنشآت العسكرية لتوليد الكهرباء، مما يقلل من انبعاثات الكربون ويساهم في التخفيف من تأثير التغير المناخي، وتُجرى حالياً أبحاث مستمرة في تطوير طائرات كهربائية أو هجينة تكون أكثر كفاءة في استهلاك الوقود وأقل تأثيراً على البيئة. مثل هذه الطائرات يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تقليل انبعاثات غازات الدفيئة من الأسطول الجوي.
6. التعاون الدولي: نظراً للطبيعة العابرة للحدود للتغير المناخي، فإن التعاون الدولي بين القوات الجوية يعد من العوامل الأساسية في مواجهة هذا التحدي. التعاون في مجالات البحث والتطوير، تبادل الخبرات والتدريب، وتنظيم المناورات المشتركة لمكافحة الكوارث الطبيعية الناتجة عن التغير المناخي، جميعها تسهم في تحسين جاهزية القوات الجوية في مواجهة هذه التحديات العالمية.
7. الاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية: تلعب القوات الجوية دوراً حيوياً في عمليات الإنقاذ والإغاثة أثناء الكوارث الطبيعية التي يتسبب فيها التغير المناخي. سواء كانت عواصف أو فيضانات أو حرائق غابات، فإن القوات الجوية تُستخدم في عمليات البحث والإنقاذ، ونقل الإمدادات، وتوفير المساعدة للمناطق المتضررة. تتطلب هذه العمليات التنسيق مع مختلف الأجهزة المدنية والعسكرية، وتوفير التدريب المستمر لأفراد القوات الجوية على التعامل مع هذه المواقف.
خطة العمل المناخي للقوات الجوية
في عام 2022 أصدرت قيادة القوات الجوية الأمريكية خطة العمل المناخي الأولى لتقليل بصمتها الكربونية، والتكيف مع تغير المناخ، وتتضمن الخطة هدفاً يتمثل في تشغيل القواعد الجوية عند صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2046، وهو جهد طموح لكبح جماح البصمة الكربونية الكبيرة للجناح الجوي للجيش الأمريكي. كما تأخذ الخطة في الاعتبار أيضاً كيف سيحتاج سلاح الجو إلى تكييف عملياته مع الظروف المناخية المتغيرة، وعلى الأخص داخل البنية التحتية للقواعد الجوية ومصادر طاقتها. وفي عام 2023 أصدرت القوات الجوية خطة حملة المناخ لتنفيذ خطة العمل المناخي من خلال أهداف محددة وقابلة للقياس ونتائج رئيسية. تحدد الخطة ثلاث أولويات رئيسية بحيث تضمن أن القوات الجوية تحافظ على القدرة على العمل في ظل مناخ متغير، وتحافظ على القدرة التشغيلية، وتحمي أنظمتها، وتساهم في تعزيز التخفيف من تغير المناخ وهذه الأولويات هي:
1. الحفاظ على السيطرة الجوية والفضائية في مواجهة مخاطر المناخ: الاستثمار في البنية التحتية والمرافق الجاهزة للمناخ والمرنة حتى تكون المنشآت أكثر قدرة على إبراز القوة القتالية الجوية والفضائية.
2. اتخاذ قرارات مستنيرة بالمناخ: دمج الآثار الأمنية لتغير المناخ في استراتيجية القوات الجوية والتخطيط والتدريب والعمليات، ودمج الاعتبارات المناخية في الخدمات اللوجستية، وعمليات سلسلة التوريد، والعمليات الحربية.
3. تحسين استخدام الطاقة والسعي وراء مصادر الطاقة البديلة: توسيع القدرة التشغيلية وتزويد الطاقة لدعم العمليات على مستوى العالم مع تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري واعتماد مصادر طاقة بديلة تنافسية من حيث التكلفة في نفس الوقت.
حلول مبتكرة
تنفذ القوات الجوية الأمريكية حلولاً مبتكرة وبرامج تجريبية لتحقيق الأهداف الموضحة في خطة العمل المناخي، مما يعزز جاهزية المهمة من خلال مرونة الطاقة المستخدمة في المنشآت. تركز الأولوية الأولى على تحديث البنية التحتية، والاستثمار في المنشآت الملائمة للمناخ، للحفاظ على السيطرة الجوية في مواجهة مخاطر المناخ. لأن البنية التحتية هي الأساس الذي تقوم عليه المنشآت بتقديم القوة الجوية والجاهزية، مما يجعل تأمين هذه الأصول أولوية قصوى للقوة. ويجري تنفيذ مبادرات لتقييم الآثار المناخية، وتحديث البنية التحتية، وتكييف المنشآت لتقليل الآثار الناجمة عن التهديدات المناخية المستقبلية. على سبيل المثال، دخلت قاعدة ماكديل الجوية بولاية فلوريدا في شراكة مع المجتمع المحلي لبناء الشعاب المرجانية كحل قائم على الطبيعة لمكافحة التعرية والحماية من العواصف المفاجئة. ودعماً للأولوية الثانية، لاتخاذ قرارات مستنيرة بالمناخ، بدأت القوات الجوية العمل على دمج سمات المناخ في سياساتها وممارساتها، لجعل مشاريع الطاقة والبنية التحتية قادرة على الصمود في وجه تأثيرات المناخ، مع تعظيم القدرة التشغيلية وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري كلما أمكن ذلك. تركز الأولوية الثالثة على السعي لاستخدام مصادر الطاقة البديلة، وتحسين استخدام الطاقة والعمل على تحقيق كهرباء خالية من تلوث الكربون بنسبة 100%، وأهداف الطائرات الخالية من الانبعاثات. وتحقق القوات الجوية الأهداف الرئيسية الموضحة في هذه الأولوية من خلال الاستثمارات المبتكرة والبرامج التجريبية في المنشآت.
العقيد المتقاعد المهندس خالد العنانزة مستشار ومدرب في البيئة والسلامة المهنية