Screenshot 2026-05-04 at 8.24.28 AM

مقترح مجموعة (MP5) نموذجاً الاستراتيجيات العسكرية للقوى المتوسطة

تشهد‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الدولية‭ ‬تحولاتٍ‭ ‬عميقة‭ ‬أعادت‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬الضمانات‭ ‬الأمنية،‭ ‬وحدود‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التحالفات‭ ‬التقليدية،‭ ‬وموقع‭ ‬القوى‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النقاش‭ ‬الأمني‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬القوى‭ ‬العظمى،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬يتجه‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬نحو‭ ‬دراسة‭ ‬أدوار‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرات‭ ‬عسكرية‭ ‬وصناعية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬متقدمة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تبلغ‭ ‬مرتبة‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬الكلاسيكية‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬مقترح‭ ‬‮«‬مجموعة‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة‭ ‬الخمس‮»‬‭ (‬MP5‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬واليابان،‭ ‬وفرنسا،‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬وألمانيا،‭ ‬بوصفها‭ ‬حالة‭ ‬معبّرة‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬القوة‭ ‬الدولية،‭ ‬وعن‭ ‬تصاعد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مقاربات‭ ‬أمنية‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬واستقلالاً‭.‬

ولا‭ ‬تعكس‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬مجرد‭ ‬تحديث‭ ‬تقني‭ ‬في‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬تحول‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لهذه‭ ‬الدول،‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الضمانات‭ ‬الأمنية‭ ‬الخارجية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الأمريكية،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬قدراتها‭ ‬الردعية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬هامش‭ ‬استقلالها‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬وصياغة‭ ‬شراكات‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعاً‭. ‬وتتضح‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التراجع‭ ‬النسبي‭ ‬لفكرة‭ ‬الردع‭ ‬الموسّع،‭ ‬وما‭ ‬نتج‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬تنامي‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬صيغ‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تنطلق‭ ‬الدراسة‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬مقترح‭ ‬MP5‭ ‬الذي‭ ‬قدّمه‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيونغ‭ ‬سونغ‭-‬تشانغ‭ (‬انظر‭ ‬المراجع‭) ‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬مترابطة‭: ‬التحول‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الدولية،‭ ‬والتحولات‭ ‬العقائدية‭ ‬والعسكرية‭ ‬داخل‭ ‬الدول‭ ‬الخمس،‭ ‬ثم‭ ‬الأجندة‭ ‬العسكرية‭ ‬والعملياتية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المقترح‭ ‬إطاراً‭ ‬ناشئاً‭ ‬لإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬دور‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الردع‭ ‬الموسّع‭. ‬وبذلك،‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬MP5‭ ‬بوصفه‭ ‬مجرد‭ ‬صيغة‭ ‬تنظيمية،‭ ‬بل‭ ‬كمؤشر‭ ‬على‭ ‬تحول‭ ‬بنيوي‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬هندسة‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي،‭ ‬ونموذج‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستلهمه‭ ‬قوى‭ ‬متوسطة‭ ‬أخرى‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬استقلالها‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

أولاً‭: ‬التحول‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الدولية‭ ‬ونهاية‭ ‬اليقين‭ ‬الأمني‭ ‬التقليدي

تتمثل‭ ‬نقطة‭ ‬الانطلاق‭ ‬الأساسية‭ ‬لفهم‭ ‬صعود‭ ‬منطق‭ ‬التحالفات‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬مقترح‭ ‬MP5،‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬المقاربة‭ ‬الأمريكية‭ ‬للأمن‭ ‬الدولي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمفهوم‭ ‬الردع‭ ‬الموسّع‭. ‬فخلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬شكّل‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬أحد‭ ‬الأعمدة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الأمني‭ ‬الذي‭ ‬قادته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توفير‭ ‬ضمانات‭ ‬أمنية‭ ‬ممتدة‭ ‬لحلفائها‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا،‭ ‬بما‭ ‬جعل‭ ‬واشنطن‭ ‬الضامن‭ ‬الرئيسي‭ ‬للاستقرار‭ ‬الردعي‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المسارح‭ ‬الدولية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬استراتيجية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكية‭ ‬الصادرة‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬وكذلك‭ ‬استراتيجية‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭ ‬الصادرة‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬لم‭ ‬تعودا‭ ‬تمنحان‭ ‬الردع‭ ‬الموسّع‭ ‬الموقع‭ ‬المركزي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحتله‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬السابقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تحولاً‭ ‬دالاً‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭. ‬فقد‭ ‬باتت‭ ‬الأولويات‭ ‬الأمريكية‭ ‬أكثر‭ ‬تركيزاً‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬واحتواء‭ ‬الصين،‭ ‬وتقاسم‭ ‬الأعباء‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬مع‭ ‬الحلفاء،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬القاعدة‭ ‬الصناعية‭ ‬الدفاعية‭.‬

ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬الحلفاء‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُفهم‭ ‬بوصفها‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مشروطة‭ ‬بقدرتهم‭ ‬على‭ ‬تحمّل‭ ‬نصيب‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬مسؤولياتهم‭ ‬الأمنية‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الحليف‭ ‬مجرد‭ ‬متلقٍّ‭ ‬للضمانات،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مطالباً‭ ‬بأن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬فاعل‭ ‬أكثر‭ ‬استقلالاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أمنه‭ ‬الإقليمي‭. ‬ويندرج‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬ضمن‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬الموازنة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬‮»‬‭ (‬Offshore Balancing‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬الانخراط‭ ‬الأمريكي‭ ‬المباشر‭ ‬مقابل‭ ‬تمكين‭ ‬الحلفاء‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬بيئاتهم‭ ‬الأمنية‭ ‬بأنفسهم،‭ ‬مع‭ ‬احتفاظ‭ ‬واشنطن‭ ‬بدور‭ ‬الموازن‭ ‬الخارجي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬الضامن‭ ‬الشامل‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬النماذج‭ ‬التحالفية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬مركزية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬صيغ‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬يتراجع‭ ‬فيها‭ ‬اليقين‭ ‬الأمني‭ ‬القديم‭.‬

ثانياً‭: ‬مقترح‭ ‬مجموعة‭ ‬MP5‭ ‬بوصفه‭ ‬إطاراً‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬القوة‭ ‬المتوسطة‭ ‬ولسد‭ ‬فجوات‭ ‬التحالفات‭ ‬التقليدية‭ ‬

إن‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬القوة‭ ‬المتوسطة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يُحيل،‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬والمقترحات‭ ‬مثل‭ ‬مقترح‭ ‬مجموعة‭ ‬MP5،‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬توصيفٍ‭ ‬لدول‭ ‬متوسطة‭ ‬الحجم،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرات‭ ‬استراتيجية‭ ‬مستقلة،‭ ‬وقواعد‭ ‬صناعية‭ ‬دفاعية‭ ‬متقدمة،‭ ‬وموقعاً‭ ‬مؤثراً‭ ‬في‭ ‬التوازنات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الأدق‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬قوى‭ ‬متوسطة‭ ‬قوية‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬القوى‭ ‬المتوسطة‮»‬‭ ‬بمعناه‭ ‬التقليدي؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الدول‭ ‬الخمس‭ ‬المعنية‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬مجرد‭ ‬دول‭ ‬تقع‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬والدول‭ ‬الصغيرة،‭ ‬بل‭ ‬تملك‭ ‬مقومات‭ ‬عسكرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬تؤهلها‭ ‬للاضطلاع‭ ‬بأدوار‭ ‬عسكرية‭ ‬وأمنية‭ ‬أوسع‭.‬

وتتضح‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬التعريفي‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬G7‭ ‬وQuad‭ ‬وMP5‭. ‬فـG7‭ ‬يظل،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬إطاراً‭ ‬يغلب‭ ‬عليه‭ ‬البعد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمالي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتمحور‭ ‬Quad‭ ‬حول‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الهندي‭-‬الهادئ‭ ‬واحتواء‭ ‬الصين،‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬التمثيل‭ ‬الأوروبي‭ ‬عنه‭. ‬أما‭ ‬MP5،‭ ‬فيبرز‭ ‬بوصفه‭ ‬إطاراً‭ ‬مختلفاً‭ ‬نوعياً،‭ ‬لأنه‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الأمن،‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬والحوار‭ ‬النووي،‭ ‬والتعاون‭ ‬الدفاعي،‭ ‬والاستقلال‭ ‬النسبي‭ ‬عن‭ ‬البنية‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬المباشرة‭. ‬كما‭ ‬يمنح‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬موقعاً‭ ‬تأسيسياً‭ ‬لا‭ ‬توفره‭ ‬لها‭ ‬الأطر‭ ‬الأخرى،‭ ‬ويصل،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬بين‭ ‬الفضاءين‭ ‬الأوروبي‭ ‬والآسيوي‭ ‬ضمن‭ ‬بنية‭ ‬أمنية‭ ‬وعسكرية‭ ‬واحدة‭.‬

لذلك،‭ ‬يسد‭ ‬مقترح‭ ‬MP5‭ ‬ثلاث‭ ‬فجوات‭ ‬بنيوية‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد،‭ ‬إذ‭ ‬يتجاوز‭ ‬الطابع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬G7‭  ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدماج‭ ‬البعد‭ ‬الأمني‭ ‬والعسكري،‭ ‬كما‭ ‬يتخطى‭ ‬التركيز‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬الضيق‭ ‬لـ‭ ‬Quad‭  ‬عبر‭ ‬تبني‭ ‬مقاربة‭ ‬أوسع‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الفضاء‭ ‬الهندي–الهادئ،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬معالجته‭ ‬لإشكالية‭ ‬استبعاد‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬متصاعدة،‭ ‬من‭ ‬كلا‭ ‬الإطارين،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منحها‭ ‬موقعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬داخل‭ ‬بنية‭ ‬تعاون‭ ‬أمني‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭ ‬وتكاملاً‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬مقترح‭ ‬مجموعة‭ ‬MP5‭ ‬بوصفها‭ ‬مجرد‭ ‬منصة‭ ‬إضافية،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬صيغةً‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬اختلالات‭ ‬قائمة‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬التمثيل‭ ‬الأمني‭ ‬والعسكري‭ ‬للقوى‭ ‬المتوسطة،‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمامها‭ ‬لبناء‭ ‬أجندة‭ ‬أمنية‭ ‬وعسكرية‭ ‬ذاتية‭ ‬وأقل‭ ‬تبعية‭ ‬وأكثر‭ ‬تنوعاً‭.‬

ثالثاً‭: ‬التحولات‭ ‬العقائدية‭ ‬والعسكرية‭ ‬داخل‭ ‬الدول‭ ‬الخمس

1‭. ‬فرنسا‭: ‬الاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بوصفه‭ ‬عقيدة‭ ‬أمنية‭. ‬تمثل‭ ‬فرنسا‭ ‬داخل‭ ‬MP5‭ ‬الحالة‭ ‬الأكثر‭ ‬اكتمالاً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والقدرة‭ ‬العسكرية‭ ‬الذاتية‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الأمن‭ ‬بوصفه‭ ‬امتداداً‭ ‬للحماية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هويتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الوطنية‭. ‬وتستند‭ ‬هذه‭ ‬المكانة‭ ‬إلى‭ ‬امتلاكها‭ ‬قدرات‭ ‬ردع‭ ‬نووي‭ ‬مستقلة،‭ ‬تشمل‭ ‬غواصات‭ ‬نووية‭ ‬حاملة‭ ‬للصواريخ،‭ ‬وغواصات‭ ‬هجومية‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬Barracuda/Suffren،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بنية‭ ‬وطنية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تخصيب‭ ‬اليورانيوم،‭ ‬بما‭ ‬يربط‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬بالقدرة‭ ‬الردعية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اعتماد‭ ‬بنيوي‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الخارج‭. ‬وتتجاوز‭ ‬أهمية‭ ‬فرنسا‭ ‬بعدها‭ ‬النووي‭ ‬إلى‭ ‬امتدادها‭ ‬العملياتي‭ ‬الفعلي‭ ‬خارج‭ ‬أوروبا‭. ‬فوفقاً‭ ‬لاستراتيجيتها‭ ‬المحدثة،‭ ‬تُعدّ‭ ‬فرنسا‭ ‬دولة‭ ‬راسخة‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬الهندي–الهادئ،‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬عسكري‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬أقاليمها‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬البحار،‭ ‬بما‭ ‬يمنحها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬يتجاوز‭ ‬الإطار‭ ‬الأوروبي‭ ‬الضيق‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبدو‭ ‬داخل‭ ‬MP5‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬قوة‭ ‬أوروبية‭ ‬ذات‭ ‬ردع‭ ‬مستقل،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬جسراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬وعملياتياً‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تمثل‭ ‬فرنسا‭ ‬النموذج‭ ‬الأكثر‭ ‬نضجاً‭ ‬لعقيدة‭ ‬عسكرية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬الردع‭ ‬النووي،‭ ‬والاستقلالية‭ ‬السياسية،‭ ‬والانتشار‭ ‬العملياتي‭ ‬البعيد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬دوراً‭ ‬تأسيسياً‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لبناء‭ ‬هندسة‭ ‬أمنية‭ ‬أقل‭ ‬تبعية‭ ‬وأكثر‭ ‬استقلالاً‭.‬

2‭. ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭: ‬من‭ ‬التفوق‭ ‬الاستخباري‭ ‬إلى‭ ‬التمدد‭ ‬العملياتي‭.‬‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬فرنسا‭ ‬تمثل‭ ‬داخل‭ ‬MP5‭ ‬نموذج‭ ‬الاستقلال‭ ‬الردعي،‭ ‬فإن‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬تمثل‭ ‬نموذج‭ ‬القوة‭ ‬الاستخبارية–العملياتية‭ ‬ذات‭ ‬الكفاءة‭ ‬العالية‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تبرز‭ ‬فقط‭ ‬بوصفها‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬أوروبية،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬فاعلاً‭ ‬يمتلك‭ ‬قدرات‭ ‬يصعب‭ ‬تعويضها‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الإشارية‭ (‬SIGINT‭)‬،‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬وشبكات‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بنية‭ ‬أمنية‭ ‬ناشئة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬بريطانيا‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬بعدها‭ ‬الاستخباري،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬التفوق‭ ‬إلى‭ ‬حضور‭ ‬عملياتي‭ ‬فعلي‭. ‬فالتراجع‭ ‬الخطابي‭ ‬لبعض‭ ‬المفاهيم‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬بريطانيا‭ ‬العالمية‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يُترجم‭ ‬إلى‭ ‬انكفاء‭ ‬عسكري،‭ ‬بل‭ ‬استمر‭ ‬الانخراط‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬الهندي–الهادئ‭ ‬وتعزز‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬High Mast‭ ‬المرتبطة‭ ‬بحاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬HMS Prince of Wales،‭ ‬بما‭ ‬يؤكد‭ ‬قدرة‭ ‬لندن‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬القوة‭ ‬خارج‭ ‬المجال‭ ‬الأوروبي‭. ‬وتتضاعف‭ ‬أهمية‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬داخل‭ ‬MP5‭ ‬بفعل‭ ‬سابقة‭ ‬AUKUS،‭ ‬وما‭ ‬وفرته‭ ‬من‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬الدفع‭ ‬النووي‭ ‬البحري،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬إعلان‭ ‬نورثوود‭ ‬الفرنسي–البريطاني‭ ‬الذي‭ ‬أظهر‭ ‬إمكان‭ ‬تنسيق‭ ‬قدرات‭ ‬ردعية‭ ‬مستقلة‭. ‬وبذلك،‭ ‬تمثل‭ ‬بريطانيا‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬التفوق‭ ‬الاستخباري،‭ ‬والقدرة‭ ‬العملياتية،‭ ‬والخبرة‭ ‬المؤسسية‭ ‬في‭ ‬التعاون‭ ‬النووي‭ ‬والردعي‭.‬

3‭. ‬ألمانيا‭: ‬من‭ ‬الحذر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط‭ ‬المقيد‭. ‬تمثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬داخل‭ ‬MP5‭ ‬حالة‭ ‬مختلفة‭ ‬نوعياً‭ ‬عن‭ ‬فرنسا‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تدخل‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الردع‭ ‬السيادي‭ ‬أو‭ ‬القدرة‭ ‬العملياتية‭ ‬العابرة‭ ‬للمسارح،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الكتلة‭ ‬الصناعية–التكنولوجية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬أحد‭ ‬الأعمدة‭ ‬الصامتة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بنية‭ ‬أمنية‭ ‬جماعية‭ ‬متقدمة‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬فإن‭ ‬أهميتها‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تفتقده‭ ‬مقارنة‭ ‬بفرنسا‭ ‬أو‭ ‬بريطانيا،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬القوة‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬تضيفها‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التشكيل‭. ‬ويكتسب‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬أهميته‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬التفكير‭ ‬الأمني‭ ‬الألماني‭ ‬بعد‭ ‬منعطف‭ ‬Zeitenwende،‭ ‬والذي‭ ‬كشف‭ ‬أن‭ ‬ألمانيا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بموقع‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المدنية‭ ‬المنفصلة‭ ‬عن‭ ‬مقتضيات‭ ‬الصراع‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يظل‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬مقيداً‭ ‬بقيود‭ ‬تاريخية‭ ‬وسياسية‭ ‬وثقافية‭ ‬عميقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬برلين‭ ‬تمثل‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬الانخراط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المقيد‮»‬‭: ‬أي‭ ‬المشاركة‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تبنّي‭ ‬منطق‭ ‬الردع‭ ‬النووي‭ ‬المباشر‭ ‬أو‭ ‬التوسع‭ ‬العملياتي‭ ‬الواسع‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تظهر‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لألمانيا‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الصناعة‭ ‬الدفاعية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتقنيات‭ ‬الاستشعار‭ ‬الدقيقة،‭ ‬والفضاء،‭ ‬والسيبرانية،‭ ‬وبناء‭ ‬المنصات‭ ‬البحرية‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تجسد‭ ‬ألمانيا‭ ‬تحولاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الوزن‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬يُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالسلاح‭ ‬النووي‭ ‬أو‭ ‬الانتشار‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بامتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وإسناد‭ ‬البنية‭ ‬الدفاعية‭ ‬الجماعية‭.‬

4‭. ‬اليابان‭: ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الدفاع‭ ‬المقيد‭ ‬تحالفياً‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬الاستقلالية‭. ‬تمثل‭ ‬اليابان‭ ‬داخل‭ ‬MP5‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الحالات‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬الهادئ‭ ‬ولكن‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬الأمنية‭ ‬للقوى‭ ‬المتوسطة‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬التبعية‭ ‬الكاملة‭ ‬إلى‭ ‬الاستقلال‭ ‬الكامل،‭ ‬بل‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬بين‭ ‬استمرار‭ ‬التحالف‭ ‬وتوسيع‭ ‬الاستقلالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬حالة‭ ‬تفسيرية‭ ‬مهمة‭ ‬لفهم‭ ‬كيف‭ ‬تعيد‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬صياغة‭ ‬أمنها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬اليقين‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬توفره‭ ‬المظلة‭ ‬الأمريكية‭. ‬فاليابان‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تكتفي‭ ‬بمنطق‭ ‬الدفاع‭ ‬المقيد‭ ‬تحالفياً‭ ‬الذي‭ ‬طبع‭ ‬سياستها‭ ‬الأمنية‭ ‬لعقود،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تتحرك‭ ‬نحو‭ ‬توسيع‭ ‬هامش‭ ‬الفعل‭ ‬الذاتي‭ ‬عبر‭ ‬رفع‭ ‬الإنفاق‭ ‬الدفاعي،‭ ‬وتطوير‭ ‬قدرات‭ ‬هجومية‭ ‬مضادة،‭ ‬وتنويع‭ ‬الشراكات‭ ‬العسكرية–الصناعية‭ ‬خارج‭ ‬الإطار‭ ‬الأمريكي‭ ‬المباشر‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬خروجها‭ ‬من‭ ‬تحالفها‭ ‬مع‭ ‬واشنطن،‭ ‬لكنه‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترى‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬بديلاً‭ ‬كاملاً‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬قدرتها‭ ‬الذاتية‭. ‬وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬اليابان‭ ‬داخل‭ ‬MP5‭ ‬بوصفها‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬الأمن‭ ‬الآسيوي‭ ‬والبنية‭ ‬التكنولوجية–العملياتية‭ ‬للقوى‭ ‬المتوسطة‭. ‬فهي‭ ‬تضيف‭ ‬ثقلاً‭ ‬آسيوياً‭ ‬متقدماً،‭ ‬وتمثل‭ ‬عنصراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬تكامل‭ ‬بحري‭ ‬وصناعي‭ ‬وتكنولوجي‭ ‬مع‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬ومع‭ ‬الخبرات‭ ‬الفرنسية‭ ‬والبريطانية‭ ‬في‭ ‬الدفع‭ ‬النووي‭ ‬البحري‭ ‬والاستشعار‭ ‬والانتشار‭ ‬البحري‭.‬

رابعاً‭: ‬الأجندة‭ ‬العسكرية‭ ‬والعملياتية‭ ‬المقترحة

تتجاوز‭ ‬أهمية‭ ‬MP5‭ ‬رمزيته‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬قابليته‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬أمنية‭ ‬وظيفية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬عملية‭ ‬لتعزيز‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الجماعي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬حساسة‭ ‬مثل‭ ‬التعاون‭ ‬النووي،‭ ‬والأمن‭ ‬البحري،‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الدفاعية‭.‬

‮١‬‭. ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الغواصات‭ ‬النووية‭ ‬وتقنيات‭ ‬الطاقة‭ ‬الذرية‭:‬‭ ‬تحتل‭ ‬الغواصات‭ ‬النووية‭ ‬وتقنيات‭ ‬الطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬موقعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬أجندة‭ ‬MP5،‭ ‬خاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الدفع‭ ‬النووي‭ ‬خياراً‭ ‬تقنياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الردع‭ ‬البحري‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬القيود‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬النووية،‭ ‬يبرز‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬بوصفه‭ ‬بديلاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬الارتهان‭ ‬التكنولوجي‭. ‬وتكتسب‭ ‬فرنسا‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬لاعتمادها‭ ‬اليورانيوم‭ ‬منخفض‭ ‬التخصيب‭ ‬في‭ ‬غواصات‭ ‬Barracuda،‭ ‬بما‭ ‬يقلل‭ ‬القيود‭ ‬المرتبطة‭ ‬بعدم‭ ‬الانتشار‭ ‬مقارنة‭ ‬بالنماذج‭ ‬عالية‭ ‬التخصيب‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬يتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬البعد‭ ‬التقني‭ ‬ليؤسس‭ ‬مساراً‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬قانونياً‭ ‬وسياسياً‭. ‬كما‭ ‬يعكس‭ ‬إنشاء‭ ‬مجموعة‭ ‬عمل‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬البحري‭ ‬والدفع‭ ‬النووي‭ ‬انتقال‭ ‬MP5‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬التنسيق‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬التطوير‭ ‬المؤسسي‭ ‬والتقني‭ ‬المنظم‭.‬

2‭. ‬الأمن‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وبناء‭ ‬سلسلة‭ ‬إمداد‭ ‬دفاعية‭ ‬مستقلة‭:‬‭ ‬يبرز‭ ‬الأمن‭ ‬التكنولوجي‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬دوافع‭ ‬MP5،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مفارقة‭ ‬أمريكية‭ ‬واضحة‭: ‬مطالبة‭ ‬الحلفاء‭ ‬بتحمّل‭ ‬أعباء‭ ‬أمنية‭ ‬أكبر،‭ ‬مع‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬قيود‭ ‬صارمة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحساسة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬دفاعية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬أكثر‭ ‬استقلالاً‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة،‭ ‬بما‭ ‬يخفف‭ ‬الارتهان‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الحاسمة‭. ‬وتتجسد‭ ‬هذه‭ ‬الأجندة‭ ‬في‭ ‬أربعة‭ ‬مسارات‭ ‬رئيسية‭: ‬شبكة‭ ‬مستقلة‭ ‬للمراقبة‭ ‬البحرية،‭ ‬والتطوير‭ ‬المشترك‭ ‬للأنظمة‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬وتصميم‭ ‬أصول‭ ‬بحرية‭ ‬للمراقبة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬السيبراني‭ ‬والفضائي‭. ‬ويكشف‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬العسكرية‭ ‬للقوى‭ ‬المتوسطة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تحديث‭ ‬الجيوش‭ ‬والمنصات‭ ‬القتالية،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬يشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬التكنولوجية‭ ‬للأمن‭ ‬والدفاع‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعاً‭ ‬وتكاملاً‭.‬

3‭. ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الأمن‭ ‬الأوروبي‭ ‬والآسيوي‭:‬‭ ‬تتجلى‭ ‬أهمية‭ ‬MP5‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬تجاوزه‭ ‬الفصل‭ ‬التقليدي‭ ‬بين‭ ‬الأمن‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمن‭ ‬الآسيوي،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التهديدات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬أطر‭ ‬إقليمية‭ ‬منفصلة،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مسرح‭ ‬أوراسي‭ ‬أوسع‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬مصالح‭ ‬روسيا،‭ ‬والصين،‭ ‬وكوريا‭ ‬الشمالية،‭ ‬وإيران‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تكتسب‭ ‬فكرة‭ ‬مبادرة‭ ‬أمن‭ ‬بحري‭ ‬أوراسية‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬لأنها‭ ‬تنقل‭ ‬التعاون‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬الحوار‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬التمارين‭ ‬المشتركة،‭ ‬والمهام‭ ‬العملياتية،‭ ‬والتنسيق‭ ‬البحري‭ ‬المنتظم‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬تحولاً‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للقوى‭ ‬المتوسطة،‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬البيئات‭ ‬الإقليمية‭ ‬الضيقة‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬ترابط‭ ‬المسارح‭ ‬الأمنية‭ ‬الكبرى‭.‬

4‭. ‬الحوار‭ ‬النووي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الردع‭ ‬الموسّع‭:‬‭ ‬لا‭ ‬يهدف‭ ‬MP5‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مظلة‭ ‬نووية‭ ‬بديلة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬حوار‭ ‬استراتيجي‭ ‬نووي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اتساع‭ ‬فجوة‭ ‬الردع‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬موثوقية‭ ‬الردع‭ ‬الموسّع‭ ‬الأمريكي‭. ‬فالمقصود‭ ‬ليس‭ ‬استنساخ‭ ‬ترتيبات‭ ‬الناتو،‭ ‬بل‭ ‬مناقشة‭ ‬بدائل‭ ‬الردع‭ ‬وموقع‭ ‬القدرات‭ ‬النووية‭ ‬الفرنسية‭ ‬والبريطانية‭ ‬داخل‭ ‬توازن‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭.‬‭ ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬MP5‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬إطاراً‭ ‬جديداً‭ ‬للتعاون‭ ‬الأمني،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬مختبراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الأمن،‭ ‬والردع،‭ ‬والاستقلالية،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬أكثر‭ ‬سيولة‭ ‬وتعدداً‭.‬

الخاتمة‭ 

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬الطموح‭ ‬لمشروع‭ ‬MP5،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬عوائق‭ ‬بنيوية‭ ‬وسياسية‭ ‬وتاريخية،‭ ‬قد‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬تبلوره،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الشكوك‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬واليابان،‭ ‬واحتمال‭ ‬التحفظ‭ ‬الأمريكي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬فُهم‭ ‬بوصفه‭ ‬مساراً‭ ‬موازياً‭ ‬للبنى‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬واشنطن،‭ ‬فضلً‭ ‬عن‭ ‬الحساسيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بنقل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الدفاعية‭ ‬والنووية،‭ ‬وتفاوت‭ ‬المواقف‭ ‬الداخلية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تُفرغ‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬قيمته،‭ ‬بل‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬نجاحه‭ ‬يظل‭ ‬رهين‭ ‬التدرج،‭ ‬والمرونة،‭ ‬والاحتواء‭ ‬السياسي،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬له‭ ‬طابعاً‭ ‬تكميلياً‭ ‬لا‭ ‬تنافسياً‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يكشف‭ ‬مقترح‭ ‬MP5‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬العسكرية‭ ‬للقوى‭ ‬المتوسطة‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬استجابة‭ ‬ظرفية‭ ‬لتغيرات‭ ‬البيئة‭ ‬الأمنية،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬تحولاً‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬التموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ذاته‭. ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬أمنها‭ ‬باعتباره‭ ‬امتداداً‭ ‬تلقائياً‭ ‬لتحالفات‭ ‬موروثة‭ ‬أو‭ ‬لضمانات‭ ‬خارجية‭ ‬مستقرة،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬جزء‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬أمنها‭ ‬بنفسها‭ ‬عبر‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الردع،‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬والتنسيق‭ ‬المؤسسي،‭ ‬والانخراط‭ ‬العملياتي‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬يتجاوز‭ ‬MP5‭ ‬كونه‭ ‬مجرد‭ ‬إطار‭ ‬تنظيمي‭ ‬بين‭ ‬خمس‭ ‬دول،‭ ‬ليعبّر‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬استراتيجي‭ ‬جديد‭ ‬لدى‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الردع‭ ‬الموسّع‭. ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬المقترح‭ ‬على‭ ‬أعضائه‭ ‬المحتملين،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬أيضاً‭ ‬بوصفه‭ ‬نموذجاً‭ ‬قابلاً‭ ‬للاستلهام‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قوى‭ ‬متوسطة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬استقلالها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬التحالفات‭ ‬القائمة‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬يقدم‭ ‬مقترح‭ ‬MP5‭ ‬تصوراً‭ ‬عملياً‭ ‬لانتقال‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الاعتماد‭ ‬الأمني‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الأمن،‭ ‬عبر‭ ‬صيغ‭ ‬تعاون‭ ‬مرنة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التكامل‭ ‬الوظيفي‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬التماثل‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬القدرات‭ ‬أو‭ ‬المصالح‭.‬

الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬وائل‭ ‬صالح‭ ‬‭‬مدير‭ ‬بمركز‭ ‬تريندز‭ ‬للبحوث‭ ‬والاستشارات‭ ‬بفرنسا‭ ‬وكندا‭

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض