تشهد البيئة الاستراتيجية الدولية تحولاتٍ عميقة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الضمانات الأمنية، وحدود الاعتماد على التحالفات التقليدية، وموقع القوى داخل النظام الدولي. وفي هذا السياق، لم يعد النقاش الأمني محصوراً في ثنائية القوى العظمى، بل بات يتجه بصورة متزايدة نحو دراسة أدوار القوى المتوسطة التي تمتلك قدرات عسكرية وصناعية وتكنولوجية متقدمة، من دون أن تبلغ مرتبة القوى العظمى الكلاسيكية. ومن هنا، تبرز أهمية مقترح «مجموعة القوى المتوسطة الخمس» (MP5)، التي تضم كوريا الجنوبية، واليابان، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، بوصفها حالة معبّرة عن التحولات الجارية في بنية القوة الدولية، وعن تصاعد الحاجة إلى مقاربات أمنية أكثر مرونة واستقلالاً.

ولا تعكس هذه التحولات مجرد تحديث تقني في القدرات العسكرية، بل تعبّر عن تحول أعمق في العقيدة الاستراتيجية لهذه الدول، التي تنتقل تدريجياً من الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية، ولا سيما الأمريكية، إلى إعادة بناء قدراتها الردعية، وتوسيع هامش استقلالها الاستراتيجي، وصياغة شراكات أكثر تنوعاً. وتتضح هذه الدينامية في ظل التراجع النسبي لفكرة الردع الموسّع، وما نتج عنه من تنامي الحاجة إلى صيغ جديدة من التنسيق بين القوى المتوسطة.
وفي هذا الإطار، تنطلق الدراسة من تحليل مقترح MP5 الذي قدّمه الدكتور تشيونغ سونغ-تشانغ (انظر المراجع) ، من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: التحول في البيئة الاستراتيجية الدولية، والتحولات العقائدية والعسكرية داخل الدول الخمس، ثم الأجندة العسكرية والعملياتية والتكنولوجية التي قد تجعل من هذا المقترح إطاراً ناشئاً لإعادة صياغة دور القوى المتوسطة في عالم ما بعد الردع الموسّع. وبذلك، لا يُقرأ MP5 بوصفه مجرد صيغة تنظيمية، بل كمؤشر على تحول بنيوي أعمق في هندسة الأمن الدولي، ونموذج يمكن أن تستلهمه قوى متوسطة أخرى تسعى إلى توسيع استقلالها الاستراتيجي.
أولاً: التحول في البيئة الاستراتيجية الدولية ونهاية اليقين الأمني التقليدي
تتمثل نقطة الانطلاق الأساسية لفهم صعود منطق التحالفات بين القوى المتوسطة، ومن بينها مقترح MP5، في التحول الذي طرأ على المقاربة الأمريكية للأمن الدولي، ولا سيما في ما يتعلق بمفهوم الردع الموسّع. فخلال العقود الماضية، شكّل هذا المفهوم أحد الأعمدة المركزية في النظام الأمني الذي قادته الولايات المتحدة، من خلال توفير ضمانات أمنية ممتدة لحلفائها في أوروبا وآسيا، بما جعل واشنطن الضامن الرئيسي للاستقرار الردعي في عدد من المسارح الدولية.
غير أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في ديسمبر 2025، وكذلك استراتيجية الدفاع الوطني الصادرة في يناير 2026، لم تعودا تمنحان الردع الموسّع الموقع المركزي الذي كان يحتله في الاستراتيجيات السابقة، وهو ما يعكس تحولاً دالاً في بنية التفكير الاستراتيجي العسكري الأمريكي. فقد باتت الأولويات الأمريكية أكثر تركيزاً على الدفاع عن الولايات المتحدة، واحتواء الصين، وتقاسم الأعباء الأمنية والعسكرية مع الحلفاء، إلى جانب تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية.
ويعني ذلك أن حماية الحلفاء لم تعد تُفهم بوصفها غاية في حد ذاتها، بل أصبحت مشروطة بقدرتهم على تحمّل نصيب أكبر من مسؤولياتهم الأمنية. وبهذا المعنى، لم يعد الحليف مجرد متلقٍّ للضمانات، بل أصبح مطالباً بأن يتحول إلى فاعل أكثر استقلالاً في إدارة أمنه الإقليمي. ويندرج هذا التحول ضمن منطق «الموازنة من الخارج » (Offshore Balancing)، الذي يقوم على تقليص الانخراط الأمريكي المباشر مقابل تمكين الحلفاء من إدارة بيئاتهم الأمنية بأنفسهم، مع احتفاظ واشنطن بدور الموازن الخارجي أكثر من دور الضامن الشامل.
ومن ثم، أسهم هذا التحول في إضعاف النماذج التحالفية التقليدية التي قامت على مركزية الولايات المتحدة، وفتح المجال أمام البحث عن صيغ جديدة من التنسيق بين القوى المتوسطة في بيئة دولية يتراجع فيها اليقين الأمني القديم.
ثانياً: مقترح مجموعة MP5 بوصفه إطاراً لإعادة تعريف القوة المتوسطة ولسد فجوات التحالفات التقليدية
إن مفهوم «القوة المتوسطة» لا يُحيل، في الدراسات والمقترحات مثل مقترح مجموعة MP5، إلى مجرد توصيفٍ لدول متوسطة الحجم، بل إلى دول تمتلك قدرات استراتيجية مستقلة، وقواعد صناعية دفاعية متقدمة، وموقعاً مؤثراً في التوازنات الإقليمية والدولية. ومن ثم، قد يكون من الأدق الحديث عن «قوى متوسطة قوية» بدلاً من الاقتصار على مفهوم «القوى المتوسطة» بمعناه التقليدي؛ إذ إن الدول الخمس المعنية لا تمثل مجرد دول تقع بين القوى العظمى والدول الصغيرة، بل تملك مقومات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية تؤهلها للاضطلاع بأدوار عسكرية وأمنية أوسع.
وتتضح أهمية هذا الإطار التعريفي بصورة أكبر من خلال المقارنة بين G7 وQuad وMP5. فـG7 يظل، في جوهره، إطاراً يغلب عليه البعد الاقتصادي والمالي، في حين يتمحور Quad حول الأمن في الفضاء الهندي-الهادئ واحتواء الصين، مع غياب التمثيل الأوروبي عنه. أما MP5، فيبرز بوصفه إطاراً مختلفاً نوعياً، لأنه يجمع بين الأمن، والتكنولوجيا، والحوار النووي، والتعاون الدفاعي، والاستقلال النسبي عن البنية العسكرية الأمريكية المباشرة. كما يمنح كوريا الجنوبية موقعاً تأسيسياً لا توفره لها الأطر الأخرى، ويصل، في الوقت نفسه، بين الفضاءين الأوروبي والآسيوي ضمن بنية أمنية وعسكرية واحدة.
لذلك، يسد مقترح MP5 ثلاث فجوات بنيوية في آنٍ واحد، إذ يتجاوز الطابع الاقتصادي الغالب على G7 من خلال إدماج البعد الأمني والعسكري، كما يتخطى التركيز الجيوسياسي الضيق لـ Quad عبر تبني مقاربة أوسع لا تقتصر على الفضاء الهندي–الهادئ، فضلاً عن معالجته لإشكالية استبعاد كوريا الجنوبية، رغم ما لها من أهمية متصاعدة، من كلا الإطارين، من خلال منحها موقعاً مركزياً داخل بنية تعاون أمني أكثر توازناً وتكاملاً.
ومن ثم، لا يظهر مقترح مجموعة MP5 بوصفها مجرد منصة إضافية، بل باعتبارها صيغةً تسعى إلى معالجة اختلالات قائمة في بنية التمثيل الأمني والعسكري للقوى المتوسطة، وفتح المجال أمامها لبناء أجندة أمنية وعسكرية ذاتية وأقل تبعية وأكثر تنوعاً.

ثالثاً: التحولات العقائدية والعسكرية داخل الدول الخمس
1. فرنسا: الاستقلال الاستراتيجي بوصفه عقيدة أمنية. تمثل فرنسا داخل MP5 الحالة الأكثر اكتمالاً من حيث الجمع بين الاستقلال الاستراتيجي والقدرة العسكرية الذاتية. فهي لا تنظر إلى الأمن بوصفه امتداداً للحماية الأمريكية، بل باعتباره جزءاً من هويتها الاستراتيجية الوطنية. وتستند هذه المكانة إلى امتلاكها قدرات ردع نووي مستقلة، تشمل غواصات نووية حاملة للصواريخ، وغواصات هجومية من فئة Barracuda/Suffren، إلى جانب بنية وطنية خاصة في تخصيب اليورانيوم، بما يربط القرار السياسي بالقدرة الردعية من دون اعتماد بنيوي مباشر على الخارج. وتتجاوز أهمية فرنسا بعدها النووي إلى امتدادها العملياتي الفعلي خارج أوروبا. فوفقاً لاستراتيجيتها المحدثة، تُعدّ فرنسا دولة راسخة الوجود في الهندي–الهادئ، وتحافظ على حضور عسكري دائم في أقاليمها ما وراء البحار، بما يمنحها قدرة على العمل في مسرح يتجاوز الإطار الأوروبي الضيق. ومن هنا، تبدو داخل MP5 ليس فقط قوة أوروبية ذات ردع مستقل، بل أيضاً جسراً استراتيجياً وعملياتياً بين أوروبا وآسيا. وبهذا المعنى، تمثل فرنسا النموذج الأكثر نضجاً لعقيدة عسكرية تقوم على التوفيق بين الردع النووي، والاستقلالية السياسية، والانتشار العملياتي البعيد، وهو ما يمنحها دوراً تأسيسياً في أي محاولة لبناء هندسة أمنية أقل تبعية وأكثر استقلالاً.
2. المملكة المتحدة: من التفوق الاستخباري إلى التمدد العملياتي. إذا كانت فرنسا تمثل داخل MP5 نموذج الاستقلال الردعي، فإن المملكة المتحدة تمثل نموذج القوة الاستخبارية–العملياتية ذات الكفاءة العالية. فهي لا تبرز فقط بوصفها قوة عسكرية أوروبية، بل بوصفها فاعلاً يمتلك قدرات يصعب تعويضها في مجالات الاستخبارات الإشارية (SIGINT)، والأمن السيبراني، وشبكات تبادل المعلومات الاستراتيجية، وهو ما يجعلها عنصراً حاسماً في أي بنية أمنية ناشئة. غير أن أهمية بريطانيا لا تقف عند بعدها الاستخباري، بل تمتد إلى قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى حضور عملياتي فعلي. فالتراجع الخطابي لبعض المفاهيم مثل «بريطانيا العالمية» لم يُترجم إلى انكفاء عسكري، بل استمر الانخراط البريطاني في الهندي–الهادئ وتعزز من خلال عملية High Mast المرتبطة بحاملة الطائرات HMS Prince of Wales، بما يؤكد قدرة لندن على إسقاط القوة خارج المجال الأوروبي. وتتضاعف أهمية المملكة المتحدة داخل MP5 بفعل سابقة AUKUS، وما وفرته من خبرة في الدفع النووي البحري، فضلًا عن إعلان نورثوود الفرنسي–البريطاني الذي أظهر إمكان تنسيق قدرات ردعية مستقلة. وبذلك، تمثل بريطانيا حلقة وصل بين التفوق الاستخباري، والقدرة العملياتية، والخبرة المؤسسية في التعاون النووي والردعي.
3. ألمانيا: من الحذر الاستراتيجي إلى الانخراط المقيد. تمثل ألمانيا داخل MP5 حالة مختلفة نوعياً عن فرنسا والمملكة المتحدة، لأنها لا تدخل هذا الإطار من بوابة الردع السيادي أو القدرة العملياتية العابرة للمسارح، بل من بوابة الكتلة الصناعية–التكنولوجية التي تجعل منها أحد الأعمدة الصامتة في أي بنية أمنية جماعية متقدمة. ومن هذه الزاوية، فإن أهميتها لا تكمن في ما تفتقده مقارنة بفرنسا أو بريطانيا، بل في نوع القوة المختلفة التي تضيفها إلى هذا التشكيل. ويكتسب هذا الدور أهميته في ضوء التحول الذي شهده التفكير الأمني الألماني بعد منعطف Zeitenwende، والذي كشف أن ألمانيا لم تعد قادرة على الاكتفاء بموقع القوة الاقتصادية المدنية المنفصلة عن مقتضيات الصراع الاستراتيجي. ومع ذلك، يظل هذا التحول مقيداً بقيود تاريخية وسياسية وثقافية عميقة، وهو ما يجعل برلين تمثل نموذج «الانخراط الاستراتيجي المقيد»: أي المشاركة الفاعلة في بناء الأمن الجماعي من دون تبنّي منطق الردع النووي المباشر أو التوسع العملياتي الواسع. ومن هنا، تظهر القيمة الحقيقية لألمانيا في مجالات الصناعة الدفاعية المتقدمة، وتقنيات الاستشعار الدقيقة، والفضاء، والسيبرانية، وبناء المنصات البحرية. وبهذا المعنى، تجسد ألمانيا تحولاً مهماً في مفهوم القوة، إذ لم يعد الوزن الاستراتيجي يُقاس فقط بالسلاح النووي أو الانتشار العسكري، بل أيضاً بامتلاك القدرة على إنتاج التكنولوجيا وإسناد البنية الدفاعية الجماعية.
4. اليابان: من منطق الدفاع المقيد تحالفياً إلى توسيع الاستقلالية. تمثل اليابان داخل MP5 واحدة من أكثر الحالات دلالة على التحول الهادئ ولكن العميق في العقيدة الأمنية للقوى المتوسطة. فهي لا تنتقل من التبعية الكاملة إلى الاستقلال الكامل، بل تتحرك في مساحة أكثر تعقيداً بين استمرار التحالف وتوسيع الاستقلالية، وهو ما يجعلها حالة تفسيرية مهمة لفهم كيف تعيد بعض الدول المتقدمة صياغة أمنها في ظل تراجع اليقين الذي كانت توفره المظلة الأمريكية. فاليابان لم تعد تكتفي بمنطق الدفاع المقيد تحالفياً الذي طبع سياستها الأمنية لعقود، بل بدأت تتحرك نحو توسيع هامش الفعل الذاتي عبر رفع الإنفاق الدفاعي، وتطوير قدرات هجومية مضادة، وتنويع الشراكات العسكرية–الصناعية خارج الإطار الأمريكي المباشر. وهذا التحول لا يعني خروجها من تحالفها مع واشنطن، لكنه يعني أنها لم تعد ترى هذا التحالف بديلاً كاملاً عن بناء قدرتها الذاتية. وتزداد أهمية اليابان داخل MP5 بوصفها حلقة وصل بين الأمن الآسيوي والبنية التكنولوجية–العملياتية للقوى المتوسطة. فهي تضيف ثقلاً آسيوياً متقدماً، وتمثل عنصراً مهماً في بناء تكامل بحري وصناعي وتكنولوجي مع كوريا الجنوبية، ومع الخبرات الفرنسية والبريطانية في الدفع النووي البحري والاستشعار والانتشار البحري.
رابعاً: الأجندة العسكرية والعملياتية المقترحة
تتجاوز أهمية MP5 رمزيته السياسية إلى قابليته للتحول إلى بنية أمنية وظيفية تقوم على أدوات عملية لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الجماعي، ولا سيما في مجالات حساسة مثل التعاون النووي، والأمن البحري، والتكنولوجيا الدفاعية.
١. التعاون في مجال الغواصات النووية وتقنيات الطاقة الذرية: تحتل الغواصات النووية وتقنيات الطاقة الذرية موقعاً مركزياً في أجندة MP5، خاصة بالنسبة لكوريا الجنوبية، حيث لم يعد الدفع النووي خياراً تقنياً فحسب، بل ضرورة لتعزيز الردع البحري طويل المدى. ومع استمرار القيود الأمريكية على نقل التكنولوجيا النووية، يبرز التعاون مع فرنسا والمملكة المتحدة بوصفه بديلاً استراتيجياً يخفف من الارتهان التكنولوجي. وتكتسب فرنسا أهمية خاصة لاعتمادها اليورانيوم منخفض التخصيب في غواصات Barracuda، بما يقلل القيود المرتبطة بعدم الانتشار مقارنة بالنماذج عالية التخصيب. ومن ثم، يتجاوز هذا التعاون البعد التقني ليؤسس مساراً أكثر مرونة قانونياً وسياسياً. كما يعكس إنشاء مجموعة عمل متخصصة في الأمن البحري والدفع النووي انتقال MP5 من مستوى التنسيق السياسي إلى التطوير المؤسسي والتقني المنظم.
2. الأمن التكنولوجي وبناء سلسلة إمداد دفاعية مستقلة: يبرز الأمن التكنولوجي كأحد أهم دوافع MP5، في ظل مفارقة أمريكية واضحة: مطالبة الحلفاء بتحمّل أعباء أمنية أكبر، مع الإبقاء على قيود صارمة في نقل التكنولوجيا الحساسة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى بناء قاعدة دفاعية وتكنولوجية أكثر استقلالاً بين القوى المتوسطة، بما يخفف الارتهان للولايات المتحدة في المجالات الحاسمة. وتتجسد هذه الأجندة في أربعة مسارات رئيسية: شبكة مستقلة للمراقبة البحرية، والتطوير المشترك للأنظمة غير المأهولة، وتصميم أصول بحرية للمراقبة، إضافة إلى تعزيز التعاون السيبراني والفضائي. ويكشف ذلك أن التحول في الاستراتيجيات العسكرية للقوى المتوسطة لم يعد يقتصر على تحديث الجيوش والمنصات القتالية، بل بات يشمل أيضاً إعادة بناء البنية التحتية التكنولوجية للأمن والدفاع على أسس أكثر تنوعاً وتكاملاً.
3. الربط بين الأمن الأوروبي والآسيوي: تتجلى أهمية MP5 أيضاً في تجاوزه الفصل التقليدي بين الأمن الأوروبي والأمن الآسيوي، انطلاقاً من أن التهديدات لم تعد محصورة في أطر إقليمية منفصلة، بل باتت جزءاً من مسرح أوراسي أوسع تتداخل فيه مصالح روسيا، والصين، وكوريا الشمالية، وإيران. ومن هنا، تكتسب فكرة مبادرة أمن بحري أوراسية أهمية خاصة، لأنها تنقل التعاون من مستوى الحوار السياسي إلى التمارين المشتركة، والمهام العملياتية، والتنسيق البحري المنتظم. ويعكس ذلك تحولاً في العقيدة الاستراتيجية للقوى المتوسطة، من التركيز على البيئات الإقليمية الضيقة إلى التفكير في ترابط المسارح الأمنية الكبرى.
4. الحوار النووي في عصر ما بعد الردع الموسّع: لا يهدف MP5 إلى أن يكون مظلة نووية بديلة، بل إلى فتح حوار استراتيجي نووي في ظل اتساع فجوة الردع الناتجة عن تراجع موثوقية الردع الموسّع الأمريكي. فالمقصود ليس استنساخ ترتيبات الناتو، بل مناقشة بدائل الردع وموقع القدرات النووية الفرنسية والبريطانية داخل توازن أكثر مرونة. ومن ثم، لا تكمن أهمية MP5 فقط في كونه إطاراً جديداً للتعاون الأمني، بل أيضاً في كونه مختبراً استراتيجياً لإعادة تعريف الأمن، والردع، والاستقلالية، في عالم أكثر سيولة وتعدداً.
الخاتمة
على الرغم من الطابع الطموح لمشروع MP5، فإنه لا يخلو من عوائق بنيوية وسياسية وتاريخية، قد تحدّ من سرعة تبلوره، وفي مقدمتها الشكوك التاريخية بين كوريا الجنوبية واليابان، واحتمال التحفظ الأمريكي إذا ما فُهم بوصفه مساراً موازياً للبنى الأمنية التي تقودها واشنطن، فضلً عن الحساسيات المرتبطة بنقل التكنولوجيا الدفاعية والنووية، وتفاوت المواقف الداخلية بين الدول الأعضاء. ومع ذلك، لا تُفرغ هذه القيود المشروع من قيمته، بل تؤكد أن نجاحه يظل رهين التدرج، والمرونة، والاحتواء السياسي، بما يضمن له طابعاً تكميلياً لا تنافسياً. وفي هذا السياق، يكشف مقترح MP5 أن ما تشهده الاستراتيجيات العسكرية للقوى المتوسطة لا يمثل مجرد استجابة ظرفية لتغيرات البيئة الأمنية، بل يعكس تحولاً أعمق في منطق التموقع الاستراتيجي ذاته. فلم تعد هذه القوى تنظر إلى أمنها باعتباره امتداداً تلقائياً لتحالفات موروثة أو لضمانات خارجية مستقرة، بل باتت تتجه إلى إنتاج جزء متزايد من أمنها بنفسها عبر مزيج من الردع، والتكنولوجيا، والتنسيق المؤسسي، والانخراط العملياتي. ومن ثم، يتجاوز MP5 كونه مجرد إطار تنظيمي بين خمس دول، ليعبّر عن وعي استراتيجي جديد لدى القوى المتوسطة في بيئة ما بعد الردع الموسّع. ولا يقتصر هذا المقترح على أعضائه المحتملين، بل يمكن النظر إليه أيضاً بوصفه نموذجاً قابلاً للاستلهام من قبل قوى متوسطة أخرى في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، تسعى إلى توسيع استقلالها الاستراتيجي من دون القطيعة مع التحالفات القائمة. ومن هذه الزاوية، يقدم مقترح MP5 تصوراً عملياً لانتقال القوى المتوسطة من موقع الاعتماد الأمني إلى موقع المشاركة في إنتاج الأمن، عبر صيغ تعاون مرنة تقوم على التكامل الوظيفي لا على التماثل الكامل في القدرات أو المصالح.
الأستاذ الدكتور وائل صالح مدير بمركز تريندز للبحوث والاستشارات بفرنسا وكندا










