Screenshot 2026-05-04 at 7.25.03 AM

من الفرق إلى الألوية: إعادة الهيكلة تجربة الجيش الأمريكي لتحقيق المواءمة الاستراتيجية

تُعد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬المؤسسي‭ ‬Institutional Adaptability‭  ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المتغيرة‭. ‬فالجيوش‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بجمود‭ ‬تنظيماتها‭ ‬وتتمسك‭ ‬بهياكل‭ ‬صُمِّمت‭ ‬لبيئات‭ ‬عملياتية‭ ‬سابقة،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬الاستجابة‭ ‬لمتطلبات‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬المؤسسي‭ ‬تجربة‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬تنظيمه‭ ‬القتالي‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬حين‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬هيكل‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬الفرق‭ (‬Division-centric force structure‭)  ‬إلى‭ ‬هيكل‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬الألوية‭ (‬Brigade-centric force structure‭).‬

تطور‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭ ‬للجيش‭ ‬الأمريكي

جاء‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬العمليات‭ ‬القتالية‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق،‭ ‬حيث‭ ‬كشفت‭ ‬التجربة‭ ‬العملياتية‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تشكيلات‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬وقابلية‭ ‬للانتشار‭ ‬السريع‭. ‬وقد‭ ‬عكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بمفهوم‭ ‬المواءمة‭ ‬الاستراتيجية‭  (‬Strategic Alignment‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬مواءمة‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭ ‬والقدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬البيئة‭ ‬العملياتية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬العسكرية‭.‬

الهيكل‭ ‬التقليدي‭: ‬الجيش‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬الفرق

اعتمد‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬طوال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬نموذجاً‭ ‬تنظيمياً‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬تشكيل‭ ‬الفرقة‭ (‬Division‭)  ‬بوصفها‭ ‬التشكيل‭ ‬الأساس‭ ‬للعمليات‭. ‬وكانت‭ ‬الفرقة‭ ‬تضم‭ ‬عادة‭ ‬عدة‭ ‬ألوية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وحدات‭ ‬الإسناد‭ ‬المختلفة‭ ‬مثل‭ ‬المدفعية‭ ‬والاستطلاع‭ ‬والهندسة‭ ‬وعناصر‭ ‬الإدامة‭. ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬سيناريوهات‭ ‬العمليات‭ ‬المتوقعة‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬احتمال‭ ‬اندلاع‭ ‬حروب‭ ‬تقليدية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬الأوروبي‭ ‬أو‭ ‬مسارح‭ ‬مشابهة‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬مناسباً‭ ‬لما‭ ‬عرفت‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الحروب‭ ‬الصناعية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬ساد‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وارتبط‭ ‬بقدرة‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والصناعية‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭. ‬ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحروب،‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬تشكيلات‭ ‬كبيرة‭ ‬وثقيلة،‭ ‬أثبت‭ ‬تنظيم‭ ‬الفرق‭ ‬فعاليته‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬أصبح‭ ‬أقل‭ ‬ملاءمة‭ ‬لبيئات‭ ‬العمليات‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬والتي‭ ‬اتسمت‭ ‬بتزايد‭ ‬العمليات‭ ‬المحدودة،‭ ‬وتصاعد‭ ‬حروب‭ ‬مكافحة‭ ‬التمرد،‭ ‬وتكرار‭ ‬انتشار‭ ‬القوات‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬متعددة‭.‬

تجدد‭ ‬بيئة‭ ‬العمليات

مع‭ ‬انطلاق‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬واجه‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬بيئة‭ ‬عمليات‭ ‬تختلف‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬عن‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬صُمِّمت‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬هياكل‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬خلال‭ ‬حقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭. ‬فقد‭ ‬اتسمت‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬بانتشار‭ ‬العمليات‭ ‬في‭ ‬مسارح‭ ‬جغرافية‭ ‬واسعة‭ ‬ومتعددة،‭ ‬وبالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬قوات‭ ‬أصغر‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬متباعدة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تنوع‭ ‬المهام‭ ‬بين‭ ‬القتال‭ ‬التقليدي‭ ‬وعمليات‭ ‬مكافحة‭ ‬التمرد‭ ‬ومهام‭ ‬الاستقرار‭ ‬وبناء‭ ‬السلام‭. ‬كما‭ ‬جرت‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬غالباً‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬مشتركة‭ ‬ومتعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬فرض‭ ‬متطلبات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المرونة‭ ‬التنظيمية‭ ‬وسرعة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التنسيق‭ ‬العملياتي‭.‬

وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬مع‭ ‬تدخلات‭ ‬الناتو‭ ‬في‭ ‬البلقان‭ ‬خلال‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتبلور‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬الحملات‭ ‬العسكرية‭ ‬اللاحقة‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬المتغيرة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الهيكل‭ ‬المتمحور‭ ‬حول‭ ‬الفرق‭ ‬الكبيرة‭ ‬يوفر‭ ‬المستوى‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬المرونة‭ ‬وسرعة‭ ‬الانتشار‭. ‬وقد‭ ‬كشف‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬طبيعة‭ ‬التشكيلات‭ ‬القائمة‭ ‬ومتطلبات‭ ‬البيئة‭ ‬العملياتية‭ ‬الجديدة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تنظيمات‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬وقابلية‭ ‬للتكيف‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تشكيلات‭ ‬أصغر‭ ‬حجماً‭ ‬وأكثر‭ ‬استقلالية‭ ‬عملياتية،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬المتكرر‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬مسارح‭ ‬متعددة‭. ‬كما‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تطوير‭ ‬هياكل‭ ‬تنظيمية‭ ‬تتيح‭ ‬توزيع‭ ‬القوات‭ ‬بسرعة‭ ‬بين‭ ‬مسارح‭ ‬العمليات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وتحسين‭ ‬فعالية‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬أنماط‭ ‬العمليات‭ ‬غير‭ ‬التقليدية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مكافحة‭ ‬التمرد‭ ‬وعمليات‭ ‬الاستقرار‭. ‬كذلك‭ ‬تطلبت‭ ‬طبيعة‭ ‬العمليات‭ ‬الحديثة‭ ‬تشكيل‭ ‬وحدات‭ ‬يمكن‭ ‬دمجها‭ ‬بسهولة‭ ‬في‭ ‬الأطر‭ ‬المشتركة‭ ‬والمتعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬سمة‭ ‬بارزة‭ ‬للعمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬المعاصرة‭.‬

التحول‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬معتمد‭ ‬على‭ ‬الألوية

يمكن‭ ‬فهم‭ ‬التحول‭ ‬التنظيمي‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬بوصفه‭ ‬مثالاً‭ ‬عملياً‭ ‬على‭ ‬المواءمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭ ‬والبيئة‭ ‬العملياتية‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬التجارب‭ ‬العملياتية‭ ‬أن‭ ‬التشكيلات‭ ‬الكبيرة‭ ‬المتمركزة‭ ‬حول‭ ‬الفرق،‭ ‬رغم‭ ‬فعاليتها‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬التقليدية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬انتشاراً‭ ‬سريعاً‭ ‬ومرونة‭ ‬تنظيمية‭ ‬أعلى‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تشكيلات‭ ‬أصغر‭ ‬وأكثر‭ ‬تكاملاً‭ ‬تجمع‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬واحد‭ ‬عناصر‭ ‬المناورة‭ ‬والنيران‭ ‬والاستطلاع‭ ‬والدعم‭ ‬اللوجستي‭ ‬وتتمتع‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاستقلالية‭ ‬العملياتية‭.‬

في‭ ‬الإطار‭ ‬المتقدم،‭ ‬تبنّى‭ ‬الجيش‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬برنامج‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬شامل‭ ‬عُرف‭ ‬باسم‭ ‬Army Modularity Initiative‭.‬،‭ ‬وقد‭ ‬تمثل‭ ‬جوهر‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬فريق‭ ‬اللواء‭ (‬Brigade Combat Team‭ – ‬BCT‭)  ‬كوحدة‭ ‬القتال‭ ‬الأساس‭ ‬القابلة‭ ‬للانتشار،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬الألوية‭ ‬تشكيلات‭ ‬معيارية‭ ‬يمكن‭ ‬نشرها‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة‭ ‬أو‭ ‬دمجها‭ ‬ضمن‭ ‬تشكيلات‭ ‬أكبر‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭. ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مرونة‭ ‬القوة‭ ‬البرية‭ ‬وتسريع‭ ‬قدرة‭ ‬الانتشار،‭ ‬كما‭ ‬أتاح‭ ‬للقيادة‭ ‬العملياتية‭ ‬تنظيم‭ ‬قواتها‭ ‬في‭ ‬تشكيلات‭ ‬قتالية‭ ‬قابلة‭ ‬للتكيّف‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬المهمة‭ ‬والبيئة‭ ‬العملياتية‭. ‬وقد‭ ‬اشتقت‭ ‬أهداف‭ ‬عمليات‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬البيئة‭ ‬المتجددة‭ ‬وتم‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬أهداف‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬تبني‭ ‬مفهوم‭ ‬BCT‭. ‬فيما‭ ‬يلي‭ ‬أهداف‭ ‬عماية‭ ‬التحول‭:‬

•‭ ‬تعزيز‭ ‬قابلية‭ ‬الانتشار‭ ‬السريع‭.‬

•‭ ‬زيادة‭ ‬المرونة‭ ‬العملياتية‭.‬

•‭ ‬تحسين‭ ‬فعالية‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭.‬

•‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬الحروب‭ ‬غير‭ ‬التقليدية‭.‬

•‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الاستقلالية‭ ‬العملياتية‭ ‬للتشكيلات‭.‬

•‭ ‬تعزيز‭ ‬قابلية‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬المشتركة‭ ‬والمتعددة‭ ‬الجنسيات‭.‬

صُمِّمت‭ ‬مجاميع‭ ‬أو‭ ‬فرق‭ ‬الألوية‭ ‬BCTs‭ ‬في‭ ‬الهيكل‭ ‬الجديد،‭ ‬بحيث‭ ‬تمتلك‭ ‬قدراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬القدرات‭ ‬القتالية‭ ‬والدعم‭ ‬اللازم‭ ‬لتنفيذ‭ ‬العمليات‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الاستقلالية‭. ‬وتشمل‭ ‬بنية‭ ‬اللواء‭ ‬عادة‭ ‬وحدات‭ ‬المشاة‭ ‬أو‭ ‬الدروع،‭ ‬وكتيبة‭ ‬مدفعية،‭ ‬وعناصر‭ ‬استطلاع‭ ‬ومراقبة،‭ ‬ووحدات‭ ‬هندسة‭ ‬ميدان،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عناصر‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إلحاقها‭ ‬بفريق‭ ‬اللواء‭ ‬بشكل‭ ‬دائم،‭ ‬ومنظومات‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭. ‬وبذلك‭ ‬تحولت‭ ‬الألوية‭ ‬من‭ ‬وحدات‭ ‬تابعة‭ ‬للفرق‭ ‬إلى‭ ‬تشكيلات‭ ‬متكاملة‭ ‬نسبياً‭ ‬يمكن‭ ‬نشرها‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة‭ ‬أو‭ ‬ضمن‭ ‬تشكيلات‭ ‬أكبر‭ ‬وفقاً‭ ‬لطبيعة‭ ‬المهمة‭.‬

المواءمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬الهيكل‭ ‬والبيئة‭ ‬العملياتية

تُعد‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬مثالاً‭ ‬تطبيقياً‭ ‬لمفهوم‭ ‬المواءمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬العسكرية‭. ‬فالقيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬الرؤية‭ ‬أو‭ ‬وضع‭ ‬الاستراتيجيات،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬ضمان‭ ‬توافق‭ ‬مختلف‭ ‬عناصر‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ – ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭ ‬والقدرات‭ ‬والموارد‭ – ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬البيئة‭ ‬العملياتية‭.‬

وفي‭ ‬حالة‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أدركت‭ ‬القيادة‭ ‬العسكرية‭ ‬أن‭ ‬البيئة‭ ‬العملياتية‭ ‬الجديدة‭ ‬تتطلب‭ ‬قوة‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬وقابلية‭ ‬للانتشار،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬استدعى‭ ‬تعديل‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭ ‬للجيش،‭ ‬بحيث‭ ‬يعكس‭ ‬هذه‭ ‬المتطلبات‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬بوصفها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬أوسع‭ ‬لتكييف‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراعات‭ ‬المعاصرة‭.‬

الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬

يمكن‭ ‬استخلاص‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدروس‭ ‬المهمة‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬النموذج‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬الألوية،‭ ‬إذ‭ ‬تكشف‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية‭ ‬العسكرية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬اتصافها‭ ‬بالجمود،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تخضع‭ ‬للمراجعة‭ ‬الدورية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬تطور‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وطبيعة‭ ‬التهديدات‭. ‬فالتجربة‭ ‬الأمريكية‭ ‬توضح‭ ‬أن‭ ‬التمسك‭ ‬بهياكل‭ ‬تنظيمية‭ ‬موروثة‭ ‬قد‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬الفعّالة‭ ‬للتحولات‭ ‬العملياتية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتيح‭ ‬التكيف‭ ‬المؤسسي‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ملاءمة‭ ‬التنظيم‭ ‬العسكري‭ ‬للمهام‭ ‬المتغيرة‭. ‬كما‭ ‬تُبرز‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أهمية‭ ‬ربط‭ ‬تنظيم‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬بمتطلبات‭ ‬بيئة‭ ‬العمليات‭ ‬الفعلية،‭ ‬لا‭ ‬بالأُطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬التقليدية‭ ‬أو‭ ‬الإرث‭ ‬المؤسسي‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬العمليات‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬أن‭ ‬التنظيم‭ ‬المصمم‭ ‬لحروب‭ ‬تقليدية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬الأنسب‭ ‬لعمليات‭ ‬الانتشار‭ ‬المتكرر‭ ‬أو‭ ‬للمهام‭ ‬متعددة‭ ‬الطبيعة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬القتال‭ ‬التقليدي‭ ‬وعمليات‭ ‬الاستقرار‭ ‬ومكافحة‭ ‬التمرد‭. ‬تؤكد‭ ‬التجربة‭ ‬كذلك‭ ‬الدور‭ ‬الحاسم‭ ‬للقيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬إدراك‭ ‬فجوة‭ ‬التوافق‭ ‬بين‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭ ‬والواقع‭ ‬العملياتي،‭ ‬وفي‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬المؤسسي‭ ‬اللازم‭ ‬لمعالجة‭ ‬تلك‭ ‬الفجوة‭. ‬فالتحول‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬تعديل‭ ‬تنظيمي‭ ‬محدود،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬أوسع‭ ‬لإعادة‭ ‬مواءمة‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬البيئة‭ ‬العملياتية‭ ‬الجديدة‭. ‬أخيراً،‭ ‬تُبرز‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أهمية‭ ‬المرونة‭ ‬التنظيمية‭ ‬بوصفها‭ ‬أحد‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬المعاصرة‭. ‬فالقوات‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬تشكيلات‭ ‬قابلة‭ ‬للتكيف‭ ‬والانتشار‭ ‬السريع‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬لمجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬والسيناريوهات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬فاعليتها‭ ‬العملياتية‭ ‬ويمنح‭ ‬القيادة‭ ‬العسكرية‭ ‬خيارات‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬العمليات‭. ‬خاتمة‭ ‬تؤكد‭ ‬تجربة‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬القوات،‭ ‬بل‭ ‬يعتمد‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ملاءمة‭ ‬التنظيم‭ ‬العسكري‭ ‬لطبيعة‭ ‬العمليات‭ ‬المتوقعة‭. ‬وفي‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتعقيد‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين،‭ ‬تصبح‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬المواءمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬الرؤية‭ ‬والهيكل‭ ‬والبيئة‭ ‬العملياتية‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬العسكرية‭.‬

نحو‭ ‬القوة‭ ‬المعيارية‭ 

لم‭ ‬يتوقف‭ ‬التطور‭ ‬التنظيمي‭ ‬عند‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬BCT،‭ ‬بل‭ ‬استمر‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬تطوري‭ ‬أوسع‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة‭ ‬المعيارية‭ (‬Modular Force‭) ‬‭. ‬يقوم‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬في‭ ‬وحدات‭ ‬معيارية‭ ‬يمكن‭ ‬إعادة‭ ‬تركيبها‭ ‬ودمجها‭ ‬بمرونة‭ ‬وفقاً‭ ‬لطبيعة‭ ‬المهمة‭ ‬والبيئة‭ ‬العملياتية‭. ‬وبدل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬تشكيلات‭ ‬ثابتة‭ ‬كبيرة،‭ ‬يتيح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬بناء‭ ‬تشكيلات‭ ‬عملياتية‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الوحدات‭ ‬المتخصصة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬القيادة‭ ‬العسكرية‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬العمليات‭ ‬المشتركة‭ ‬ومتعددة‭ ‬المجالات‭.‬

وقد‭ ‬أصبح‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراعات،‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بتداخل‭ ‬المجالات‭ ‬البرية‭ ‬والجوية‭ ‬والبحرية‭ ‬والفضائية‭ ‬والسيبرانية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬هياكل‭ ‬تنظيمية‭ ‬مرنة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬عملياتية‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭.‬

خاتمة

تؤكد‭ ‬تجربة‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬القوات،‭ ‬بل‭ ‬يعتمد‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ملاءمة‭ ‬التنظيم‭ ‬العسكري‭ ‬لطبيعة‭ ‬العمليات‭ ‬المتوقعة‭. ‬وفي‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتعقيد‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين،‭ ‬تصبح‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬المواءمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬الرؤية‭ ‬والهيكل‭ ‬والبيئة‭ ‬العملياتية‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬العسكرية‭.‬

اللواء‭ ‬م‭/ ‬ خالد‭ ‬السميطي‭ ‬

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض