Ambassadors in Blue

EA-37B.. سلاح الهيمنة الإلكترونية في سماء المعركة

شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الحديث داخل الأوساط العسكرية والتحليلية عن طائرة EA-37B Compass Call، وذلك بالتزامن مع دخولها التدريجي الخدمة العملياتية لدى القوات الجوية الأمريكية وبدء ظهورها في التدريبات والأنشطة العسكرية المتقدمة.

ويعكس هذا الاهتمام المتزايد إدراكاً متنامياً لأهمية الحرب الإلكترونية بوصفها أحد الأعمدة الرئيسية للحروب الحديثة. ففي بيئة الصراع المعاصر، لم تعد السيطرة الجوية تُقاس فقط بعدد الطائرات المقاتلة أو قوة التسليح، بل أصبحت القدرة على السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي عاملاً حاسماً في تشكيل بيئة المعركة.

وتعتمد الجيوش الحديثة بدرجة كبيرة على شبكات الاتصالات الرقمية وأنظمة القيادة والسيطرة والرادارات المتقدمة، ما يجعل هذه الشبكات هدفاً رئيسياً في أي صراع عسكري. ومن هنا تبرز أهمية المنصات الجوية القادرة على تعطيل هذه الأنظمة أو إرباكها، وهو الدور الذي صُممت EA-37B لأدائه.

وفي هذا السياق، يقدم هذا البروفايل قراءة تعريفية وتحليلية لهذه الطائرة، من حيث خلفيتها التقنية ودورها العملياتي في منظومة العمليات الجوية الحديثة.

جذور البرنامج: تطور مفهوم «Compass Call»

يرتبط تاريخ EA-37B ببرنامج Compass Call الذي طوّرته القوات الجوية الأمريكية خلال الحرب الباردة بهدف امتلاك قدرة جوية متخصصة لتعطيل الاتصالات العسكرية المعادية والتأثير في شبكات القيادة والسيطرة.

وقد اضطلعت بهذه المهمة لسنوات طويلة الطائرة EC-130H Compass Call التي دخلت الخدمة في ثمانينات القرن الماضي.
وخلال العقود التالية، لعبت هذه الطائرة دوراً مهماً في عدد من العمليات العسكرية، حيث استُخدمت قدراتها الإلكترونية لتعطيل الاتصالات العسكرية المعادية وتقليص قدرة الخصم على إدارة العمليات الميدانية. غير أن التطورات المتسارعة في تقنيات الاتصالات الرقمية والشبكات العسكرية الحديثة فرضت تحديات جديدة لم تكن الأنظمة القديمة قادرة على التعامل معها بالكفاءة المطلوبة.

ولهذا السبب أُطلق برنامج Compass Call Rehost لنقل منظومة الحرب الإلكترونية المتقدمة إلى منصة جوية أحدث وأكثر كفاءة، قادرة على استيعاب التقنيات الحديثة وتوفير قدرات تشغيلية أفضل من حيث السرعة والمدى والمرونة العملياتية. وكانت نتيجة هذا البرنامج تطوير طائرة EA-37B بوصفها الجيل الجديد من منصات الهجوم الإلكتروني الجوي.

التسمية العسكرية

يحمل اسم الطائرة دلالات مرتبطة بنظام التسمية المستخدم في القوات الجوية الأمريكية. فالرمز EA يشير إلى مهمة الهجوم الإلكتروني (Electronic Attack)، وهو تصنيف يُمنح للطائرات المتخصصة في تعطيل الأنظمة الإلكترونية للخصم مثل الاتصالات والرادارات وشبكات القيادة والسيطرة.

أما الرقم 37 فيرتبط بالطراز الأساسي للطائرة التي بُنيت عليها المنصة، في حين يشير الحرف B إلى النسخة أو الإصدار من هذا الطراز. وتستخدم القوات الجوية الأمريكية هذا النظام لتحديد طبيعة المهمة والإصدار الفني للطائرة.

أما اسم Compass Call فهو اسم برنامج الحرب الإلكترونية نفسه، الذي استُخدم سابقاً على الطائرة EC-130H قبل نقله إلى المنصة الجديدة. وقد أصبح هذا الاسم مرتبطاً تاريخياً بقدرات التشويش الإلكتروني التي تطورها القوات الجوية الأمريكية في مجال تعطيل الاتصالات العسكرية.

التحول إلى منصة نفاثة بعيدة المدى

تعتمد EA-37B على منصة «Gulfstream G550»، وهي طائرة نفاثة بعيدة المدى خضعت لتعديلات عسكرية واسعة لتلائم متطلبات الحرب الإلكترونية.

ويُعد اختيار هذه المنصة خطوة مهمة في تحديث قدرات الطائرة مقارنة بالجيل السابق الذي كان يعتمد على طائرة نقل عسكرية توربينية.

يوفر هذا الانتقال إلى منصة نفاثة عدداً من المزايا التشغيلية المهمة، من بينها القدرة على الطيران لمسافات أطول وعلى ارتفاعات أعلى، إضافة إلى سرعة انتقال أكبر بين مسارح العمليات المختلفة.

كما تتميز هذه المنصة بكفاءة تشغيلية مرتفعة مقارنة بالطائرات القديمة، ما يساهم في تقليل تكاليف التشغيل والصيانة.
ومن الناحية التقنية، تتيح البنية الحديثة للطائرة دمج أنظمة إلكترونية أكثر تطوراً، بما في ذلك أجهزة الاستشعار وأنظمة تحليل الإشارات ومعدات التشويش المتقدمة.

كما توفر المساحة الداخلية للطائرة بيئة مناسبة لتركيب هذه المعدات وتشغيلها بواسطة طاقم متخصص من مشغلي الحرب الإلكترونية.

مهام الطائرة: الهجوم الإلكتروني في صلب المعركة

تنتمي EA-37B إلى فئة الطائرات المتخصصة في «الهجوم الإلكتروني»، وهي منصات تهدف إلى التأثير في الأنظمة الإلكترونية للخصم بدلاً من استهدافه بالأسلحة التقليدية.

وتتمثل الفكرة الأساسية لهذه المهمة في تعطيل قدرة العدو على التواصل وتبادل المعلومات وإدارة العمليات العسكرية.


تشمل مهام الطائرة مجموعة من الوظائف الحيوية، أبرزها: التشويش على الاتصالات العسكرية المعادية، وتعطيل شبكات القيادة والسيطرة، وإرباك أنظمة الرادار والدفاع الجوي، ودعم العمليات الجوية عبر تهيئة المجال الكهرومغناطيسي للطائرات الصديقة.

وتكمن أهمية هذه القدرات في أنها تستهدف «العصب المعلوماتي للخصم»، حيث تعتمد الجيوش الحديثة بشكل متزايد على تدفق المعلومات والاتصالات الرقمية في إدارة المعركة. وعندما تتعرض هذه الشبكات للتشويش أو التعطيل، تتراجع قدرة القوات المعادية على التنسيق واتخاذ القرار، ما يمنح الطرف الآخر ميزة عملياتية مهمة.

أنظمة الحرب الإلكترونية

تعتمد الطائرة على مجموعة متطورة من أنظمة الحرب الإلكترونية المصممة للعمل عبر نطاق واسع من الترددات الكهرومغناطيسية. وتشمل هذه الأنظمة أجهزة متقدمة لاعتراض الإشارات وتحليلها، إضافة إلى معدات تشويش قادرة على التأثير في مختلف أنواع الاتصالات والرادارات.

وتقوم هذه الأنظمة برصد الإشارات الصادرة عن أنظمة الخصم وتحليل طبيعتها ومصدرها، ثم اختيار أسلوب التشويش المناسب لتعطيلها أو إرباكها.

وتتميز هذه العملية بقدرتها على العمل في الزمن الحقيقي تقريباً، ما يمنح الطائرة مرونة كبيرة في التعامل مع البيئات العملياتية المعقدة.

دور المنصة في العمليات الجوية الحديثة

في العمليات الجوية المعاصرة، تعمل الطائرات القتالية ضمن منظومة متكاملة من المنصات الجوية والفضائية والإلكترونية.

وفي هذا الإطار، تلعب EA-37B دوراً مهماً في دعم الطائرات المقاتلة المتقدمة مثل «F-35 Lightning II» عبر توفير مظلة تشويش إلكتروني تعقّد عمل الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي المعادية.

كما تسهم الطائرة في عمليات «قمع الدفاعات الجوية» من خلال تقليص قدرة منظومات الرادار على اكتشاف الأهداف أو توجيه الصواريخ، ما يفتح المجال أمام الطائرات الهجومية للعمل بكفاءة أكبر.

الوحدات المشغلة وبرنامج التطوير

تُشغَّل هذه الطائرة ضمن وحدات الحرب الإلكترونية التابعة لسلاح الجو الأمريكي، وأبرزها المجموعة 55 للقتال الإلكتروني التابعة للجناح الجويth Wing 55 في قاعدة Offutt الجوية بولاية نبراسكا.

وقد مر برنامج تطوير الطائرة بعدة مراحل، بدأت بإطلاق برنامج Compass Call Rehost عام 2017 لنقل الأنظمة الإلكترونية إلى منصة جديدة. ثم جرى تعديل الطائرات وإجراء الاختبارات خلال الأعوام التالية، وصولاً إلى أول رحلة للطائرة في عام 2023 وتسليم أول طائرة تشغيلية للقوات الجوية الأمريكية في عام 2024.

الإنتاج والتكلفة: منصة محدودة العدد عالية التأثير

على الرغم من الأهمية العملياتية الكبيرة لهذه الطائرة، فإن برنامج إنتاجها يظل محدوداً نسبياً. فسلاح الجو الأمريكي يخطط لامتلاك نحو 10 طائرات فقط من هذا النوع لتحل محل الطائرات الأقدم من طراز EC-130H.

ويعود هذا العدد المحدود إلى طبيعة المهمة التي تؤديها هذه المنصة؛ إذ إن طائرة حرب إلكترونية واحدة قادرة على التأثير في مساحة واسعة من ساحة المعركة قد تمتد إلى مئات الكيلومترات، ما يسمح لها بدعم عدد كبير من الطائرات المقاتلة في الوقت نفسه. ولذلك لا تحتاج القوات الجوية إلى أعداد كبيرة منها كما هو الحال مع الطائرات المقاتلة.

وتبلغ تكلفة الطائرة الواحدة نحو 150 مليون دولار تقريباً، وهي تكلفة تعكس التعقيد الكبير لأنظمة الحرب الإلكترونية التي تحملها. فالجزء الأكبر من قيمة الطائرة لا يرتبط بالهيكل الجوي نفسه، بل بمنظومات التشويش وتحليل الإشارات والاتصالات المتقدمة التي تعد من أكثر التقنيات العسكرية حساسية.

وحتى الآن، تعد الولايات المتحدة المشغل الرئيسي لهذه الطائرة، في حين تُعد إيطاليا أول دولة أجنبية تتعاقد عليها ضمن جهودها لتعزيز قدراتها في مجال الحرب الإلكترونية الجوية.

معركة المستقبل في الطيف الكهرومغناطيسي

تعكس EA-37B اتجاهاً واضحاً في تطور القوة الجوية الحديثة، حيث لم تعد المعركة الجوية تقتصر على الاشتباك المباشر بين الطائرات أو استخدام الذخائر الموجهة، بل امتدت إلى فضاء جديد يتمثل في الطيف الكهرومغناطيسي. ففي هذا الفضاء غير المرئي، تصبح القدرة على تعطيل الاتصالات وإرباك الأنظمة الإلكترونية للخصم عاملاً حاسماً في تشكيل بيئة المعركة.

ومن هنا تبرز أهمية منصات مثل EA-37B التي صُممت لتكون أداة رئيسية في هذا النوع من الصراع، حيث تدور المعركة في عالم الإشارات والبيانات بقدر ما تدور في السماء.

ومع استمرار تطور التقنيات الرقمية والأنظمة الشبكية، من المرجح أن يزداد الاعتماد على مثل هذه الطائرات في دعم العمليات العسكرية المستقبلية، بوصفها أحد مفاتيح التفوق في ميدان الحرب الحديثة.

إنفوجرافيك

EA-37B Compass Call

المهمة: الهجوم الإلكتروني وتعطيل الاتصالات العسكرية

المنصة الجوية: Gulfstream G550

المواصفات الفنية

الطول: نحو 29.4 متر

باع الجناح: نحو 28.5 متر

الارتفاع: نحو 7.9 متر

السرعة القصوى: حوالي 0.85 ماخ (نحو 900 كم/س)

المدى: أكثر من 10,000 كم

الارتفاع التشغيلي: أكثر من 40,000 قدم

المحركات: محركان توربينيان من طراز Rolls-Royce BR710

الطاقم: نحو 9 أفراد (طياران + طاقم مشغلي الحرب الإلكترونية)

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض