massive glowing digital shield

إعادة التفكير في عقيدة الدفاع بعد الحروب

تُبرز‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬تحوّلاً‭ ‬نوعياً‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية‭ ‬تُفهم‭ ‬بوصفها‭ ‬إطاراً‭ ‬عسكرياً‭ ‬تقنياً‭ ‬لتنظيم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬منظومة‭ ‬مركّبة‭ ‬تعكس‭ ‬تفاعل‭ ‬الدولة‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬أمنية‭ ‬متغيرة‭ ‬تتسم‭ ‬بتزايد‭ ‬التعقيد،‭ ‬وتعدد‭ ‬مصادر‭ ‬التهديد،‭ ‬وتداخل‭ ‬الأبعاد‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬بات‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للاشتعال‭ ‬والتقلب‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬تكشف‭ ‬التجارب‭ ‬الحديثة‭ ‬عن‭ ‬مجرد‭ ‬تحولات‭ ‬ظرفية،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬بنيوية‭ ‬في‭ ‬النماذج‭ ‬الدفاعية‭ ‬التقليدية،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحروب،‭ ‬ضمن‭ ‬مقاربات‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬ومرونة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬ديناميات‭ ‬الصراع‭ ‬المتغيرة‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بعدم‭ ‬اليقين‭.‬

وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬تطوير‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية‭ ‬خياراً‭ ‬نظرياً،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تفرضها‭ ‬طبيعة‭ ‬التهديدات‭ ‬المعاصرة‭. ‬فالدفاع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬الحماية‭ ‬أو‭ ‬الردع‭ ‬في‭ ‬صورتهما‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬مزيج‭ ‬متكامل‭ ‬من‭ ‬المرونة،‭ ‬والتكامل،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭. ‬وفي‭ ‬بيئة‭ ‬تتزايد‭ ‬فيها‭ ‬التهديدات‭ ‬غير‭ ‬المتماثلة،‭ ‬وتتنامى‭ ‬فيها‭ ‬أهمية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الدولة‭ ‬الأقوى‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬أكبر‭ ‬ترسانة‭ ‬عسكرية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬القادرة‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الدفاع‭ ‬كنظام‭ ‬شامل‭ ‬يدمج‭ ‬بين‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬والصمود‭ ‬المجتمعي،‭ ‬والقدرة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

وعليه،‭ ‬يتجه‭ ‬مستقبل‭ ‬العقائد‭ ‬الدفاعية‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬مركّب‭ ‬يعيد‭ ‬صياغة‭ ‬معادلة‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحروب،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الهدف‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬الحرب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يشمل‭ ‬إدارتها‭ ‬عند‭ ‬حدوثها‭ ‬الوارد‭ ‬والمحتمل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت،‭ ‬واحتواء‭ ‬آثارها،‭ ‬وضمان‭ ‬الاستمرار‭ ‬رغمها‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تمثل‭ ‬تجربة‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية–الأوكرانية‭ ‬مثالاً‭ ‬دالاً‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬دفع‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى‭ ‬الدول‭ ‬والتحالفات‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬أولوياتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مفاهيم‭ ‬الردع‭ ‬والجاهزية‭ ‬والاستقلالية‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬فقد‭ ‬أعادت‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬الحلف‭ ‬إلى‭ ‬مهمته‭ ‬الأساسية،‭ ‬أي‭ ‬الدفاع‭ ‬الجماعي،‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬طويلة‭ ‬ركّز‭ ‬خلالها‭ ‬على‭ ‬العمليات‭ ‬الخارجية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬كما‭ ‬شكّلت‭ ‬قمة‭ ‬نيوبورت‭ ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ ‬أعادت‭ ‬التمركز‭ ‬حول‭ ‬الدفاع‭ ‬الجماعي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قابلية‭ ‬التشغيل‭ ‬المشترك،‭ ‬وزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬الدفاعي‭ ‬الأوروبي‭ ‬بوصفها‭ ‬رهانات‭ ‬مركزية‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬تكشف‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المواجهات‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬أن‭ ‬الصراعات‭ ‬المعاصرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬مواجهات‭ ‬عسكرية‭ ‬تقليدية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مختبراً‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬مفاهيم‭ ‬الردع،‭ ‬والجاهزية،‭ ‬والصمود،‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬الأدوات‭ ‬العسكرية‭ ‬وغير‭ ‬العسكرية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬انتقالاً‭ ‬نحو‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وتداخلاً‭.‬

وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تسعى‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية‭ ‬لدى‭ ‬الدول‭ ‬المتأثرة‭ ‬بالحروب‭ ‬المعاصرة،‭ ‬بما‭ ‬يؤسس‭ ‬لفهم‭ ‬جديد‭ ‬للدفاع‭ ‬بوصفه‭ ‬منظومة‭ ‬شاملة‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتعقيد‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭.‬

الدروس‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة

1‭. ‬انهيار‭ ‬فرضية‭ ‬العقلانية‭ ‬المشتركة‭: ‬تكشف‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬فرضية‭ ‬العقلانية‭ ‬المشتركة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬سلوك‭ ‬الفاعلين‭ ‬الدوليين‭ ‬محكوماً‭ ‬بمنطق‭ ‬عقلاني‭ ‬متوافق‭ ‬أو‭ ‬بقواعد‭ ‬مستقرة‭ ‬قابلة‭ ‬للتنبؤ،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬خاضعاً‭ ‬بدرجة‭ ‬متزايدة‭ ‬لاعتبارات‭ ‬القوة‭ ‬والمصالح‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الأزمات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬استهداف‭ ‬إيران‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬رغم‭ ‬سعيها‭ ‬إلى‭ ‬تجنّب‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬وقرارها‭ ‬عدم‭ ‬الانخراط‭ ‬فيها،‭ ‬أن‭ ‬الفاعلين‭ ‬الدوليين‭ ‬لا‭ ‬يتحركون‭ ‬دائماً‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬الآخرون‭ ‬‮«‬عقلانياً‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والمعايير‭ ‬المؤسسية،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها،‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬فعاليتها‭ ‬عندما‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬حسابات‭ ‬القوة‭ ‬والمصالح‭ ‬الأخرى‭. ‬وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬يفرض‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الاستعداد‭ ‬لأسوأ‭ ‬السيناريوهات‭ ‬بدل‭ ‬الافتراض‭ ‬المسبق‭ ‬لاستقرار‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬بحيث‭ ‬ينتقل‭ ‬التخطيط‭ ‬الدفاعي‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬التوقع‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬إدارة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬احتمالات‭ ‬التصعيد‭ ‬غير‭ ‬المتوقعة‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتقلب‭ ‬والتعقيد‭.‬

2‭. ‬الحروب‭ ‬كآلية‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬العقائد‭ ‬الدفاعية‭:‬‭ ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬العقائد‭ ‬الدفاعية‭ ‬القائمة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتها‭ ‬وإعادة‭ ‬توجيهها‭ ‬وفق‭ ‬طبيعة‭ ‬التهديدات‭ ‬المستجدة‭. ‬إذ‭ ‬تعمل‭ ‬الحروب‭ ‬بوصفها‭ ‬لحظات‭ ‬كاشفة‭ ‬تعيد‭ ‬تقييم‭ ‬الفرضيات‭ ‬السابقة‭ ‬وتفرض‭ ‬مراجعة‭ ‬عملية‭ ‬لمفاهيم‭ ‬الأمن‭ ‬والدفاع‭. ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬تحوّل‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬نحو‭ ‬استعادة‭ ‬منطق‭ ‬الدفاع‭ ‬الجماعي،‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬العمليات‭ ‬الخارجية‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬البعيدة‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬دفاعي‭ ‬موجه‭ ‬نحو‭ ‬التدخل‭ ‬الخارجي‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬يركّز‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المجال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المباشر‭ ‬وتعزيز‭ ‬الجاهزية‭ ‬الداخلية‭. ‬وعليه،‭ ‬تبرز‭ ‬الحروب‭ ‬بوصفها‭ ‬آلية‭ ‬ديناميكية‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬أولويات‭ ‬الأمن،‭ ‬وتوجيه‭ ‬مسارات‭ ‬العقائد‭ ‬الدفاعية‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬متغيرة‭ ‬تتسم‭ ‬بتصاعد‭ ‬التهديدات‭ ‬وتعقيدها‭.‬

3‭. ‬الجاهزية‭ ‬العملياتية‭ ‬المستدامة‭ ‬كجوهر‭ ‬الفعالية‭ ‬العسكرية‭: ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية،‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬مستوى‭ ‬تطورها،‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬تحقيق‭ ‬الفعالية‭ ‬العملياتية‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تفعيلها‭ ‬بسرعة‭ ‬وكفاءة‭. ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬معيار‭ ‬القوة‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بحجم‭ ‬الترسانة‭ ‬أو‭ ‬نوعية‭ ‬المعدات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬الجيوش‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الإمكانات‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬عملياتي‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬المناسب‭. ‬ويبرز‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية–الأوكرانية،‭ ‬حيث‭ ‬أظهرت‭ ‬روسيا،‭ ‬رغم‭ ‬تفوقها‭ ‬العسكري‭ ‬الكمي‭ ‬والنوعي،‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬حسم‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الصراع‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬الجاهزية‭ ‬العملياتية‭ ‬بوصفها‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية،‭ ‬حيث‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تكامل‭ ‬سرعة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والعملياتي،‭ ‬وفعالية‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الوحدات،‭ ‬وقابلية‭ ‬التشغيل‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬القوات،‭ ‬وكفاءة‭ ‬أنظمة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬والإنذار‭ ‬المبكر‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬امتلاك‭ ‬القوة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬تفعيل‭ ‬القوة‮»‬،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬التفوق‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة،‭ ‬والتكيّف‭ ‬مع‭ ‬تطورات‭ ‬الميدان،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬العمليات‭ ‬بكفاءة‭ ‬عالية‭. ‬وبذلك،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬قيمة‭ ‬كامنة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬قدرة‭ ‬ديناميكية‭ ‬تتحدد‭ ‬بمدى‭ ‬جاهزية‭ ‬المنظومة‭ ‬الدفاعية‭ ‬للتحرك‭ ‬الفوري‭ ‬والفعال‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتعقيد‭ ‬والتسارع‭.‬

4‭. ‬الحرب‭ ‬المعاصرة‭ ‬هجينة‭ ‬ومتعددة‭ ‬ومتزامنة‭ ‬المستويات،‭ ‬وفي‭ ‬مركزها‭ ‬حروب‭ ‬السرديات‭ ‬كأداة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الإدراك‭: ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬عن‭ ‬تحوّل‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحرب‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬نمطاً‭ ‬هجيناً‭ ‬متعدد‭ ‬المجالات‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬أدوات‭ ‬تقليدية‭ ‬وغير‭ ‬تقليدية‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬التجارب‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها،‭ ‬بل‭ ‬تتكامل‭ ‬مع‭ ‬أدوات‭ ‬أخرى‭ ‬تشمل‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والطاقي،‭ ‬والعمليات‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬والتأثير‭ ‬الإعلامي،‭ ‬والهجمات‭ ‬السيبرانية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬يتخذ‭ ‬الهجوم‭ ‬شكلاً‭ ‬مباشراً‭ ‬وواضحاً‭ ‬دائماً،‭ ‬بل‭ ‬يُدار‭ ‬عبر‭ ‬مستويات‭ ‬متعددة‭ ‬ومتزامنة‭ ‬تستهدف‭ ‬إضعاف‭ ‬الخصم‭ ‬تدريجياً،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬بنيته‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬أو‭ ‬تعطيل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬أو‭ ‬توجيه‭ ‬الإدراك‭ ‬العام‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬كصدام‭ ‬عسكري‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬مركّبة‭ ‬لإدارة‭ ‬الصراع‭ ‬عبر‭ ‬مجالات‭ ‬متداخلة،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية‭ ‬توسيع‭ ‬نطاقها‭ ‬ليشمل‭ ‬المجالات‭ ‬غير‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬الأدوات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسيبرانية،‭ ‬وتطوير‭ ‬قدرات‭ ‬الاستجابة‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إدماج‭ ‬البعد‭ ‬المعلوماتي‭ ‬والمعرفي‭ ‬المتصل‭ ‬بسرديات‭ ‬الحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬وإدارة‭ ‬الصراع‭. ‬ومثال‭ ‬ذلك،‭ ‬أنه‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬قد‭ ‬أعلن‭ ‬تحقيق‭ ‬نصر‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬قادتها‭ ‬قد‭ ‬‮«‬اختفوا‮»‬‭ ‬بما‭ ‬يُعد‭ ‬بمثابة‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬النظام،‭ ‬وأنها‭ ‬فقدت‭ ‬أسطولها‭ ‬وسلاحها‭ ‬الجوي،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬تملك‭ ‬معدات‭ ‬فعالة‭ ‬مضادة‭ ‬للصواريخ‭ ‬أو‭ ‬الطائرات،‭ ‬فإن‭ ‬وسائل‭ ‬إعلام‭ ‬متعددة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬وسائل‭ ‬أمريكية،‭ ‬قدّمت‭ ‬روايات‭ ‬مغايرة‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬مختلفة‭. ‬وبذلك،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الدفاع‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الحدود،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬معنياً‭ ‬بحماية‭ ‬النظام‭ ‬الشامل‭ ‬للدولة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أبعاده،‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتعقيد‭ ‬والتداخل‭ ‬والتسارع‭.‬

5‭. ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬وحدود‭ ‬الفعالية‭: ‬مركزية‭ ‬‮«‬قابلية‭ ‬التعطيل‮»‬‭: ‬تكشف‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬أنظمة‭ ‬دفاع‭ ‬متقدمة‭ ‬وقدرات‭ ‬عسكرية‭ ‬عالية‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬إذ‭ ‬أظهرت‭ ‬التهديدات‭ ‬غير‭ ‬المتماثلة،‭ ‬وخاصة‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والصواريخ‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة،‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬اضطراب‭ ‬مستدام‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬قابلية‭ ‬التعطيل‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬بعداً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الأمن‭ ‬المعاصر،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية،‭ ‬كالطاقة‭ ‬والمياه‭ ‬والاتصالات،‭ ‬إلى‭ ‬أهداف‭ ‬مركزية‭ ‬للصراع‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬كصدام‭ ‬عسكري‭ ‬مباشر‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬تستهدف‭ ‬البنية‭ ‬الوظيفية‭ ‬للدولة‭. ‬وعليه،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬كافياً‭ ‬لضمان‭ ‬الاستقرار،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬الأمن‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية،‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الوظائف‭ ‬الأساسية‭. ‬وبذلك،‭ ‬يُعاد‭ ‬تعريف‭ ‬القوة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بامتلاك‭ ‬وسائل‭ ‬الردع،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬قابليتها‭ ‬للتعطيل‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمراريتها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬غير‭ ‬المتماثلة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬قدّمت‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬نموذجاً‭ ‬بارزاً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬المرتبطة‭ ‬بـإيران،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انتصارها‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية،‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬وظائفها‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وخروجها‭ ‬أقوى‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬بتلاحم‭ ‬نادر‭ ‬بين‭ ‬قيادتها‭ ‬وجيشها‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬ومواطنيها‭ ‬والمقيمين‭ ‬فيها‭.‬

6‭. ‬عودة‭ ‬الدولة‭ ‬كفاعل‭ ‬دفاعي‭ ‬مركزي‭ ‬بصيغة‭ ‬مرنة‭: ‬تكشف‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬عن‭ ‬عودة‭ ‬الدولة‭ ‬بوصفها‭ ‬الفاعل‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬المجال‭ ‬الدفاعي،‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬اتسمت‭ ‬بتعاظم‭ ‬دور‭ ‬الفاعلين‭ ‬غير‭ ‬الدوليين‭ ‬وتزايد‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العودة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬استعادة‭ ‬للنموذج‭ ‬التقليدي‭ ‬للدولة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬تحوّلاً‭ ‬نحو‭ ‬دولة‭ ‬دفاعية‭ ‬مرنة‭ ‬تعيد‭ ‬صياغة‭ ‬دورها‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬معقدة‭ ‬ومتغيرة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يتجسد‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬الجاهزية‭ ‬العسكرية‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬وتوجيه‭ ‬السياسات‭ ‬الصناعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لخدمة‭ ‬الأمن،‭ ‬ودمج‭ ‬اعتبارات‭ ‬الاستدامة‭ ‬والمرونة‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬الدفاعي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إعادة‭ ‬مركزية‭ ‬القرار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الشراكات‭. ‬ويبرز‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬حيث‭ ‬دفعت‭ ‬التحولات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الدولة‭ ‬ودورها‭ ‬الدفاعي،‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬الاستقلالية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وإعادة‭ ‬توجيه‭ ‬السياسات‭ ‬الصناعية‭ ‬الدفاعية،‭ ‬وتكثيف‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬عودة‭ ‬الدولة‭ ‬كفاعل‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬أمنها،‭ ‬دون‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬التحالفات‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬الدولة‭ ‬بوصفها‭ ‬مجرد‭ ‬فاعل‭ ‬عسكري،‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬تركيباً‭ ‬يُدمج‭ ‬فيه‭ ‬الأمن‭ ‬مع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬والاستجابة‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭. ‬وبذلك،‭ ‬تصبح‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحروب‭ ‬منسّقاً‭ ‬مركزياً‭ ‬لمنظومة‭ ‬دفاعية‭ ‬شاملة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مُشغّل‭ ‬للقوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬فاعلاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬يدير‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬القوة‭ ‬الوطنية‭.‬

7‭. ‬الاقتصاد‭ ‬كمتغير‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬الدفاعية‭:‬‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المعاصر‭ ‬مجرد‭ ‬عامل‭ ‬داعم‭ ‬للجهد‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬متغير‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬القدرة‭ ‬الدفاعية‭ ‬للدولة‭ ‬واستمراريتها‭ ‬في‭ ‬الصراعات،‭ ‬خصوصاً‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه‭ ‬دون‭ ‬قاعدة‭ ‬اقتصادية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬العمليات،‭ ‬وتعويض‭ ‬الاستنزاف،‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الإنتاج‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تتجلى‭ ‬مركزية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدفاعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القدرة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والصناعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمجال‭ ‬العسكري،‭ ‬وتحقيق‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاستقلال‭ ‬الطاقي‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وكفاءة‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬وتوجيهها‭ ‬نحو‭ ‬الأولويات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تأمين‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬الحيوية‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬تصور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬كأداة‭ ‬مساندة‭ ‬للحرب‭ ‬إلى‭ ‬اعتباره‭ ‬ركيزة‭ ‬بنيوية‭ ‬للأمن‭ ‬والدفاع،‭ ‬حيث‭ ‬تتحدد‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬والاستمرار‭ ‬بمدى‭ ‬تماسك‭ ‬بنيتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬ضغوط‭ ‬الصراع‭.‬

8‭. ‬الصمود‭ ‬كمعيار‭ ‬مركزي‭ ‬للقوة‭ ‬الحديثة‭:‬‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المعاصرة‭ ‬تُقاس‭ ‬حصرياً‭ ‬بقدرات‭ ‬الردع‭ ‬أو‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬ترتبط‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متزايد‭ ‬بقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭ ‬والاضطرابات‭. ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬منع‭ ‬الهجمات‭ ‬بالكامل‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هدفاً‭ ‬واقعياً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التهديدات‭ ‬غير‭ ‬المتماثلة،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬القوة‭ ‬بوصفها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يشير‭ ‬مفهوم‭ ‬الصمود‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬القدرات‭ ‬المتكاملة‭ ‬تشمل‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬الأولية‭ ‬وتقليل‭ ‬آثارها،‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الخدمات‭ ‬الحيوية‭ ‬والبنى‭ ‬التحتية،‭ ‬والتعافي‭ ‬السريع‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬القدرات‭ ‬التشغيلية‭. ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الصمود‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الأبعاد‭ ‬المجتمعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسيبرانية،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬تماسك‭ ‬المجتمع‭ ‬وكفاءة‭ ‬المؤسسات‭ ‬عنصرين‭ ‬حاسمين‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭. ‬ويعكس‭ ‬بروز‭ ‬الصمود‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬منع‭ ‬التهديد‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬الحد‭ ‬من‭ ‬التأثير‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الدولة‭ ‬الأقوى‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬الهجوم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬التحمّل‭ ‬والتكيّف‭ ‬والاستمرار،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الهجوم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بعدم‭ ‬اليقين‭ ‬والتعقيد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬قدّمت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬نموذجاً‭ ‬بارزاً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬حيث‭ ‬أظهرت‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بـإيران‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬واستمرارية‭ ‬الوظائف‭ ‬الحيوية،‭ ‬والخروج‭ ‬أكثر‭ ‬قوةً‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبلها‭.‬

9‭. ‬عودة‭ ‬البعد‭ ‬النووي‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬الردع‭:‬‭ ‬تكشف‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة‭ ‬عن‭ ‬عودة‭ ‬البعد‭ ‬النووي‭ ‬بوصفه‭ ‬عنصراً‭ ‬فاعلاً‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬معادلات‭ ‬الردع،‭ ‬ولكن‭ ‬بصيغة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬النماذج‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬للحرب‭ ‬الباردة‭. ‬فقد‭ ‬برز‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الردع‭ ‬النووي‭ ‬التفاعلي‭ ‬المركّب‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يُستخدم‭ ‬التهديد‭ ‬النووي‭ ‬فقط‭ ‬لحماية‭ ‬المصالح‭ ‬الحيوية‭ ‬أو‭ ‬ردع‭ ‬الهجمات،‭ ‬بل‭ ‬كأداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تأمين‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬ومنع‭ ‬الخصوم‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬أو‭ ‬التدخل‭ ‬المباشر‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إعادة‭ ‬توظيف‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬ضمن‭ ‬منطق‭ ‬ردعي‭ ‬مركّب‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬مستويات‭ ‬التصعيد‭ ‬التقليدي‭ ‬وغير‭ ‬التقليدي،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬التهديد‭ ‬النووي‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬لاحتوائه‭. ‬وعليه،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬البعد‭ ‬النووي‭ ‬عنصراً‭ ‬منفصلاً‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬إدماجه‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬استراتيجي‭ ‬شامل‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬القدرات‭ ‬التقليدية‭ ‬وغير‭ ‬التقليدية‭. ‬وتعكس‭ ‬عودة‭ ‬العامل‭ ‬النووي‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬الردع‭ ‬الثابت‭ ‬إلى‭ ‬ردع‭ ‬ديناميكي‭ ‬متعدد‭ ‬الأدوات،‭ ‬حيث‭ ‬يُستخدم‭ ‬التهديد‭ ‬النووي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لمنع‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬لتنظيم‭ ‬مساراتها‭ ‬وحدودها‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬معقدة‭.‬

10‭. ‬انهيار‭ ‬وهم‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬الاستقرار‭ ‬عبر‭ ‬الترابط‭ ‬الاقتصادي‮»‬‭ ‬وإعادة‭ ‬ربط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بالأمن‭:‬‭ ‬تكشف‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬فرضية‭ ‬‮«‬الترابط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يعد‭ ‬عامل‭ ‬استقرار‭ ‬وسلام‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‮»‬‭ ‬التي‭ ‬افترضت‭ ‬أن‭ ‬تعميق‭ ‬الترابط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬يؤدي‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬سلوكها‭ ‬وتقليص‭ ‬احتمالات‭ ‬الصراع‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬العملية،‭ ‬كما‭ ‬أبرزتها‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬أظهرت‭ ‬عكس‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬جرى‭ ‬توظيف‭ ‬العوائد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتطوير‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب‭ ‬الهجينة،‭ ‬وتوسيع‭ ‬مجالات‭ ‬التأثير‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الترابط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬عامل‭ ‬استقرار‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬قوة‭ ‬تُستخدم‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬الصراع،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الطاقة،‭ ‬أو‭ ‬توظيف‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬أو‭ ‬استغلال‭ ‬الاعتماد‭ ‬التكنولوجي‭. ‬وعليه،‭ ‬يعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إعادة‭ ‬إدماج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ضمن‭ ‬منطق‭ ‬الأمن،‭ ‬بما‭ ‬يفرض‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬فصل‭ ‬المجالين‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تُعيد‭ ‬ربط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بالأمن‭ ‬والدفاع‭.‬

11‭. ‬القاعدة‭ ‬الصناعية‭ ‬الدفاعية‭ ‬كشرط‭ ‬بنيوي‭ ‬للاستدامة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الدفاعية‭:‬‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القدرة‭ ‬الدفاعية‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الترسانة‭ ‬أو‭ ‬تطور‭ ‬الأنظمة‭ ‬العسكرية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أيضاً‭ ‬ترتبط‭ ‬بشكل‭ ‬حاسم‭ ‬بامتلاك‭ ‬قاعدة‭ ‬صناعية‭ ‬دفاعية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬المستمر‭ ‬والتكيّف‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬الصراع‭. ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬الأولي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتآكل‭ ‬سريعاً‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬قدرة‭ ‬إنتاجية‭ ‬مستدامة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬الاستنزاف‭ ‬ودعم‭ ‬العمليات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تتحول‭ ‬القاعدة‭ ‬الصناعية‭ ‬الدفاعية‭ ‬إلى‭ ‬ركيزة‭ ‬بنيوية‭ ‬للعقيدة‭ ‬الدفاعية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬الدفاع‭ ‬كقدرة‭ ‬قتالية‭ ‬آنية‭ ‬إلى‭ ‬اعتباره‭ ‬قدرة‭ ‬إنتاجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭. ‬وعليه،‭ ‬تصبح‭ ‬الصناعة‭ ‬الدفاعية‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬والاستمرار،‭ ‬وإدارة‭ ‬حروب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بالاستمرارية‭ ‬والتعقيد‭.‬

12‭. ‬الاستقلالية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وتقاسم‭ ‬الأعباء‭ ‬داخل‭ ‬التحالفات‭:‬‭ ‬كما‭ ‬ألقت‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الحلفاء‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافياً‭ ‬بصيغته‭ ‬التقليدية،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬داخل‭ ‬التحالفات،‭ ‬كما‭ ‬يتضح‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬نموذج‭ ‬الاعتماد‭ ‬غير‭ ‬المتوازن‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬مركزية‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتعقيد‭ ‬وتعدد‭ ‬مصادر‭ ‬التهديد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تقوم‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬مزدوج‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬تقاسم‭ ‬الأعباء‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬التحالفات،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقلالية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬امتلاك‭ ‬هامش‭ ‬قرار‭ ‬وطني‭ ‬وقدرات‭ ‬ذاتية‭. ‬وبذلك،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬التحالفات‭ ‬ذوبان‭ ‬السيادة،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكّل‭ ‬أداة‭ ‬لتعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬بشرط‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتبادل‭ ‬والقدرة‭ ‬الذاتية‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬التحالفات‭ ‬كآلية‭ ‬حماية‭ ‬خارجية‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الفاعلة،‭ ‬حيث‭ ‬تتكامل‭ ‬القدرات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُلغى‭ ‬الاستقلالية‭.‬

13‭. ‬الأمن‭ ‬الشامل‭ ‬والردع‭ ‬متعدد‭ ‬الأبعاد‭ ‬كركيزتين‭ ‬لمنظومة‭ ‬دفاعية‭ ‬مركّبة‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات‭:‬‭ ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬جلياً‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عن‭ ‬تحوّل‭ ‬بنيوي‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬نظاماً‭ ‬شاملاً‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الأبعاد‭ ‬المدنية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬حيث‭ ‬تغدو‭ ‬قطاعات‭ ‬الطاقة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمجتمع‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المعادلة‭ ‬الدفاعية‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬انتقالاً‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬تكاملي‭ ‬يُعاد‭ ‬فيه‭ ‬تعريف‭ ‬الأمن‭ ‬بوصفه‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬نظامها‭ ‬الكلي‭ ‬وضمان‭ ‬استمراريته‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭. ‬وبالتوازي،‭ ‬يشهد‭ ‬الردع‭ ‬تحوّلاً‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬متعدد‭ ‬الأبعاد‭ ‬وديناميكي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تكامل‭ ‬الأدوات‭ ‬السيبرانية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والمعلوماتية،‭ ‬بما‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬إدراك‭ ‬الخصم‭ ‬وتوجيه‭ ‬سلوكه‭. ‬وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬يتكامل‭ ‬الأمن‭ ‬الشامل‭ ‬مع‭ ‬الردع‭ ‬متعدد‭ ‬الأبعاد‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬موحّدة،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬مركّبة‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات‭ ‬تدمج‭ ‬بين‭ ‬القوة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والمجتمع‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الردع‭ ‬والتكيّف‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬معقدة‭.‬

الخاتمة

تُظهر‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬أحداث‭ ‬عسكرية‭ ‬تُقاس‭ ‬بنتائجها‭ ‬الميدانية،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬مختبرات‭ ‬استراتيجية‭ ‬أعادت‭ ‬تعريف‭ ‬مفاهيم‭ ‬القوة‭ ‬والأمن‭ ‬وحدود‭ ‬الفعل‭ ‬الدفاعي‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الدرس‭ ‬الجوهري‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تغيّر‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحوّل‭ ‬منطقها‭ ‬ذاته‭: ‬من‭ ‬صراع‭ ‬يُدار‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬مركّبة‭ ‬تُدار‭ ‬عبر‭ ‬تداخل‭ ‬المستويات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬والمجتمعية،‭ ‬وفي‭ ‬قلبها‭ ‬إدارة‭ ‬الإدراك‭ ‬والسرديات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تكشف‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أن‭ ‬فعالية‭ ‬العقيدة‭ ‬الدفاعية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُقاس‭ ‬بامتلاك‭ ‬القدرات،‭ ‬بل‭ ‬بقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تعبئتها‭ ‬وتكاملها‭ ‬وتشغيلها‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭. ‬فالدفاع‭ ‬النشط‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬قابلية‭ ‬التعطيل،‭ ‬والجاهزية‭ ‬العملياتية‭ ‬تحوّل‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬فعل،‭ ‬والردع‭ ‬المركّب‭ ‬يدير‭ ‬إدراك‭ ‬الخصم،‭ ‬والصمود‭ ‬يضمن‭ ‬الاستمرارية،‭ ‬والاستقلالية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الشراكة‭ ‬والقدرة‭ ‬الذاتية‭. ‬وبذلك،‭ ‬تتكامل‭ ‬هذه‭ ‬الأبعاد‭ ‬لتشكّل‭ ‬بنية‭ ‬دفاعية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬صراع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خطياً،‭ ‬بل‭ ‬هجيناً‭ ‬ومتعدداً‭ ‬ومتزامن‭ ‬المستويات‭. ‬وعليه،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬معيار‭ ‬القوة‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬الحرب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدارتها‭ ‬واحتواء‭ ‬آثارها‭ ‬والاستمرار‭ ‬رغمها‭ ‬إن‭ ‬وقعت،‭ ‬وهو‭ ‬احتمال‭ ‬قائم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬باللايقين‭ ‬والاستمرارية‭. ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الدولة‭ ‬فاعلاً‭ ‬تفاعلياً‭ ‬ينتظر‭ ‬التهديد،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬فاعلًا‭ ‬استباقياً‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬بيئته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬عبر‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بردّها‭. ‬إن‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬كحماية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬كاستدامة‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬‮«‬الردع‭ ‬كتهديد‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الردع‭ ‬كإدارة‭ ‬إدراك‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬‮«‬القوة‭ ‬كامتلاك‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬القوة‭ ‬كتشغيل‮»‬،‭ ‬يمثّل‭ ‬جوهر‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة‭ ‬دفاعية‭ ‬جديدة؛‭ ‬عقيدة‭ ‬لا‭ ‬تسعى‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تجنّب‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬مساراتها‭ ‬وحدودها‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتسم‭ ‬بعدم‭ ‬اليقين‭. ‬وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬مستقبل‭ ‬العقائد‭ ‬الدفاعية‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬مركّب‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬فاعلاً‭ ‬جيوسياسياً‭ ‬مُنتجاً‭ ‬للأمن،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مستهلك‭ ‬له،‭ ‬وقادراً‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التعقيد‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬تهديد‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬للفعل‭ ‬وإعادة‭ ‬التشكيل‭.‬

الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬وائل‭ ‬صالح‭ ‬‬مدير‭ ‬بمركز‭ ‬تريندز‭ ‬للبحوث‭ ‬والاستشارات‭ ‬بفرنسا‭ ‬وكندا‭

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض