تشير التجارب التاريخية إلى أن الجيوش الأقوى قد تخسر حروبًا أمام خصوم أضعف منها، بما في ذلك المواجهات البحرية، إذ بإمكان الأساطيل الأضعف أن تقوم بردع خصومها الأقوى. رغم أن هذه النتائج تصطدم بالنظرية التقليدية للقوة، لكنها تؤكد فكرة أن التفوق العسكري لا يمثل الضمان الوحيد للنجاح السياسي. وفي إطار الحروب والصراعات الحديثة، باتت هذه التجارب نمطًا متكررًا.

رغم القدرات العسكرية الهائلة التي تمتلكها أساطيل بعض القوى الدولية، لكنها قد تكافح في بعض الأحيان لتحقيق أهدافها في مواجهة خصوم أضعف. وعندما تعجز الأساطيل الأضعف عن مواجهة خصومها الأقوى، تعمد إلى فرض الردع القائم على زيادة تكاليف المواجهة، وكذا التشكيك في فرص نجاحها، ما يجعل هذه المواجهة غير مرغوب فيها سياسيًا.
استراتيجية «استئجار أسطول بحري»
تظهر الخبرة التاريخية أن الأساطيل الأضعف يمكنها التغلب على منافسيها الأقوى من خلال التحالف مع قوى بحرية أخرى، بما يعزز من قوتها ويقلص الفجوة مع الأسطول الأقوى. وفي هذا السياق، برز مفهوم «استئجار أسطول بحري» لتعكس هذا النمط الذي اتبعته تاريخيًا بعض الأساطيل الأضعف. فعلى سبيل المثال، استخدمت إسبرطة هذه الاستراتيجية للتغلب على أثينا، القوة البحرية المهيمنة آنذاك، في الحرب البحرية التي خاضها الطرفان، وذلك بعدما حصلت إسبرطة على أسطول من خلال تحالفها مع بلاد فارس.
أيضًا، خلال الثورة الأمريكية، تبنى الثوار الأمريكيون استراتيجية مماثلة، من خلال الاستعانة بالأسطول الفرنسي، لدعم القوات الفرنسية – الأمريكية على البر، لمحاصرة القوات البريطانية على الساحل، رغم سيطرة الأسطول البريطاني على البحر في هذا الوقت. فرغم أن الولايات المتحدة كانت تمتلك الأسطول الأضعف بكثير أنذاك مقارنةً بالأسطول البريطاني، لكنها وظفت تحالفها مع فرنسا لجعل بريطانيا أكثر عزلة. فضلًا عن اتجاه البحرية الإسبانية للتحالف مع فرنسا لمواجهة البحرية الملكية البريطانية خلال الثورة الأمريكية، وذلك على الرغم من نجاح بريطانيا في هزيمة هذا التحالف في معركة «ترافالغار» في عام 1805.
وخلال الحرب الروسية – اليابانية، في مطلع القرن العشرين، اتبعت طوكيو هذه الاستراتيجية، ولكن مع بعض التعديلات، من خلال التحالف مع بريطانيا لإبقاء الأسطول الروسي معزولًا. وبدلًا من استئجار اليابان للأسطول البريطاني لدعمها في حربها ضد روسيا، عمدت طوكيو إلى استئجار قوة الردع للأسطول البريطاني لضمان بقاء فرنسا، حليفة روسيا آنذاك، خارج الحرب، الأمر الذي منع الأسطول الروسي من الدعم الفرنسي، ومن استخدام الموانئ العديدة التي كان بإمكان باريس توفيرها له على طول الطريق إلى الشرق الأقصى.
استراتيجية «الأسطول القائم» وتجنب المعارك الحاسمة
في إطار مساعي الأساطيل البحرية الأضعف للتغلب على الخصوم الأقوى، عمدت بعض الدول إلى استخدام ما يسمى بـ «الأسطول القائم» أو «الأسطول في طور الوجود»، وهو يشير إلى مصطلح استراتيجي في إطار الحروب البحرية، كان قد صاغه لأول مرة الأدميرال البريطاني، آرثر هربرت، (إيرل تورنغتون الأول)، في عام 1690، خلال حرب السنوات التسع، لتفسير تردده في الاشتباك مع الأسطول الفرنسي قبالة «بيتشي هيد». ومن خلال تبني هذا المصطلح، تمكن الأسطول البريطاني، الأضعف في هذا الوقت، من صد أسطول فرنسي أقوى، كان بإمكانه غزو لندن، حيث أكد هربرت ضرورة تجنب القتال للحيلولة دون تحقيق تفوق حاسم للفرنسيين، ناهيك عن الحفاظ على أسطوله.
ويستخدم مصطلح «الأسطول القائم» للإشارة إلى أسطول بحري أصغر أو أضعف يسعى للتفوق على خصم أقوى، ويعتمد هذا المصطلح على وجود تفاوت كبير بين الأسطولين، حيث تعتبر القوة الأضعف هي «الأسطول القائم». فالتفوق العددي عادة ما يردع الأسطول الأضعف عن الهجوم، وطالما لا توجد نقاط ثابتة في البحر للدفاع عنها، فإنه يصعب إجبار الخصم الأقل قوة على الاندفاع للقتال، ما يجعل الأسطول الأضعف يفضل اختيار البقاء في الميناء والدفاع عن موقعه، بافتراض أنه سيقيد بذلك خيارات الخصم المتفوق استراتيجيًا، بما يعني أنه بمجرد وجوده، فيمكن للأسطول الأضعف أن يشكل تهديدًا محتملًا للأسطول الأقوى. بالتالي، تتحقق الميزة الاستراتيجية عن طريق أسطول غير راغب في الاشتباك مع خصم متفوق عليه في المعركة، بينما تنشغل القوات البحرية الأضعف بمحاصرة الخصم الأقوى، والحد من قدرته على السيطرة على البحر.
من ناحية أخرى، تشكل ألمانيا، قبل عام 1914، المثال الأبرز على استراتيجية «الأسطول القائم»، فقد أشار الأدميرال «ألفريد فون تيربيتز»، مهندس أسطول ألمانيا الحربي، إلى هذه الاستراتيجية، معتبرًا أن بريطانيا ستتجنب الدخول في مواجهة حاسمة مع الأسطول الألماني نتيجة التكلفة الباهظة المحتملة، والتي ستجعل الأسطول الإنجليزي في وضع أضعف مقارنة بخصومه من القوى الأوروبية الأخرى. كما أشارت بعض التقارير الغربية إلى أن مجرد وجود الأسطول الألماني، وإن كان أضعف مقارنة بنظيره الإنجليزي، حال دون أي إنزال بريطاني على السواحل الألمانية.
وعلى المنوال ذاته، شكل الأسطول الصيني في جزر باراسيل ببحر الصين الجنوبي تجسيدًا آخر لاستراتيجية «الأسطول في طور الوجود»، كونه تمكن من منع تدخل الأسطول السوفييتي لدعم حلفائهم الفيتناميين بعد الغزو الصيني لشمال فيتنام في عام 1979.

الردع عن طريق التعطيل
استنادًا لنظرية الصراع غير المتكافئ الكلاسيكية، وبعض المفاهيم الحديثة، كمنع سلسلة القتال والردع المتكامل والمرونة المعلوماتية، يمكن للأساطيل الأضعف أن تفرض مخاطر سياسية على القوات التي تتفوق عليها، ومن هذا المنطلق، طرحت بعض الأدبيات استراتيجية جديدة باتت الأساطيل الأضعف تتبناها في مواجهة نظائرها المتفوقة، تتمثل في استراتيجية «الردع عن طريق التعطيل»، والتي تتيح لهذه الأساطيل قدرة واقعية للبقاء والتأثير على سلوك الأساطيل الأقوى دون السعي إلى تحقيق التكافؤ.
وفي هذا السياق، تتباين التفسيرات بشأن كيفية نجاح الدول الأضعف في ردع خصومها الأقوى، إذ يرى البعض أن هذا النجاح يتشكل بفعل المصالح والقدرة على البقاء، ووفقًا لهذا الاتجاه، فنتائج الحروب تتحدد وفقًا لمنظور كل طرف من أطراف الصراع إليها. فالطرف الأضعف سيدخل هذا الصراع باعتباره حاسمًا في مستقبل بقائه، بينما يخوض الطرف الأقوى المواجهة غالبًا لتحقيق أهداف محددة وثانوية، وليس لأنه يواجه تهديدًا وجوديًا، ما يجعله يدخل الحرب في ظل قيود سياسية تحد من قدرته على تحمل الخسائر. ويستند أنصار هذا الاتجاه إلى حرب فيتنام، فرغم التفوق الأمريكي الكبير في هذه المواجهة، بيد أن هانوي تعاملت معها باعتبارها حربًا حاسمة للبقاء، بالتالي فالطرف الذي يقاتل من أجل البقاء، وفقًا لهذا الاتجاه، يكون بمقدوره تقبل خسائر أكبر.
على جانب آخر، يرى اتجاه ثانٍ أن الدول الأقوى قد تخسر المواجهات المحدودة أحيانًا بسبب الضغوطات الداخلية لديها، خاصًة عندما يطول أمد الحرب دون تحقيق الاهداف الاستراتيجية، وربما يدعم هذا الطرح إخفاق الولايات المتحدة في كثير من المواجهات التي دخلتها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، رغم أنها خاضتها أمام خصوم أضعف بكثير، مثل فيتنام أو الصومال، وربما يفسر هذا الأمر أن المجتمعات الديمقراطية تخضع للمساءلة أمام الرأي العام في هذه الدول، ما يجعل حكوماتها مترددة في خوض معارك طويلة الأمد طالما أنه لا يوجد تهديد وجودي لهذه المجتمعات. وربما يقترب هذا الاتجاه مع الرأي الثالث الذي يشير إلى أن الدول الأضعف قد تنتصر حال نجحت في تبني أساليب تُقَوِّض بها التماسك الداخلي لخصومها، فعندما يلتزم الطرف الأقوى بالعقيدة والتكنولوجيا، يقوم الطرف الأضعف بتغيير وتيرة القتال وتحويل الخسائر التكتيكية إلى مكاسب سياسية وإظهار مرونة أكبر. ورغم ذلك، ركزت هذه التفسيرات على الحروب غير النظامية وحركات التمرد.
في المقابل، تشير التجارب الحديثة إلى أن استراتيجيات الردع غير المتكافئ المعاصرة تعمل عن طريق تعطيل الأنظمة بديلًا من تدمير المنصات، وهو ما يعني أن الدول الأضعف باتت تستهدف شبكات صنع القرار والعمليات لدى الطرف الأقوى المهاجم، بالتالي حال لم تتمكن الأخيرة من حسم المواجهة سريعًا، فإن الهجوم سيفقد جدواه بمرور الوقت.
ومن هذا المنطلق، تعتمد القوات البحرية الحديثة على قدرتها في تحديد موقع الهدف، وتَتَبُّعه واستهدافه ومهاجمته وتقييمه، ويؤدي الاخفاق في أي خطوة من هذه الخطوات إلى فقدان الطرف المهاجم لزخمه ويقينه. وتشير بعض التقارير الغربية إلى أن الحروب الحديثة أثبتت أن الأسطول الذي لا يستطيع الاختباء لن يستطيع الاستمرار في القتال، ما يعني أن الحروب البحرية الحديثة باتت تعتمد أكثر على «الخداع والتشتيت والتعطيل». ومن هذا المنظور، أصبحت الأساطيل الأضعف تلجأ إلى تعطيل الأقمار الصناعية والرادارات وشبكات التتبع بدلًا من استهداف المدمرات أو حاملات الطائرات، وهو ما يمنح الأسطول الأضعف، صاحب الموارد المحدودة، القدرة على حرمان الطرف الأقوى من السيطرة البحرية.
لذا، رغم أن الأسطول الأضعف لا يمكنه الدخول في مواجهة مباشرة مع أسطول أقوى اعتماداً على قدراته العسكرية، لكنه يظل قادراً على قطع سلسلة الهجمات، من خلال نشر زوارق غير مأهولة وأجهزة تشويش وأدوات إلكترونية وشراك خداعية، وهو ما يجبر الأسطول الأقوى على الانشغال بالبحث بدلاً من التركز على الهجوم، ناهيك عن قدرته على إحداث ارتباك واحراج سياسية للقوة المهاجمة.
استراتيجية «الأسطول الحصين» ودعم الأساطيل الأضعف
تشير بعض التقارير الغربية إلى أن الأساطيل الأضعف تلجأ غالباً لتوظيف أدوات الحروب غير النظامية لتقليص الفجوة بينها وبين الأساطيل الأقوى. وبينما تكون الحرب غير النظامية البرية محدودة النطاق غالبًا، بيد أن الحرب غير النظامية البحرية تتجاوز بطبيعتها الحدود الوطنية والأنظمة العالمية، وهو ما يعزى إلى الترابط الوثيق بين خطوط الاتصال البحرية والتجارة البحرية مع الأطر القانونية الدولية.
بالتالي، ففي غياب تدخل القوات البرية، لا تزال القوى البحرية الأضعف قادرة على المنافسة على السيطرة المباشرة على البحار، وذلك من خلال استراتجيات الحرب غير المتكافئة، حيث تستغل استراتيجية «الأسطول الحصين» لفرض تكاليف باهظة على الأساطيل الأقوى المهاجمة، ولعل هذا ما انعكس بوضوح خلال الحرب العالمية الأولى، عندما استخدمت ألمانيا والإمبراطورية العثمانية استراتيجيات «الأسطول الحصين»، وحققتا نتائج عملياتية متباينة. فعندما اندلعت الحرب في عام 1914، كان الأسطول الألماني أضعف بكثير من الأسطول البريطاني الكبير، ما دفع ألمانيا لاتباع استراتيجية «الأسطول الحصين»، والتي كانت قد طرحتها سابقاً المدرسة الفرنسية «جون إيكول»، والتي تشير إلى فكرة مزيا التكلفة التي توفرها التقنيات الناشئة للأسطول الأضعف، لا سيما قدرة الألغام وزوارق الطوربيد الصغيرة على إغراق السفن الحربية الكبيرة.
كذا، استخدمت الإمبراطورية العثمانية استراتيجية «الأسطول الحصين»، خلال حملة الدردنيل في عام 1915، حيث نجح الأسطول العثماني من فرض تكالف بحرية أكبر على الأسطول البريطاني، ما دفع الأخير للتراجع، ومن ثم منع أقوى أسطول بحري في العالم آنذاك من الوصول إلى المضائق.
وخلال الحرب العالمية الثانية، استخدمت ألمانيا، التي كانت تمثل القوة البحرية الأضعف، استراتيجيات الحروب غير المتكافئة، وتمكنت من خلالها من إلحاق خسائر كبيرة في القوات البحرية للحلفاء. وحتى خلال حقبة الحرب الباردة، استمرت القوى البحرية الأضعف في تبني استراتيجيات غير متكافئة في مواجهة الأساطيل البحرية الأقوى، على غرار الألغام الكورية الشمالية في ميناء وونسان، التي أدت إلى تأخير الهجوم البرمائي للفيلق العاشر الأمريكي في عام 1950، كما أطلقت فيتنام طوربيدات على مدمرة أمريكية في خليج تونكين في عام 1965.
وعلى الرغم من هذه التجارب التي تعكس مساعي الأساطيل الأضعف على مواجهة خصومها الأقوى، عبر استخدام استراتيجية «الأسطول الحصين»، بيد نتائجها تبقي محدودة مقارنة بالأسطول الحصين غير المسبوق الذي تقوم الصين حالياً ببنائه في إطار منطقة «حظر الوصول/الحرمان من المنطقة» (A2/AD).
دور القوات الخاصة البحرية في دعم الأساطيل الأضعف
تشير بعض التقديرات الغربية إلى أن الأساطيل الأضعف يمكنها الاعتماد على أنظمة الحرب الإلكترونية والمراقبة البحرية كاستراتيجية دفاعية قابلة للتطوير والتكيف عند مواجهتها لخصوم أقوى، فبدلًا من محاولة محاكاة الأساطيل القوية والمتطورة، يمكن للأساطيل الأضعف تطوير قدارات غير متكافئة لمنع الوصول وتعطيل عمليات الأساطيل الأقوى، ومن ثم فرض تكاليف باهظة على أي هجوم محتمل. بالتالي، تلجأ الأساطيل الأضعف إلى أساليب غير مباشرة وغير متكافئة لتقويض الأساليب المباشرة والمكلفة التي تستخدمها الأساطيل الأقوى. فالبنسبة للأسطول الضعيف، لا يكمن هدفه في تحقيق نصر حاسم في مواجهة خصم أقوى منه، بل في فرض تكاليف باهظة على الأخير. فعندما تتعثر الأساطيل الأقوى في التكيف مع التكتيكات غير النظامية، فإن عدم التوافق الاستراتيجي يبقى في مصلحة الأسطول الأضعف.
وفي هذا السياق، تشكل القوات الخاصة البحرية إحدى أبرز أدوات الاستراتجيات البحرية غير المتكافئة، حيث يمكن لهذه القوات أن تكبد الأساطيل الأقوى تكاليف باهظة، من خلال توفير حلول استراتيجية قابلة للتطوير وأقل تكلفة، ما يمكنها من فرض الحظر والتعطيل، ومن ثم إيجاد معضلات استراتيجية للأساطيل الأقوى المهاجمة. وتجدر الإشارة إلى أن هناك عدة دول عمدت إلى توظيف قواتها الخاصة البحرية لمواجهة خصومها الأقوى، فعلى سبيل المثال، استثمرت الدنمارك والنرويج في قواتهما الخاصة البحرية كجزء من استراتيجتهما المرتبطة بردع الأسطول الروسي. وعلى المنوال ذاته، دمجت إندونيسيا قواتها الخاصة جزء من عقيدتها البحرية العالمية في جنوب شرق آسيا.
دروس الحرب الروسية – الأوكرانية
في مطلع عام 2022، كان هناك اجماع لدى التقديرات الغربية بأن الجيش الروسي قادر على سحق القوات الأوكرانية، جوًا وبحرًا وبرًا. لكن بعد مرور أكثر من 4 سنوات من بداية الحرب، تمكنت كييف، بدعم مالي وعسكري هائل من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، من الصمود أمام الزحف الروسي. لكن النجاح الأكبر الذي حققه الأوكرانيون كان في المواجهات البحرية، فقد تمكن الأسطول الأوكراني الأضعف من مواجهة نظيره الروسي الأقوى، الأمر الذي اعتبرته التقديرات الغربية بمثابة دروس وتحذيرات للأساطيل الكبرى في العالم.
وتجدر الإشارة إلى أنه عندما اندلعت الحرب الروسية – الأوكرانية، كانت السفينة الحربية الوحيدة التي تمتلكها كييف هي فرقاطة من الحقبة السوفييتية، واضطرت القوات الأوكرانية إلى إغراقها في ميناء ميكولايف لمنع وقوعها في أيدي الأسطول الروسي. في المقابل، شنت الأخيرة هجمات مكثفة بالصورايخ الباليستية على المدن الأوكرانية، وفرضت حصارًا على الموانئ الأوكرانية. لكن، ومن خلال استخدام تكتيكات جديدة، تمكن الأوكرانيون من تدمير 26 سفينة روسية حتى منتصف عام 2024، بل وإجبار أسطول البحر الأسود الروسي القوي على الإنسحاب مئات الأميال للتمركز في ميناء أكثر أمانًا. وتعكس هذه التجربة أحدث الخبرات والدروس في كيفية استفادة الأسطول الأضعف من التفكير الابتكاري والتكنولوجيا الحديثة للتغلب على خصم أقوى.
وبينما لعبت الطرادة الروسية «موسكفا» دوراً محورياً في بداية الهجمات الروسية على أوكرانيا، باعتبارها سفينة القيادة لأسطول البحر الأسود، وكان أبرز عملياتها الاستيلاء على القاعدة البحرية الأوكرانية الاستراتيجية المعروفة باسم «جزيرة الأفعى»، قبل أن يتمكن الأوكرانيون، في أبريل 2022، من تدمير الطرادة، لتشكل أول خسارة بالنسبة لموسكو لسفينة حربية رئيسية منذ الحرب الروسية – اليابانية، في 1904-1905، وأكبر سفينة حربية روسية يتم إغراقها في معركة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وأدت هذه التطورات إلى تعطيل الخطط الروسية لشن هجوم برمائي على أوديسا.
وبمرور الوقت، طور الأوكرانيون من هجماتهم ضد الأسطول الروسي، واستعادة جزيرة الأفعى، لا سيما بعدما بدأ الأسطول الأوكراني الضعيف في توظيف المسيرات البحرية لمطاردة واستهداف السفن الحربية الروسية المتطورة، وهو ما تجلى في الهجوم الذي نفذته القوات البحرية الأوكرانية على قاعدة سيفاستوبول البحرية الروسية في شبه جزيرة القرم، في أكتوبر 2022، باستخدام 6-8 مسيرات بحرية من طراز ماغورا، وألحقت أضرارًا بالغة بالسفينة الجديدة بأسطول البحر الأسود الروسي، وهي الفرقاطة «الأدميرال ماكاروف»، في تطور اعتبرته بعض التقديرات بمثابة نقطة تحول في الاستراتيجية البحرية.
وفي الختام، يتمثل الهدف الرئيسي – نظريًا- للأسطول في تدمير أسطول الخصم في معركة حاسمة، باعتبار أن هذا الأمر سيتيح خيارات أكثر، لكن – عملياً – نادراً ما تقع المعارك الحاسمة بين الأسطولين إلا إذا اختار الطرفان المواجهة. وتتضمن التجارب التاريخية كثيرًا من الأمثلة التي تجنب فيها أحد الجانبين الدخول في معركة حاسمة، وربما يفسر هذا الأمر قلة المعارك البحرية مقارنًة بالحروب البرية. ومن هذا المنطلق، لن تسعى القوة البحرية الأضعف إلى القتال إلا عندنا يكون خصمها الأقوى في وضع غير مواتٍ لتحقيق أهدافه العملياتية.
وفي هذا الإطار، ثمة خيارات عدة تلجأ إليها الأساطيل الأضعف لمواجهة خصومها الأقوى، لكن جميعها تستهدف في النهاية التأثير على الأحداث البرية من خلال قواتها البحرية. ومن خلال هذه الخيارات، تعمل الأساطيل الضعيفة على استنزاف خصومها الأقوى تدريجيًا، عبر تكتيكات مناسبة واستراتيجيات الحروب غير المتكافئة، تمهيدًا لمعركة حاسمة، أو مفاجأة الأسطول القوى وقت ضعفه.
عدنان موسى مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـــــ جامعة القاهرة










