لطالما شكلت الألغام محدداً حاسماً في تغيير مسار الحروب البحرية السابقة، سواء بإلحاقها أضراراً كبيرة بالسفن المنفردة، أو حتى بمواجهة تحركات أساطيل كاملة. وتشير التقديرات إلى أن هناك آلاف الألغام البحرية التي كانت قد زرعت منذ عقود، خلال حروب سابقة، كامنة تحت الماء، ما أدى إلى وجود نحو 1.6 مليون طن من الذخائر غير المتفجرة الموجودة حالياً في أمكان متفرقة تحت الماء. كما أن هناك أكثر من 50 دولة تمتلك حالياً ألغاماً بحرية، بمخزونات تصل لملايين الأطنان. ورغم التاريخ الطويل للألغام البحرية، فإن عودة توظيفها في الحروب الحديثة، لا سيما في الحرب الروسية – الأوكرانية والحرب الأخيرة في إيران، أثار تساؤلات عدة بشأن ما إذا كانت الإلغام لا تزال تشكل أداة رئيسية في الحروب البحرية الحديثة.
رغم أن الألغام البحرية تبدو أجهزة بسيطة نسبياً، لكنها في الوقت ذاته تظل بالغة التعقيد، وبينما تعزى بساطتها إلى قلة مكوناتها، فإن تعقيدها يرتبط بالذكاء العالي المبرمج فيها. وعادة ما تتكون الألغام البحرية من معدات النقل أو المناولة، منوط بها نشر اللغم باستخدام أي من تقنيات النشر المتاحة. والغلاف المتفجر، والذي يحتوي على المواد المتفجرة كتلك المستخدمة في القنابل. وجهاز التسليح المزود بسلسلة متفجرة، والبطارية، وجهاز كشف الهدف، والذي يميز اللغم البحري عن القنبلة، حيث يستشعر العديد من المحفزات من المياه المحيطة، ويقوم بتفعيل اللغم وفقاً لمجموعة من الشروط.
وتُعَرِّف بعض الأدبيات الألغام البحرية باعتبارها «عبوة ناسفة ذاتية، تزرع في الماء، بهدف تدمير الغواصات والسفن السطحية، أو لمنع الخصم من الوصول لمناطق معينة». وتشير إلى أن بداية ظهور الألغام البحرية يرتبط بالثورة الأمريكية، وذلك عندما اكتشفها «ديفيد بوشنيل»، في عام 1777، وتم استخدامها لاستهداف جزء من الأسطول البريطاني في نهر «ديلاوير»، بالقرب من فيلادلفيا. وكان هذا اللغم يتكون من شحنة بارود في برميل، مدعومة بعوامة على السطح، ويحتوي البريمل على آليه إطلاق نار، ومن ثم فأي اصطدام خفيف ينتج عنه تحرير مطرقة الآلية وتفجير البارود. ورغم أن هذا الاختراع الحديث آنذاك لم يلحق أي ضرر فعلي بالسفن البريطانية، لكنه آثار اهتماماً واسعاً، ومهد الطريق لتطوير تقنيات مختلفة من الألغام البحرية لاحقاً. فقد تم استخداها بشكل كبير في الحرب الأهلية الأمريكية، عندما استخدمته البحرية الكونفدرالية لمواجهة البحرية الفيدرالية.
كذا، تم استخدام الألغام البحرية في الحرب العالمية الأولى لحصر الغواصات الألمانية في بحر الشمال، فقد زرع الحلفاء في عام 1918 حقل ألغام امتد لنحو 250 ميلاً، من اسكتلندا إلى النرويج، عرف باسم «حاجز بحر الشمال»، كما عمدت القوات الأمريكية والبريطانية إلى زرع 72 ألف لغم، تمكنت من إغراق ست غواصات ألمانية، مع إلحاقها لأضرار بالغة بسفن الخصوم. واستخدمت الألغام البحرية بشكل واسع في الحرب العالمية الثانية لخنق الاقتصاد الياباني. فقد نشرت الولايات المتحدة أكثر من 12 ألف لغم على طرق الشحن اليابانية ومداخل موانئها، ما تمخض عنه إغراق حوالي 650 سفنية يابانية، ناهيك عن تعطيل كافة خطوط ملاحتها البحرية. وتشير التقديرات إلى أنه خلال الحرب العالمية الأولى، فُقدت أكثر من ألف سفينة تجارية وحربية بسبب الألغام البحرية. بينما فقدت أو تضررت نحو 2665 سفينة بسبب هذه الألغام في الحرب العالمية الثانية.
ورغم التراجع النسبي في أهمية الألغام البحرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث سادت قناعة آنذاك بأن هذه الألغام لن تكون ذات جدوى في ظل تطور الحروب، لكن هذه الفرضية سرعان ما ثبت خطأها لاحقاً. فخلال الحرب الكورية، فقد قام الاتحاد السوفييتي بتزويد كوريا الشمالية بآلاف الألغام البحرية، واستخدمت للدفاع عن الموانئ الرئيسية، إذ اصطدمت بها عدة سفن حربية أمريكية. وخلال الحرب في فيتنام، تم استخدام أكثر من 300 ألف لغم بحري أمريكي، ففي عام 1972، على سبيل المثال، تم زرع ميناء «هيفونغ» بنحو 11 ألف لغم، ما أدى إلى إغلاق الميناء لعدة أشهر.
وفيما يتعلق بأنواع الألغام البحرية، يمكن الحديث عن ثلاثة أنواع رئيسية، تتمثل فيما يلي:
أ. الألغام العائمة: وهي الألغام التي تطفو على سطح الماء، وتنفجر عادة عند ملامستها لأي سفينة. ويتسم هذا النوع من الألغام بطبيعة غير قابلة للسيطرة، لذا تم حظر هذا النوع من الألغام بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1907، الأمر الذي جعل استخدامه محدوداً للغاية.
ب. الألغام المثبتة: وهي الألغام التي تطفو على مسافة محددة من قاع البحر، بفضل ثقلها وربطها، وتنفجر عند الاصطدام، مثل «الكرات الشائكة» التي استخدمت في الحرب العالمية الأولى، حيث يتم حفظ اللغم في غلاف عائم متصل بجهاز تثبيت في قاع البحر، وهو ما يسمح بزرع هذا النوع في المياه العميقة، ما يجعلها استخدم ضد الغواصات والسفن.
ج. الألغام القاعية (التأثيرية): وهي تلك الألغام التي تستقر في قاع البحر بعد زرعها، وغالباً ما تكون في المياه الضحلة نسبياً، ورغم ذلك تعمل بعض الألغام القاعية في المياه العميقة، بحيث تكون قادرة على استهداف الغواصات. على غرار لغم «مانتا»، والذي استخدمه العراق خلال حرب الخليج في عام 1991.
د. الألغام التي يتم التحكم فيه عن بعد: وذلك من خلال ربطها سلكياً بمنشأة برية، منوط بها تحديد ما إذا كانت ستقوم بتفجير اللغم حال اقتراب سفينة منه. وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا النوع من الألغام في مطلع القرن العشرين، لحماية موانئها، كما تعد هذه الأداة فعالة لحماية المواقع الساحلية من تعرضها لقطع الكابلات أو استهداف منشآت التحكم.
كذا، تتباين الألغام البحرية من حيث طريقة زرعها، ففي بداية استخدامها، كانت غالبية الألغام تزرع من خلال سفن سطحية، ومع بداية الحرب العالمية الأولى، بدأ الاعتماد على الغواصات لزرع الألغام البحرية، ثم تطور الأمر في الحرب العالمية الثانية لتصبح الطائرات منوطة بزرع الألغام بأعداد كبيرة، كما يمكن أن تزرع الألغام بواسطة زوارق الطوربيد. بالإضافة لذلك تختلف الألغام البحرية المختلفة في طريقة تفجيرها، إذ يتطلب بعضها ملامسة سفينة لها لتنفجر، بينما تنفجر ألغام التأثير باستشعارها لسفينة، مغناطيسياً أو صوتياً أو بالضغط. في المقابل، تنفجر الألغام المتحكم بها عن بعد بواسطة محطة ساحلية.
ومع تطور الألغام، باتت النماذج الأحدث من الألغام البحرية تجمع بين أنماط استشعار متعددة، بحيث يكون بعضها مصمماً لانفجار فقط بعد مرور عدد معين من السفن، الأمر الذي يسمح لها بتجاهل السفن الصغيرة، أو محاولات إزالة هذه الألغام، والتركيز على استهداف السفن ذات القيمة الأعلى، على غرار لغم «Maham 3» الإيراني، والذي يستخدم مستشعرات صوتية ومغناطيسية. كما تتخذ كثير من الألغام الحديثة شكلاً أسطوانياً أو طوربيدياً، وهو ما يسمح بنشرها من الطائرات أو الغواصات، مع هبوطها بطريقة محكمة، قبل أن تستقر في قاع البحر. بالإضافة لذلك، هناك تصاميم أكثر تطوراً، تسمى «الألغام الصاعدة»، والتي تظل مستقرة في قاع البحر، وتنطلق صعوداً باتجاه الهدف عند رصده.
لماذا الحرب البحرية بالألغام ومدى شرعية استخدامها؟
تلجأ الدول لاستخدام الألغام البحرية لتحييد التفوق العددي لأسطول الخصم، سواء بإلحاق أضرار مباشرة بسفنه، أو حتى لإجباره على منع وصول سفنه للمياه الرئيسية، وكذا تأخير خطط تقدمه وعرقلتها من خلال دفعه للانخراط في عمليات مضادة للألغام تؤخر تقدمه. كما يمكن استخدام هذه الألغام البحرية لحصر الغواصات المعادية في الموانئ، أو لمنع الخصوم من استخدام ممرات بحرية محددة لحين الالتزام بشروط محددة.
وشكلت الألغام البحرية جزءاً رئيسياً من الحروب البحرية خلال العقود الماضية، وقد تطورت من مجرد متفجرات بدائية إلى أسلحة أكثر تطوراً تحت سطح الماء. وفي هذا الإطار، لطالما أدركت الدول قوة تأثير الألغام البحرية، ففي ثمانينات القرن الماضي، زرعت إيران ألغاماً، لعرقلة حركة التجارة والملاحة العسكرية في خليج الخليج العربي، الأمر الذي أدى إلى استهداف المدمرة الأمريكية «يو إس إس صامويل بي روبرتس» (FFG 58). وخلال عملية عاصفة الصحراء (1990-1991)، أدى استخدام الألغام إلى الحيلولة دون استخدام قوة المهام الاستكشافية التابعة للبحرية الأمريكية قبالة سواحل الكويت، ما أدى إلى تعريض القوات الأمريكة وقوات التحالف للخطر، ناهيك عن الاضرار الجسيمة التي لحقت بالطراد «يو إس إس برينستون» (CG 59)، والغواصة «يو إس إس طرابلس» (LPH 10).
وفي هذا الإطار، تعتبر اتفاقية لاهاي الثامنة لعام 1907 هي الاتفاقية الرئيسية المنوطة بتنظيم استخدام الألغام البحرية، وجاء توقيع هذه الاتفاقية عقب الخسائر الكبيرة في المدنيين التي نجمت عن استخدام الألغام البحرية خلال الحرب الروسية – اليابانية (190٥-190٤)، بهدف وضع قواعد محددة بشأن كيفية استخدام هذه الألغام، لضمان حماية السفن المحايدة. فقد نصت هذه الاتفاقية على عدم جواز زرع أي ألغام بحرية قد تلحق إصابات عشوائية بالمدنيين أو بالسفن المحايدة، مع ضرورة تعطيل الألغام العائمة خلال ساعة حال فقدت السيطرة عليها، كما يجب أن تصبح الألغام المثبتة غير ضارة حال انفصالها، فضلاً عن حظر زرع الألغام بغرض استهداف السفن التجارية فقط، وفي حال تم زرع أي ألغام يتوجب مراعاة سلامة الملاحة السلمية، مع إبلاغ الأطراف المتحاربة للأخرين بوجود ألغام في مناطق محددة.
إلى جانب اتفاقية لاهاي لعام 1907، هناك مبادئ قانونية أخرى تشكل جزءاً من القانون الدولي العرفي تسهم في ضبط استخدام الألغام البحرية، بما في ذلك مبدأ التمييز ومبدأ حق المرور البريء، بالتالي، تعد أحد أبرز الإشكاليات التي تواجه الألغام البحرية عدم وجود قيود قانونية على استخدامها، فعلى عكس الألغام الأرضية، لا توجد أي معاهدة دولية نصت على حظر استخدام الألغام البحرية، ناهيك عن غياب وجود تعريف واضح لمفهوم اللغم البحري.
أبعاد الاهتمام الدولي بالألغام البحرية
بينما شكلت الألغام البحرية خياراً فعالاً وأقل تكلفة في الحروب البحرية خلال العقود الماضية، لكن هذا التهديد يتزايد بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، في ظل زيادة عدد الدول التي باتت تمتلك هذه الألغام. حيث تمتلك أكثر من خمسين دولة ألغاماً بحرية، وقد أثبتت 30 دول من هذه الدول قدرات على إنتاج الإلغام محلياً. بالإضافة لذلك، بدأت بعض الأطراف الفاعلة غير الحكومية استخدام هذه الأداة الرخيصة لتهديد السفن وتعطيل حركة التجارة.
وفي هذا السياق، تشير بعض التقديرات الغربية إلى امتلاك الصين حوالي 100 ألف نوع من الألغام، بما في ذلك الألغام البحرية، والتي قد تستخدمها بكين لإنشاء في بعض المناطق، كالأرخبيلات التي تفصل شرق آسيا عن الشرق الأوسط وبحر الصين الجنوبي، وذلك حال نشوب أي صراعات مستقبلية مع الولايات المتحدة، أو إذا قررت الصين استخدام القوة ضد تايوان.
في المقابل، حذرت بعض التقارير الأمريكية من تراجع قدرات البحرية الأمريكية في التعامل مع التهديدات المتزايدة للألغام البحرية، خاصة في ظل خروج المنصات الرئيسة للبحرية الأمريكية في مجال مكافحة الألغام البحرية عن الخدمة، والتي تتمثل بالأساس في طائرات (MH-53E AMCM)، والتي خرجت من الخدمة في أغسطس 2025، وكاسحات الألغام من فئة (Avenger)، والتي خرجت آخر أربعة سفن منها في سبتمبر الماضي. الأمر الذي سيجعل مجمل قدرة البحرية الأمريكية في هذا المجال قاصرة على عدد محدود من سفن (LCS)، والتي باتت في حاجة لإعادة تجهيزها بحزمة من تقنيات مكافحة الألغام الحديثة، لا سيما التقنيات غير المأهولة للبحث عن الألغام وتدميرها عن بعد.
وبينما تعمل الولايات المتحدة، وحلفاؤها في حلف الناتو، على تقليص قدراتهم في مجال مكافحة الألغام البحرية، يدفع منافسو واشنطن إلى تعزيز قدراتهم في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، أعلنت روسيا، في نهاية عام 2019، انضمام كاسحة ألغام جديدة من فئة «ألكسندر أوبوخوف»، لتنضم للأسطول الروسي الضخم من كاسحات الألغام، من فئتي «ألكساندريت» و»ناتيا». وعلى المنوال ذاته، عززت الصين قدراتها في هذا المجال من خلال سفن جديدة لمكافحة الألغام، من فئة «ووزانغ».
الحروب المضادة للإلغام والقضاء على الألغام البحرية القاتلة
هناك العديد من التدابير التي تستخدم لمكافحة الألغام البحرية، تعرف هذه التدابير باسم «كاسحات الألغام» أو «تدابير مكافحة الألغام»، وهي تشمل مجموعة متنوعة من التكتيكات، على غرار استخدام الأنظمة غير المأهولة، وتقنيات السونار، والأسلحة الأكثر تطوراً، كما يمكن لسفينتين تحييد حقول الألغام، وذلك من خلال سحبهما لكابل مصمم لقطع كابلات التثبيت للألغام، ليتم بعد ذلك تفجير الألغام بالمدفعية. بالإضافة لذلك، يمكن استخدام قاذفات «فيكرز ويلينغتون» المعدلة، والتي يتم تجهيزها بحلقات خشب البلسا، وتحتوي على ملف من الألمنيوم، تحلق هذه القاذفات على ارتفاع منخفض وبسرعة بطيئة، بحيث تشغل محركاتها مولداً ينتج عنه مجالاً مغناطيسياً أقوى من مجال السفينة، وهو ما ينتج عنه تفجير الألغام المغمورة. وهناك نهج آخر اتبعته بعض الدول لمكافحة الألغام البحرية، وذلك من خلال تحويل السفن التجارية الكبيرة إلى كاسحات ألغام مزودة بملف كهرومغناطيسي يولد نبضات مغناطيسية. بالإضافة لذلك، تحتاج بعض الألغام لتبني نهج مباشر لتحييدها، من خلال إرسال مجموعة من الغواصيين لتحييدها فور تحديد موقعها.
ثمة إشكالية أخرى تطرحها عمليات مكافحة الألغام البحرية، تتمثل في الوقت والتكلفة اللازمين لتطهير المناطق التي يشتبه في احتوائها على ألغام، فقد تستغرق هذه العمليات فترات زمنية تصل أحياناً لسنوات، فعلى سبيل المثال، امتدت العمليات الأسترالية لدعم إزالة لألغام في الكويت، عقب نهاية حرب الخليج الأولى عام 1991، نحو خمسة أشهر، رغم أن نطاق البحث كان في حدود كيلومترين مربعين فقط، تم خلالها إزالة 60 لغماً.
الحروب الحديثة في استخدام الألغام البحرية: تجربتا أوكرانيا وإيران
عقب اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، في 28 فبراير الماضي، أعلنت طهران إغلاقها شبه الكامل لمضيق هرمز، مع التلويح باحتمالية وجود ألغام بحرية في هذا الممر الحيوي، في خطوة أثارت تهديدات عالمية واسعة، فقبل اندلاع الحرب في إيران، كان خمس امدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يتم نقله من خلال مضيق هرمز، بالتالي فوجود لغم بحري واحد يهدد حركة التجارة العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن مخزون إيران من الألغام البحرية كان يقدر بحوالي 5000-6000 لغم، يُنتج جزء كبير منها محلياً، بينما يستورد الجزء المتبقي من الصين وروسيا. ويزداد الأمر تعقيداً في ظل عدم كشف طهران عما إذا قامت فعلياً بزرع الألغام، ناهيك عن تحديد مواقعها، فقد اكتفت إيران بالإشارة إلى احتمالية وجود ألغام في المضيق. ورغم ذلك، أشارت بعض التقارير الأوروبية إلى وجود حوالي 80 لغماً في مضيق هرمز، تشمل بالأساس ألغام «Maham 3» و«Maham 7» شديدة الإنفجار. وقد رجحت هذه التقارير وجود أربعة حقول ألغام في مضيق هرمز، حول المدخل الغربي للمضيق، وحول ممر الشحن المركزي المتجه شرقاً، وحول ممر الشحن المركزي المتجه غرباً، وأخيراً حول المخرج الشرقي باتجاه خليج عمان.
بالتالي، أثبتت الحرب في إيران خطأ القناعة السابقة لدى البحرية الأمريكية بشأن تراجع أهمية حروب الألغام البحرية، لا سيما في ظل المشكلات التشغيلية التي تواجه وحدة مهمة مكافحة الألغام البحرية الحالية (MCM)، التابعة لسفن القتال الساحلية الأمريكية. وفي هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة للتوسع في الاعتماد على حلفائها من الناتو لتحمل الجزء الأكبر من عبء مكافحة الألغام البحرية.
ومن هذا المنطلق، أشارت بعض التقارير الغربية إلى أن تطهير مضيق هرمز من الألغام البحرية يمثل تحدياً معقداً، سيتطلب وقتاً وتنسيقاً دولياً. فعلى الرغم من أن حركة الشحن عبر المضيق بدأت بالازدياد عقب مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، لكن إعادة فتح المضيق بالكامل لا يزال بحاجة إلى تطهيره من كافة الألغام التي تعرض السفن للخطر.
ورغم أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران كانت قد نصت على مسؤولية إيران في إزالة الألغام من مضيق هرمز، غير أن طهران لا تمتلك القدرات الكافية على إزالة الألغام بمفردها، ما يفتح المجال أمام تعاون دولي أكبر في هذه المهمة، وقد أبدت بعض الدول الأوروبية استعدادها للانضمام لهذه المهمة، مثل المملكة المتحدة وفرنسا.
على جانب آخر، شهدت الحرب الروسية الأوكرانية استخداماً آخر للألغام البحرية من طرفي الصراع، تشير بعض التقارير الغربية إلى أن روسيا قامت بنشر مئات الألغام البحرية في البحر الأسود بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. في المقابل، كشفت تقارير أخرى عن قيام أوكرانيا بزرع ألغام بحرية في البحر الأسود، وهو ما أكدته كييف في يونيو 2022، مشيرة إلى أنها قام بزرع ألغام بحرية لصد الهجمات الروسية. ومنذ بداية الحرب تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بشأن إلقاء الألغام في البحر الأسود، الأمر الذي أدى إلى حالة من الغموض بشأن حجم الألغام الموجود في هذه المنطقة، فبينما تشير بعض التقديرات الأوكرانية إلى أن روسيا ألقت حوالي 400-600 لغم في المياه الإقليمية الأوكرانية، حذرت تقارير روسية من وجود نحو 370 لغماً بحرياً عائماً زرع من قبل أوكرانيا قبالة سواحل أوديسا.
مستقبل استخدام الألغام في الحروب البحرية الحديثة
لم يعد اللغم البحري مجرد كرة ذات قرون تنفجر، رغم استمرار وجود هذه النماذج القديمة حتى الآن، بل أصبحت النماذج الأحدث من الألغام البحرية وسيلة فعالة لإحداث تأثيرات واسعة قادرة على تغيير ساحة المعارك، لا سيما في ظل تطور قدرات الألغام البحرية «الذكية»، والتي بإمكانها إحداث تأثيرات أوسع نطاقاً، بداية من جمع البيانات غير الحركية، وصولاً للانفجارات ذات التأثير الحركي. كما أصبح بإمكان الدول نشر هذه الإلغام بشكل مسبق، بحيث توفر تهديداً مستمراً، مع إمكانية تكيفها وإعادة تشكيلها عند الضرورة.
وخلال السنوات الأخيرة، وفي ظل الانتشار المطرد للمركبات البحرية غير المأهولة ذاتية التشغيلة، تجدد اهتمام القوى البحرية المختلفة بحروب الألغام البحرية، وعمليات مكافحة هذه الألغام. فالقوة التي ستتمكن من توفير حلول متكاملة وبأسعار معقولة، ستحقق لأساطيلها مكاسب كبيرة في المنافسة الاستراتيجية، ناهيك عن تعزيزها لحرية المناورة على المستوى العملياتي، والتفوق على المستوى التكتيكي للحروب البحرية.
بالتالي، تشير هذه الأدبيات إلى أن الدور التقليدي للألغام البحرية قد تعاظم، فقد باتت هذه الأداة قادرة على إحداث تأثيرات أكبر في البحر، بما يسمح لها بمساعدة الغواصات والقوات الجوية والسطحية والبرية للتغلب على الخصم في إطار استراتيجية شاملة. وفي هذا السياق، تعمل الدول على تطوير منصات إطلاق جديدة للإلغام البحرية، على سبيل المثال، طورت الصين ألغاماً جديدة يتم إطلاقها بالصواريخ ويتم تفعيلها عن بعد، وهي ألغام (EM-52/T-1). كما تعتبر المركبات غير المأهولة تحت الماء إحدى أبرز الأدوات الفاعلة في زرع الألغام الهجومية، على غرار نظام «سبي بيبي» الأوكراني، والذي حقق نجاحات في إيصال الألغام ضد الأهداف الروسية.
على جانب آخر، تدفع كثير من الدول نحو تعزيز قدراتها من تقنيات الحرب المضادة للألغام، بما يسمح لها بمسح مناطق أوسع بسرعة أكبر، مع القدرة على اتخاذ قرارات فورية بشأن كيفية الاستجابة للأجسام المكتشفة. وقد تمكنت بعض الدول من تطوير قدراتها فعلياً في هذا المجال، لا سيما مع التوسع في الاعتماد على المركبات غير المأهولة. وفي هذا الإطار، تشير كثير من التقارير الغربية إلى أن الحروب الهجومية بالألغام ستسهم بدور محوري في الحروب المستقبلية، لا سيما مع ترجيح أن تكون الألغام الحديثة أكثر خطورة وتهديداً، حيث تجمع بين متانة الألغام التقليدية وقدرتها على الانتشار الواسع، وسرعة الطوربيدات وقدرتها على المناورة، فضلاً عن مرونة المركبات غير المأهولة وحركتها واستقلاليتها.
وفي الختام، رغم وجود اعتقاد سائد لدى البعض بأن تكنولوجيا الألغام البحرية هي من ماضي الحروب، فإن هذه الأداة لا تزال تشكل محدداً حاسماً في الحروب البحرية الحديثة، لا سيما في ظل توافرها وتنوعها، فضلاً عن تكلفتها المعقولة وسهولة نشهرها، وتأثيرها الكبير على العمليات البحرية. فبينما لا تتجاوز تكلفة تصنيع الألغام الحديثة والأكثر تطوراً عشرات الآلاف من الدولارات، فإنها قد يتمخض عنها تكاليف اقتصادية واستراتيجية هائلة، كما تدفع الخصوم لتغيير عملياتهم أو حتى التخلي عنها، بل وربما تجبر الأطراف المتحاربة على التفاوض.● عدنان موسى (مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـــــ جامعة القاهرة)










