Roketsan-ATMACA008

«أتماكا».. جيل جديد من صواريخ الضربات البحرية التركية

شهدت تركيا خلال العقود الماضية تحولاً نوعياً في قطاع الصناعات الدفاعية، نقلها تدريجياً من دولة تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد العديد من المنظومات والمعدات العسكرية، إلى دولة تمتلك قاعدة صناعية وتقنية وطنية قادرة على تصميم وتطوير وإنتاج طيف واسع من الأنظمة الدفاعية.

ولم يكن هذا التحول نتاج زيادة حجم الإنتاج فحسب، بل جاء نتيجة توجه طويل الأمد نحو بناء قدرات وطنية متكاملة، تقوم على تطوير الخبرات الهندسية والتقنية، وتعزيز البحث والتطوير، وتوطين التقنيات الحيوية، وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية، بما يتيح للقوات المسلحة التركية الحصول على حلول مصممة وفق احتياجاتها العملياتية، مع امتلاك القدرة على تطويرها وتحديثها بصورة مستمرة.

ومع مرور الوقت، تطورت الصناعة الدفاعية التركية من مرحلة التركيز على التصنيع والإنتاج المحلي إلى مرحلة أكثر تقدماً تقوم على التصميم والتطوير والابتكار، وهو ما انعكس في ظهور مجموعة واسعة من المنظومات والمنتجات التي تحمل بصمة تركية في مجالات متعددة، وتتمتع بمستويات متقدمة من التكنولوجيا والقدرات التشغيلية.

وأصبح قطاع الصناعات الدفاعية التركي اليوم منظومة متكاملة تضم شركات ومؤسسات متخصصة في مجالات الطيران، والطائرات والأنظمة غير المأهولة، والصواريخ والذخائر الموجهة، والدفاع الجوي، والمركبات البرية، والصناعات البحرية، والرادارات والإلكترونيات، والاتصالات، والحرب الإلكترونية، والأنظمة الفضائية وغيرها.

ويتميز هذا النموذج بتكامل الأدوار بين المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى والشركات المتخصصة وسلاسل الإمداد المحلية، الأمر الذي أسهم في بناء بيئة صناعية وتقنية قادرة على تطوير منظومات معقدة، وربط مختلف مكوناتها ضمن حلول متكاملة تلبي المتطلبات العسكرية الحديثة.

ولم يعد حضور الصناعة الدفاعية التركية مقتصراً على تلبية احتياجات القوات المسلحة التركية، إذ اتجهت الشركات المحلية بصورة متزايدة إلى الأسواق الدولية، مستفيدة من تنامي قدراتها التقنية ومن قدرتها على تقديم منتجات متنوعة وقابلة للتكيف مع متطلبات المستخدمين المختلفين.

وقد ساعد هذا التوجه على ترسيخ حضور تركيا في سوق الصناعات الدفاعية العالمية، وأصبح عدد من منتجاتها ومنظوماتها معروفاً على نطاق واسع، خصوصاً في مجالات الطائرات غير المأهولة، والصواريخ والذخائر الموجهة، والمركبات المدرعة، والأنظمة البحرية والإلكترونية والدفاع الجوي.

ويعكس هذا المسار تحولاً مهماً في طبيعة الصناعة الدفاعية التركية؛ فالمنافسة لم تعد قائمة على القدرة على إنتاج المعدات فحسب، وإنما أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على امتلاك التكنولوجيا، والقدرة على الابتكار، وسرعة التطوير، والتكامل بين المنظومات، إلى جانب توفير حلول تتمتع بالمرونة وقابلية التحديث والتطوير.

منظومة من الشركات المتخصصة

وفي إطار هذا التطور، برزت مجموعة من الشركات التركية التي أصبحت تمثل ركائز أساسية للصناعة الدفاعية الوطنية، حيث تعمل كل منها في مجالات وتخصصات مختلفة، مع وجود قدر كبير من التكامل فيما بينها.

وتبرز في هذا المشهد شركات متخصصة في الإلكترونيات والرادارات والاتصالات والحرب الإلكترونية، وأخرى في الطيران والأنظمة غير المأهولة، إلى جانب شركات تعمل في المركبات البرية والصناعات البحرية والصواريخ والذخائر والدفاع الجوي والأنظمة الفضائية.

وقد أسهم هذا التنوع في بناء قاعدة صناعية واسعة لا تعتمد على شركة واحدة أو قطاع محدد، وإنما تستند إلى منظومة متكاملة من القدرات والخبرات، الأمر الذي منح الصناعة الدفاعية التركية مرونة أكبر في تطوير منتجات جديدة والاستجابة للمتطلبات المتغيرة في ميادين القتال الحديثة.

Roketsan.. خبرة متخصصة في الصواريخ والأنظمة الدفاعية

ومن بين أبرز الشركات التي برزت في هذا المسار شركة «روكيتسان» (Roketsan)، التي أصبحت واحدة من أهم المؤسسات التركية المتخصصة في تطوير وإنتاج الصواريخ والأنظمة الدفاعية.

تأسست «روكيتسان» عام 1988 بهدف تطوير القدرات التركية في مجال الصواريخ والقذائف الصاروخية، وتلبية احتياجات القوات المسلحة التركية من خلال بناء قدرة وطنية متخصصة في هذا المجال.

ومنذ تأسيسها، قطعت الشركة مساراً متدرجاً في تطوير قدراتها التقنية والهندسية، وانتقلت من التركيز على الصواريخ والقذائف الصاروخية إلى تطوير مجموعة واسعة من الأنظمة الدفاعية المتقدمة.

وتعمل «روكيتسان» اليوم في مجالات متعددة تشمل الصواريخ التكتيكية، والذخائر الموجهة بدقة، والصواريخ المضادة للدروع، وأنظمة الدفاع الجوي، والصواريخ الجوالة، والأنظمة البحرية، إلى جانب تقنيات وأنظمة مرتبطة بالفضاء والحماية الباليستية.

ويعكس تنوع منتجات الشركة اتساع خبراتها في مجالات هندسية وتقنية مختلفة، وقدرتها على تطوير منظومات موجهة لمجموعة متنوعة من المهام والبيئات العملياتية، سواء على البر أو البحر أو الجو.

كما تمثل الشركة أحد النماذج البارزة للتحول الذي شهدته الصناعة الدفاعية التركية، من الاعتماد على التقنيات والمكونات الخارجية إلى تطوير حلول وطنية متقدمة، ومن التركيز على تلبية الاحتياجات المحلية إلى امتلاك منتجات تستهدف أيضاً الأسواق الدولية.

ولا تقتصر أهمية «روكيتسان» على تطوير الصواريخ بوصفها منتجات منفردة، بل تمتد إلى امتلاك قدرات متكاملة تشمل التصميم والهندسة والتطوير والاختبار والإنتاج والتكامل، وهي عناصر أساسية في بناء صناعة صاروخية متقدمة وقادرة على مواكبة التطور المتسارع في تقنيات التسليح الحديثة.

أتماكا.. نموذج على تطور القدرات الصاروخية التركية

ومن بين أبرز المنتجات التي تجسد هذا التطور تبرز منظومة صواريخ «أتماكا» (ATMACA)، وهي الجيل الجديد من الصواريخ البحرية التركية محلية الصنع، التي طورتها شركة «روكيتسان» لتوفير قدرة متقدمة للضربات الدقيقة ضد الأهداف البحرية.

وتمثل «أتماكا» نموذجاً على تطور القدرات التركية في مجال الصواريخ الموجهة، وما وصلت إليه الصناعة الدفاعية المحلية من مستويات متقدمة في التصميم والتطوير والإنتاج.

وفيما يلي نستعرض منظومة «أتماكا» وأبرز قدراتها ومواصفاتها، ودورها في تنفيذ الضربات البحرية الدقيقة.

«أتماكا»… صاروخ بعيد المدى للضربات البحرية الدقيقة

يسمح تصميم «أتماكا» بدمجه على زوارق الهجوم والطرادات والفرقاطات، كما يدعم إمكانية إطلاقه من المنصات تحت الماء.

ويبلغ مدى «أتماكا» نحو 250 كيلومتراً، فيما يقل وزن إطلاقه عن 750 كيلوغراماً، ما يوفر للقوات البحرية القدرة على الاشتباك مع الأهداف من مسافات بعيدة، مع الحفاظ على حجم مدمج نسبياً يسمح بدمجه على منصات بحرية متعددة.

ويتراوح طول الصاروخ بين 4.3 و5.2 متر، بحسب التكوين، بينما يعتمد نظام التوجيه على منظومة الملاحة بالقصور الذاتي (INS)، ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، إلى جانب مقياس ارتفاع بارومتري ومقياس ارتفاع راداري.

ويتيح هذا التكامل متعدد المستشعرات للصاروخ تنفيذ رحلة دقيقة فوق البيئة البحرية قبل الانتقال إلى مرحلة الاشتباك النهائي.

وفي المرحلة النهائية، يعتمد «أتماكا» على باحث راداري نشط (Active RF)، بما يتيح له اكتشاف الهدف والاشتباك معه بصورة مستقلة، ويعزز قدرته على تنفيذ ضربات دقيقة ضد الأهداف البحرية.

ولا تقتصر قدرات «أتماكا» على المدى والدقة، إذ صُمم الصاروخ أيضاً ببصمة رادارية منخفضة وقدرة على مقاومة التدابير المضادة، بما يعزز فرص بقائه ووصوله إلى الهدف في البيئات البحرية المتنازع عليها.

كما صُمم «أتماكا» للعمل في مختلف الظروف الجوية، بما يتيح له الحفاظ على قدرته التشغيلية في ظل البيئات والظروف الجوية المتغيرة.

الرأس الحربي وتعدد المهام

يحمل «أتماكا» رأساً حربياً شديد الانفجار والتشظية بوزن 220 كيلوغراماً، مع قدرة اختراق فعالة، بما يوفر تأثيراً تدميرياً كبيراً عند إصابة الأهداف البحرية.

ولا تقتصر مهام المنظومة على مكافحة السفن التقليدية، إذ صُممت للاشتباك مع الأهداف البحرية والبرية، سواء من المنصات السطحية أو تحت الماء.

وصلة البيانات والمرونة أثناء المهمة

يمثل الاتصال عبر وصلة البيانات إحدى أبرز مزايا «أتماكا»، إذ تتيح هذه القدرة تحديث معلومات الهدف أثناء تنفيذ المهمة، إلى جانب إمكانية إلغاء المهمة أو إعادة الاشتباك بعد الإطلاق.

وتمنح هذه الوظائف القادة مرونة أكبر في التعامل مع التطورات الميدانية، بدلاً من الاعتماد بشكل كامل على خطة اشتباك ثابتة يتم تحديدها قبل إطلاق الصاروخ.

ويمكن تعديل مسار المهمة وفقاً للمعلومات الجديدة أو الظروف التكتيكية المتغيرة، بما يعزز القدرة على اتخاذ القرار خلال مراحل الاشتباك المختلفة.

التخطيط ثلاثي الأبعاد وتنسيق الضربات

يدعم «أتماكا» التخطيط ثلاثي الأبعاد للمهام، بما يسمح بتنسيق عمليات الاشتباك وفق سيناريوهات زمنية وعملياتية متعددة.

وتشمل هذه القدرات مفهوم «الوصول إلى الهدف في التوقيت المحدد» (ToT)، و«الوصول إلى الهدف في التوقيت المحدد مسبقاً» (DToT)، و«الوصول المتزامن إلى الهدف» (SToT)، إلى جانب إطلاق الصواريخ بصورة متتابعة أو في رشقات متزامنة (Ripple/Salvo).

وتتيح هذه الوظائف تنسيق عدة صواريخ أو عناصر اشتباك ضد أهداف محددة وفق توقيتات ومسارات مخططة، بما يدعم تنفيذ سيناريوهات أكثر تعقيداً للضربات البحرية، ويزيد من قدرة القوات على إدارة عمليات الاشتباك متعددة المحاور.

قدرات متكاملة للضربات البحرية

بمدى يصل إلى 250 كيلومتراً، وباحث راداري نشط يعمل بالترددات الراديوية، ورأس حربي بوزن 220 كيلوغراماً، إلى جانب قدرات تنفيذ المهام عبر الشبكات، يوفر «أتماكا» مرونة عملياتية واسعة.

كما يهدف تصميمه المستقل ومداه البعيد إلى تعزيز فاعليته في البيئات البحرية المتنازع عليها، حيث تتطلب العمليات الحديثة الجمع بين الدقة والقدرة على البقاء والتكيف مع المتغيرات العملياتية.

ومع استمرار تركيا في تطوير قدراتها الدفاعية محلياً، يمثل «أتماكا» أحد المكونات البارزة في توجهها نحو بناء قدرات مستقلة للضربات البحرية الدقيقة. كما يعكس الجمع بين أنظمة التوجيه المتقدمة، والتشغيل المستقل، والاتصال عبر وصلة البيانات، والتخطيط ثلاثي الأبعاد، والإطلاق من منصات سطحية وتحت الماء، المتطلبات المتطورة للحرب البحرية الحديثة.

المواصفات الفنية

الطول: 4.3–5.2 متر.

الوزن: أقل من 750 كيلوغراماً.

المدى: 250 كيلومتراً.

نظام التوجيه: منظومة الملاحة بالقصور الذاتي (INS)، ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، ومقياس ارتفاع بارومتري، ومقياس ارتفاع راداري.

الباحث: راداري نشط (Active RF).

الرأس الحربي: شديد الانفجار والتشظية بوزن 220 كيلوغراماً.

أبرز القدرات

التشغيل المستقل.

المدى البعيد.

بصمة رادارية منخفضة.

دقة عالية.

العمل في مختلف الظروف الجوية.

مقاومة التدابير المضادة.

تحديث معلومات الهدف عبر وصلة البيانات.

إعادة الهجوم وإلغاء المهمة.

التخطيط ثلاثي الأبعاد للمهام.

تنفيذ هجمات وفق توقيت محدد (ToT).

تنفيذ هجمات وفق توقيت محدد مسبقاً (DToT).

تنفيذ ضربات متزامنة (SToT).

الإطلاق المتتابع أو في رشقات متزامنة (Ripple/Salvo).

الاشتباك مع الأهداف البحرية والبرية من المنصات السطحية وتحت الماء.

Instagram
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض