في الحروب الحديثة، تواجه قوات الواجب فجوة متنامية في القدرة على تنفيذ عمليات فتح الثغرات والممرات الآمنة من قبل مهندسي الميدان، ضمن بيئات قتال تتسم بكثافة العوائق، ومشبعة بالمراقبة الجوية، وخاضعة لتهديد دائم من النيران الدقيقة والموجهة والطائرات المسيّرة. يعكس هذا الواقع نمطاً متكرراً في ديناميكيات الصراع، إذ يعمل الخصم على إعاقة حرية حركة القوات الصديقة لإجهاض خطط المناورة وحرمانها من بلوغ غاياتها العملياتية، وذلك عبر إنشاء منظومات متكاملة من الموانع والعوائق التي تقيد الحركة وتستنزف الجهد. وفي المقابل، يُناط بالمهندسين دور حاسم يتمثل في إدامة قابلية الحركة للقوات، عبر التغلب على هذه الموانع وفتح الممرات التي تتيح استمرار الزخم العملياتي.

وقد أكدت الدروس المستفادة من الحروب الأخيرة (مثل العمليات في أفغانستان والعراق واليمن) والحالية (كالحرب في أوكرانيا) حتمية هذه المعادلة، حيث برزت الموانع بوصفها أداة مركزية لتعطيل العمليات، في حين أصبح نجاح المناورة مرهوناً بسرعة وفعالية عمليات فتح الثغرات. وفي هذا السياق، يظل عامل الوقت والحفاظ على زخم العمليات عنصرين حاسمين في ترجمة التفوق إلى مكاسب ميدانية، إذ إن أي تأخير في فتح الممرات يتيح للخصم إعادة التموضع وتعزيز دفاعاته. وعليه، لم تعد المقاربة التقليدية كافية، بل بات من الضروري الاستفادة من التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، لتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية، وتحويل عمليات فتح الثغرات من جهد بطيء ومكشوف إلى قدرة سريعة، مرنة، وقابلة للتوسع ضمن منظومة قتال متكاملة.
وصف الفجوة
تتجسد الفجوة في قدرات الاقتحام عندما تعتمد القوات على وسائل اعتيادية ثقيلة ومحدودة العدد، مثل كاسحات الألغام، دبابات المهندسين والمعدات الهندسية الدقيقة والنواسف بمختلف أنواعها، إلى جانب الحل الأخير دائماً المتمثل بفرق المهندسين الراجلة. ورغم أن هذه الوسائل لا تزال تحتفظ بقيمتها التعبوية الميدانية، فإنها صُممت لبيئات وعمليات موجهة ضد خصم تقليدي وقوات معادية نظامية. أما في السياق المعقد الحالي والتهديدات الهجينة المركبة (وهي نمط من التهديدات المتنامي الذي يجمع بين الوسائل التقليدية وغير التقليدية، ويمزج بين القدرات العسكرية النظامية، الطائرات المسيّرة، النيران الدقيقة، الحرب الإلكترونية، ووسائل غير تقليدية ضمن منظومة متكاملة)، فإن المانع الاصطناعي لن يكون عائقاً ساكناً، بل أصبح جزءاً من منظومة استهداف نشطة تعمل في بشكل متزامن على الاكتشاف والتحديد والاشتباك. وتشير المؤشرات العملياتية والدروس المستفادة من الحروب الحديثة إلى أن هذا النمط من التهديدات سيكون ملازماً للعمليات المستقبلية بوصفه الإطار السائد للصراع. وضمن هذا الواقع، فإن أي منصة هندسية كبيرة تتحرك نحو مانع مثل حقل ألغام أو خط دفاعي تتحول فوراً إلى هدف عالي القيمة، يُكشف موقعُه بسرعة، ويُستهدف بتنسيق ناري متعدد الوسائط، ما يجعل عملية فتح الثغرات نفسها نقطة اختناق حرجة في خطة الهجوم.
دروس من الحروب الحديثة
لدى متابعة تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، يتضح جلياً وجود وتكرار هذه الفجوة التي تعيق نجاح خطط مناورة القوات، وأظهرت خطوط الدفاع المتعددة – التي تجمع بين المواقع الدفاعية المحمية بحقول ألغام وتركيبة من الموانع المضادة للمركبات والمدرعات – أن التفوق في المنصات القتالية لوحدات المناورة المهاجمة لا يفضي بالضرورة إلى مكاسب ميدانية ملموسة، ما لم تُنفَّذ عمليات فتح الثغرات بسرعة وكفاءة تواكب متطلبات زخم العمليات. تجسد ذلك بوضوح في الهجوم الأوكراني خلال صيف 2023 على محاور زاباروجيا (قرية في جنوب أوكرانيا على محور رئيس يربط بين الخطوط الأمامية الأوكرانية وعمق الدفاع الروسي)، ولا سيما في محيط مدينة روبوتينه، حيث واجهت القوات الأوكرانية خطوط دفاع روسية متعددة الطبقات مدعومة بكثافة غير مسبوقة من حقول الألغام والعوائق الهندسية. ورغم امتلاكها دبابات متقدمة وآليات قتال حديثة، إلا أن بطء عمليات كشف الألغام وفتح الثغرات، إلى جانب الاستهداف المستمر بالطائرات المسيّرة والنيران الدقيقة، أدى إلى إبطاء التقدم بشكل كبير وتكبّد خسائر في المراحل الأولى من الهجوم، ما اضطر القوات إلى تعديل تكتيكاتها والانتقال إلى تقدم تدريجي يعتمد على المشاة وعمليات فتح ثغرات محدودة.
إضافةً إلى ما سبق، لا يقتصر تفسير هذه الظاهرة على البعد الميداني فحسب، بل يمتد إلى طبيعة تصميم وتجهيز القوات المقابلة. فقد أظهرت تحليلات متخصصة أن بنية الجيش الروسي قبل الحرب لم تُصمَّم لعمليات مناورة هجومية واسعة ضد خصم متكافئ، بل اعتمدت على تشكيلات تكتيكية أخف ذات قدرات دعم محدودة، لا سيما في مجالي اللوجستيات وهندسة الميدان. واستجابةً لذلك، مالت عقائد وأساليب القتال عملياً إلى تعويض هذا القصور عبر توظيف مكثف للموانع، وفي مقدمتها حقول الألغام، ضمن منظومة دفاعية متعددة الطبقات ترتكز على الإعاقة والاستنزاف بدلاً من المناورة. وقد انعكس هذا التوجه بوضوح في أوكرانيا، حيث تحولت الموانع من عنصر دفاعي تقليدي إلى أداة مركزية لفرض إيقاع العمليات، وإبطاء الخصم، واستنزاف قدراته عند نقاط الاختراق. في هذا السياق، تصبح المشكلة مركبة، فمن جهة التأخر في اكتشاف العوائق، ومن جهة أخرى صعوبة ومحدودية القدرة على تنفيذ عدة ثغرات متزامنة، إضافة إلى ارتفاع مخاطر الخسائر البشرية والمادية عند الاقتراب من خطوط التماس.
يتبين من الدراسة والتحليل أن الفجوة لا تقتصر على الجانب التعبوي الميداني، بل تمتد لتصبح فجوة بنيوية في نموذج القدرة ذاته، وتحديداً في القدرة على إدامة قابلية حركة القوات الصديقة. فأغلب الجيوش النظامية لا تزال تعتمد على مفهوم «منصات الاقتحام الثقيلة» كوسيلة رئيسة لفتح الثغرات في الموانع، في حين أن بيئة القتال الحديثة – كما برز بوضوح في حرب ناغورنو كاراباخ الثانية – تتسم بانتشار واسع للمستشعرات وقدرة عالية على الاستهداف الدقيق منخفض التكلفة، ما يجعل هذه المنصات الكبيرة عرضة للكشف والاستهداف المبكر قبل تحقيق أثرها العملياتي. ويفرض هذا التحول إعادة التفكير في تصميم قدرات المهندسين، بحيث لا تبقى مرتبطة بعدد محدود من الأنظمة الثقيلة، بل تتحول إلى منظومة موزعة، مرنة، وقابلة للتوسع، قادرة على العمل في بيئة عالية التهديد.

تبني نموذج ذكي متعدد القدرات
في هذا الإطار، قدّمت دراسة نشرت مؤخراً في دورية Parameters الصادرة عن كلية الحرب للجيش الأمريكي، تصوراً لمعالجة هذه الفجوة. ينطلق الطرح من فكرة دمج الذكاء الاصطناعي مع المسيرات الطائرة والروبوتات الأرضية لإنشاء ما يُمكن اعتباره «منظومة ذكية لفتح الثغرات»، وهي منظومة متعددة الوسائل وقادرة على اكتشاف الموانع وتحليلها وتنفيذ فتح الثغرات عن بُعد، ضمن نموذج شبكي متكامل، مع بقاء الإنسان في دائرة الإشراف والتحكم.
يمثل هذا المقترح تحولاً مفاهيمياً من النموذج التقليدي المتمركز حول منصة الاقتحام، كما تقدم شرحه، إلى النموذج المتعدد القدرات الذكي. فبدلاً من الاعتماد على وسيلة محدودة لإنشاء ممر أو فتح ثغرة واحدة، يمكن لسرب من الأنظمة الصغيرة، الجوية والأرضية، أن يحدد مواقع الألغام والموانع بدقة، ويقترح مسارات متعددة، ثم ينفذ، حال صدور القرار، عملية الفتح بشكل متزامن أو متتابع، ما يزيد من سرعة العملية ويقلل من قابلية استهدافها. كما يتيح هذا النموذج تنفيذ عمليات خداع وتمويه، وفتح ممرات بديلة، وإرباك منظومات الدفاع المعادية.
من منظور تطوير القدرات، يفتح هذا التحول عدة مسارات استراتيجية. أولها إعادة تعريف بنية قدرات المهندسين، بحيث تتحول من الاعتماد على المنصات الثقيلة إلى مزيج متكامل من الأنظمة المأهولة وغير المأهولة. ثانيها تحقيق قابلية توسع عالية من خلال إنتاج أنظمة صغيرة منخفضة التكلفة يمكن استخدامها بأعداد كبيرة، ما يعالج مشكلة الكتلة التي أصبحت حاسمة في الحروب الحديثة. ثالثها تسريع دورة القرار العملياتي عبر دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات الاستطلاع، ما يقلص الزمن بين الاكتشاف والتنفيذ. رابعها تقليل المخاطر البشرية من خلال إبعاد الجنود عن أخطر نقطة في ساحة المعركة.
وبطبيعة الحال، يتطلب هذا المسار معالجة تحديات مرافقة، أبرزها جودة بيانات التدريب للأنظمة الذكية (مدى دقة واكتمال ومحاكاة البيانات المستخدمة في تدريب الأنظمة الذكية للواقع العملياتي الفعلي، بما يضمن قدرتها على التعلم الصحيح واتخاذ قرارات موثوقة)، وضمان موثوقيتها في بيئة قتال معقدة وغير متوقعة، إضافة إلى الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بدرجة استقلالية القرار. كما يستلزم تعديلاً عقائدياً وتنظيمياً يشمل مفاهيم الاستخدام، برامج التدريب، وبنية الدعم اللوجستي. لا يمثل الانتقال نحو نموذج ذكي متعدد القدرات خياراً تقنياً فحسب، بل ضرورة عملياتية لاستعادة التوازن بين القدرة الهجومية ومنظومات الدفاع المعقدة. في هذا السياق، فإن الاستثمار في قدرات فتح الثغرات القائمة على الذكاء الاصطناعي قد يشكل أحد المفاتيح الحاسمة لتمكين المناورة في الحروب واسعة النطاق مستقبلاً.

خاتمة
ختاماً، يتضح أن التحدي لم يعد في وجود الموانع بحد ذاتها، بل في قدرة الجيوش على التعامل معها، ضمن بيئة عملياتية تتسم بالتعقيد، والتكامل بين الاستشعار والنيران، وتسارع وتيرة القرار. فالموانع ستظل أداة ثابتة في يد الخصم لتعطيل الحركة وفرض الإيقاع، لكن ما تغير هو قدرتها على الاندماج ضمن منظومات استهداف نشطة تجعل من أي محاولة لفتح الثغرات عملية عالية المخاطر والكلفة. وعليه، فإن الحفاظ على قابلية الحركة لم يعد مجرد مهمة هندسية، بل أصبح قضية عملياتية ترتبط مباشرة بنجاح أو فشل المناورة.
إن الدروس المستخلصة من الحروب الحديثة، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا، تؤكد أن التفوق في المنصات القتالية لا يكفي ما لم يُترجم إلى قدرة فعالة على فتح الممرات واستعادة حرية الحركة في الوقت المناسب. ومن هنا، يبرز التحول نحو نماذج ذكية وموزّعة لفتح الثغرات بوصفه ضرورة حتمية، وليس خياراً تقنياً. فدمج الذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، والاستطلاع المستمر، يتيح الانتقال من «الاقتحام الثقيل» إلى الاقتحام المتصف بالسرعة، وتعدد القدرات، وتقليل التعرض.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا التحول لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب إعادة بناء شاملة لنموذج القدرة، تشمل العقيدة، والتنظيم، والتدريب، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية. فالمعركة على الممرات لم تعد مجرد إجراء تكتيكي، بل أصبحت صراعاً على الزمن والزخم، وعلى القدرة على فرض الإيقاع العملياتي.
وبذلك، فإن الجيوش التي ستتمكن من إعادة تعريف قدرات فتح الثغرات ضمن إطار ذكي ومتكامل، ستكون الأقدر على الحفاظ على حرية المناورة وتحقيق التفوق في الحروب المستقبلية، في حين أن التمسك بالنماذج التقليدية سيجعل من الموانع نقطة تفوق للخصم بدلاً من أن تكون تحدياً يمكن تجاوزه.
اللواء م/ خالد السميطي










