تحديات إدامة قابلية الحركة copy

تحديات إدامة قابلية الحركة نحو نموذج ذكي لإنجاح المناورة في بيئات القتال المعقدة

في‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬تواجه‭ ‬قوات‭ ‬الواجب‭ ‬فجوة‭ ‬متنامية‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬والممرات‭ ‬الآمنة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مهندسي‭ ‬الميدان،‭ ‬ضمن‭ ‬بيئات‭ ‬قتال‭ ‬تتسم‭ ‬بكثافة‭ ‬العوائق،‭ ‬ومشبعة‭ ‬بالمراقبة‭ ‬الجوية،‭ ‬وخاضعة‭ ‬لتهديد‭ ‬دائم‭ ‬من‭ ‬النيران‭ ‬الدقيقة‭ ‬والموجهة‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭. ‬يعكس‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬نمطاً‭ ‬متكرراً‭ ‬في‭ ‬ديناميكيات‭ ‬الصراع،‭ ‬إذ‭ ‬يعمل‭ ‬الخصم‭ ‬على‭ ‬إعاقة‭ ‬حرية‭ ‬حركة‭ ‬القوات‭ ‬الصديقة‭ ‬لإجهاض‭ ‬خطط‭ ‬المناورة‭ ‬وحرمانها‭ ‬من‭ ‬بلوغ‭ ‬غاياتها‭ ‬العملياتية،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬إنشاء‭ ‬منظومات‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الموانع‭ ‬والعوائق‭ ‬التي‭ ‬تقيد‭ ‬الحركة‭ ‬وتستنزف‭ ‬الجهد‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يُناط‭ ‬بالمهندسين‭ ‬دور‭ ‬حاسم‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬إدامة‭ ‬قابلية‭ ‬الحركة‭ ‬للقوات،‭ ‬عبر‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الموانع‭ ‬وفتح‭ ‬الممرات‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬استمرار‭ ‬الزخم‭ ‬العملياتي‭.‬

وقد‭ ‬أكدت‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة‭ (‬مثل‭ ‬العمليات‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن‭) ‬والحالية‭ (‬كالحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭) ‬حتمية‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬حيث‭ ‬برزت‭ ‬الموانع‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬مركزية‭ ‬لتعطيل‭ ‬العمليات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أصبح‭ ‬نجاح‭ ‬المناورة‭ ‬مرهوناً‭ ‬بسرعة‭ ‬وفعالية‭ ‬عمليات‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يظل‭ ‬عامل‭ ‬الوقت‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬زخم‭ ‬العمليات‭ ‬عنصرين‭ ‬حاسمين‭ ‬في‭ ‬ترجمة‭ ‬التفوق‭ ‬إلى‭ ‬مكاسب‭ ‬ميدانية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬الممرات‭ ‬يتيح‭ ‬للخصم‭ ‬إعادة‭ ‬التموضع‭ ‬وتعزيز‭ ‬دفاعاته‭. ‬وعليه،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المقاربة‭ ‬التقليدية‭ ‬كافية،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستخدام‭ ‬الأمثل‭ ‬للموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية،‭ ‬وتحويل‭ ‬عمليات‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬بطيء‭ ‬ومكشوف‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬سريعة،‭ ‬مرنة،‭ ‬وقابلة‭ ‬للتوسع‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬قتال‭ ‬متكاملة‭.‬

وصف‭ ‬الفجوة

تتجسد‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬قدرات‭ ‬الاقتحام‭ ‬عندما‭ ‬تعتمد‭ ‬القوات‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬اعتيادية‭ ‬ثقيلة‭ ‬ومحدودة‭ ‬العدد،‭ ‬مثل‭ ‬كاسحات‭ ‬الألغام،‭ ‬دبابات‭ ‬المهندسين‭ ‬والمعدات‭ ‬الهندسية‭ ‬الدقيقة‭ ‬والنواسف‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحل‭ ‬الأخير‭ ‬دائماً‭ ‬المتمثل‭ ‬بفرق‭ ‬المهندسين‭ ‬الراجلة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتفظ‭ ‬بقيمتها‭ ‬التعبوية‭ ‬الميدانية،‭ ‬فإنها‭ ‬صُممت‭ ‬لبيئات‭ ‬وعمليات‭ ‬موجهة‭ ‬ضد‭ ‬خصم‭ ‬تقليدي‭ ‬وقوات‭ ‬معادية‭ ‬نظامية‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬المعقد‭ ‬الحالي‭ ‬والتهديدات‭ ‬الهجينة‭ ‬المركبة‭ (‬وهي‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬المتنامي‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الوسائل‭ ‬التقليدية‭ ‬وغير‭ ‬التقليدية،‭ ‬ويمزج‭ ‬بين‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬النظامية،‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬النيران‭ ‬الدقيقة،‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬ووسائل‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬المانع‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬عائقاً‭ ‬ساكناً،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬استهداف‭ ‬نشطة‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬بشكل‭ ‬متزامن‭ ‬على‭ ‬الاكتشاف‭ ‬والتحديد‭ ‬والاشتباك‭. ‬وتشير‭ ‬المؤشرات‭ ‬العملياتية‭ ‬والدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬سيكون‭ ‬ملازماً‭ ‬للعمليات‭ ‬المستقبلية‭ ‬بوصفه‭ ‬الإطار‭ ‬السائد‭ ‬للصراع‭. ‬وضمن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬منصة‭ ‬هندسية‭ ‬كبيرة‭ ‬تتحرك‭ ‬نحو‭ ‬مانع‭ ‬مثل‭ ‬حقل‭ ‬ألغام‭ ‬أو‭ ‬خط‭ ‬دفاعي‭ ‬تتحول‭ ‬فوراً‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬عالي‭ ‬القيمة،‭ ‬يُكشف‭ ‬موقعُه‭ ‬بسرعة،‭ ‬ويُستهدف‭ ‬بتنسيق‭ ‬ناري‭ ‬متعدد‭ ‬الوسائط،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬عملية‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬نفسها‭ ‬نقطة‭ ‬اختناق‭ ‬حرجة‭ ‬في‭ ‬خطة‭ ‬الهجوم‭. ‬

دروس‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة

لدى‭ ‬متابعة‭ ‬تطورات‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬يتضح‭ ‬جلياً‭ ‬وجود‭ ‬وتكرار‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬نجاح‭ ‬خطط‭ ‬مناورة‭ ‬القوات،‭ ‬وأظهرت‭ ‬خطوط‭ ‬الدفاع‭ ‬المتعددة‭ – ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬المواقع‭ ‬الدفاعية‭ ‬المحمية‭ ‬بحقول‭ ‬ألغام‭ ‬وتركيبة‭ ‬من‭ ‬الموانع‭ ‬المضادة‭ ‬للمركبات‭ ‬والمدرعات‭ – ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬القتالية‭ ‬لوحدات‭ ‬المناورة‭ ‬المهاجمة‭ ‬لا‭ ‬يفضي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬مكاسب‭ ‬ميدانية‭ ‬ملموسة،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُنفَّذ‭ ‬عمليات‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬بسرعة‭ ‬وكفاءة‭ ‬تواكب‭ ‬متطلبات‭ ‬زخم‭ ‬العمليات‭. ‬تجسد‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭ ‬الأوكراني‭ ‬خلال‭ ‬صيف‭ ‬2023‭ ‬على‭ ‬محاور‭ ‬زاباروجيا‭ (‬قرية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬على‭ ‬محور‭ ‬رئيس‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬وعمق‭ ‬الدفاع‭ ‬الروسي‭)‬،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬مدينة‭ ‬روبوتينه،‭ ‬حيث‭ ‬واجهت‭ ‬القوات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬خطوط‭ ‬دفاع‭ ‬روسية‭ ‬متعددة‭ ‬الطبقات‭ ‬مدعومة‭ ‬بكثافة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬حقول‭ ‬الألغام‭ ‬والعوائق‭ ‬الهندسية‭. ‬ورغم‭ ‬امتلاكها‭ ‬دبابات‭ ‬متقدمة‭ ‬وآليات‭ ‬قتال‭ ‬حديثة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بطء‭ ‬عمليات‭ ‬كشف‭ ‬الألغام‭ ‬وفتح‭ ‬الثغرات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاستهداف‭ ‬المستمر‭ ‬بالطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والنيران‭ ‬الدقيقة،‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إبطاء‭ ‬التقدم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬وتكبّد‭ ‬خسائر‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الهجوم،‭ ‬ما‭ ‬اضطر‭ ‬القوات‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬تكتيكاتها‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬تقدم‭ ‬تدريجي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬المشاة‭ ‬وعمليات‭ ‬فتح‭ ‬ثغرات‭ ‬محدودة‭. ‬

إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬تفسير‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬الميداني‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬تصميم‭ ‬وتجهيز‭ ‬القوات‭ ‬المقابلة‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تحليلات‭ ‬متخصصة‭ ‬أن‭ ‬بنية‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تُصمَّم‭ ‬لعمليات‭ ‬مناورة‭ ‬هجومية‭ ‬واسعة‭ ‬ضد‭ ‬خصم‭ ‬متكافئ،‭ ‬بل‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬تشكيلات‭ ‬تكتيكية‭ ‬أخف‭ ‬ذات‭ ‬قدرات‭ ‬دعم‭ ‬محدودة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مجالي‭ ‬اللوجستيات‭ ‬وهندسة‭ ‬الميدان‭. ‬واستجابةً‭ ‬لذلك،‭ ‬مالت‭ ‬عقائد‭ ‬وأساليب‭ ‬القتال‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬تعويض‭ ‬هذا‭ ‬القصور‭ ‬عبر‭ ‬توظيف‭ ‬مكثف‭ ‬للموانع،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬حقول‭ ‬الألغام،‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬دفاعية‭ ‬متعددة‭ ‬الطبقات‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الإعاقة‭ ‬والاستنزاف‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المناورة‭. ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬الموانع‭ ‬من‭ ‬عنصر‭ ‬دفاعي‭ ‬تقليدي‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬مركزية‭ ‬لفرض‭ ‬إيقاع‭ ‬العمليات،‭ ‬وإبطاء‭ ‬الخصم،‭ ‬واستنزاف‭ ‬قدراته‭ ‬عند‭ ‬نقاط‭ ‬الاختراق‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تصبح‭ ‬المشكلة‭ ‬مركبة،‭ ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬التأخر‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬العوائق،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬صعوبة‭ ‬ومحدودية‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬عدة‭ ‬ثغرات‭ ‬متزامنة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬مخاطر‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬عند‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬التماس‭.‬

يتبين‭ ‬من‭ ‬الدراسة‭ ‬والتحليل‭ ‬أن‭ ‬الفجوة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬التعبوي‭ ‬الميداني،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتصبح‭ ‬فجوة‭ ‬بنيوية‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬القدرة‭ ‬ذاته،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدامة‭ ‬قابلية‭ ‬حركة‭ ‬القوات‭ ‬الصديقة‭. ‬فأغلب‭ ‬الجيوش‭ ‬النظامية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬منصات‭ ‬الاقتحام‭ ‬الثقيلة‮»‬‭ ‬كوسيلة‭ ‬رئيسة‭ ‬لفتح‭ ‬الثغرات‭ ‬في‭ ‬الموانع،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬بيئة‭ ‬القتال‭ ‬الحديثة‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬برز‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬ناغورنو‭ ‬كاراباخ‭ ‬الثانية‭ ‬–‭ ‬تتسم‭ ‬بانتشار‭ ‬واسع‭ ‬للمستشعرات‭ ‬وقدرة‭ ‬عالية‭ ‬على‭ ‬الاستهداف‭ ‬الدقيق‭ ‬منخفض‭ ‬التكلفة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬الكبيرة‭ ‬عرضة‭ ‬للكشف‭ ‬والاستهداف‭ ‬المبكر‭ ‬قبل‭ ‬تحقيق‭ ‬أثرها‭ ‬العملياتي‭. ‬ويفرض‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬قدرات‭ ‬المهندسين،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬الثقيلة،‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬موزعة،‭ ‬مرنة،‭ ‬وقابلة‭ ‬للتوسع،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬عالية‭ ‬التهديد‭.‬

تبني‭ ‬نموذج‭ ‬ذكي‭ ‬متعدد‭ ‬القدرات

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬قدّمت‭ ‬دراسة‭ ‬نشرت‭ ‬مؤخراً‭ ‬في‭ ‬دورية‭ ‬Parameters‭  ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬كلية‭ ‬الحرب‭ ‬للجيش‭ ‬الأمريكي،‭ ‬تصوراً‭ ‬لمعالجة‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭. ‬ينطلق‭ ‬الطرح‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬دمج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مع‭ ‬المسيرات‭ ‬الطائرة‭ ‬والروبوتات‭ ‬الأرضية‭ ‬لإنشاء‭ ‬ما‭ ‬يُمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬‮«‬منظومة‭ ‬ذكية‭ ‬لفتح‭ ‬الثغرات‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬منظومة‭ ‬متعددة‭ ‬الوسائل‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬الموانع‭ ‬وتحليلها‭ ‬وتنفيذ‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬عن‭ ‬بُعد،‭ ‬ضمن‭ ‬نموذج‭ ‬شبكي‭ ‬متكامل،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الإشراف‭ ‬والتحكم‭.‬

يمثل‭ ‬هذا‭ ‬المقترح‭ ‬تحولاً‭ ‬مفاهيمياً‭ ‬من‭ ‬النموذج‭ ‬التقليدي‭ ‬المتمركز‭ ‬حول‭ ‬منصة‭ ‬الاقتحام،‭ ‬كما‭ ‬تقدم‭ ‬شرحه،‭ ‬إلى‭ ‬النموذج‭ ‬المتعدد‭ ‬القدرات‭ ‬الذكي‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬وسيلة‭ ‬محدودة‭ ‬لإنشاء‭ ‬ممر‭ ‬أو‭ ‬فتح‭ ‬ثغرة‭ ‬واحدة،‭ ‬يمكن‭ ‬لسرب‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصغيرة،‭ ‬الجوية‭ ‬والأرضية،‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬مواقع‭ ‬الألغام‭ ‬والموانع‭ ‬بدقة،‭ ‬ويقترح‭ ‬مسارات‭ ‬متعددة،‭ ‬ثم‭ ‬ينفذ،‭ ‬حال‭ ‬صدور‭ ‬القرار،‭ ‬عملية‭ ‬الفتح‭ ‬بشكل‭ ‬متزامن‭ ‬أو‭ ‬متتابع،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬العملية‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬قابلية‭ ‬استهدافها‭. ‬كما‭ ‬يتيح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬خداع‭ ‬وتمويه،‭ ‬وفتح‭ ‬ممرات‭ ‬بديلة،‭ ‬وإرباك‭ ‬منظومات‭ ‬الدفاع‭ ‬المعادية‭.‬

من‭ ‬منظور‭ ‬تطوير‭ ‬القدرات،‭ ‬يفتح‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬عدة‭ ‬مسارات‭ ‬استراتيجية‭. ‬أولها‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬بنية‭ ‬قدرات‭ ‬المهندسين،‭ ‬بحيث‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المنصات‭ ‬الثقيلة‭ ‬إلى‭ ‬مزيج‭ ‬متكامل‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬المأهولة‭ ‬وغير‭ ‬المأهولة‭. ‬ثانيها‭ ‬تحقيق‭ ‬قابلية‭ ‬توسع‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنتاج‭ ‬أنظمة‭ ‬صغيرة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬يمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬بأعداد‭ ‬كبيرة،‭ ‬ما‭ ‬يعالج‭ ‬مشكلة‭ ‬الكتلة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭. ‬ثالثها‭ ‬تسريع‭ ‬دورة‭ ‬القرار‭ ‬العملياتي‭ ‬عبر‭ ‬دمج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬بيانات‭ ‬الاستطلاع،‭ ‬ما‭ ‬يقلص‭ ‬الزمن‭ ‬بين‭ ‬الاكتشاف‭ ‬والتنفيذ‭. ‬رابعها‭ ‬تقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إبعاد‭ ‬الجنود‭ ‬عن‭ ‬أخطر‭ ‬نقطة‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭.‬

وبطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬يتطلب‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬معالجة‭ ‬تحديات‭ ‬مرافقة،‭ ‬أبرزها‭ ‬جودة‭ ‬بيانات‭ ‬التدريب‭ ‬للأنظمة‭ ‬الذكية‭ (‬مدى‭ ‬دقة‭ ‬واكتمال‭ ‬ومحاكاة‭ ‬البيانات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬تدريب‭ ‬الأنظمة‭ ‬الذكية‭ ‬للواقع‭ ‬العملياتي‭ ‬الفعلي،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬الصحيح‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬موثوقة‭)‬،‭ ‬وضمان‭ ‬موثوقيتها‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬قتال‭ ‬معقدة‭ ‬وغير‭ ‬متوقعة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الأخلاقية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بدرجة‭ ‬استقلالية‭ ‬القرار‭. ‬كما‭ ‬يستلزم‭ ‬تعديلاً‭ ‬عقائدياً‭ ‬وتنظيمياً‭ ‬يشمل‭ ‬مفاهيم‭ ‬الاستخدام،‭ ‬برامج‭ ‬التدريب،‭ ‬وبنية‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي‭. ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬الانتقال‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬ذكي‭ ‬متعدد‭ ‬القدرات‭ ‬خياراً‭ ‬تقنياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬عملياتية‭ ‬لاستعادة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬القدرة‭ ‬الهجومية‭ ‬ومنظومات‭ ‬الدفاع‭ ‬المعقدة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬فإن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬قدرات‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قد‭ ‬يشكل‭ ‬أحد‭ ‬المفاتيح‭ ‬الحاسمة‭ ‬لتمكين‭ ‬المناورة‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬مستقبلاً‭.‬

خاتمة

ختاماً،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬الموانع‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الجيوش‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬معها،‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬عملياتية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتعقيد،‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬الاستشعار‭ ‬والنيران،‭ ‬وتسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬القرار‭. ‬فالموانع‭ ‬ستظل‭ ‬أداة‭ ‬ثابتة‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الخصم‭ ‬لتعطيل‭ ‬الحركة‭ ‬وفرض‭ ‬الإيقاع،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬تغير‭ ‬هو‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬ضمن‭ ‬منظومات‭ ‬استهداف‭ ‬نشطة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لفتح‭ ‬الثغرات‭ ‬عملية‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر‭ ‬والكلفة‭. ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قابلية‭ ‬الحركة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬مهمة‭ ‬هندسية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬قضية‭ ‬عملياتية‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بنجاح‭ ‬أو‭ ‬فشل‭ ‬المناورة‭.‬

إن‭ ‬الدروس‭ ‬المستخلصة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬القتالية‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُترجم‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬فعالة‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬الممرات‭ ‬واستعادة‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يبرز‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬نماذج‭ ‬ذكية‭ ‬وموزّعة‭ ‬لفتح‭ ‬الثغرات‭ ‬بوصفه‭ ‬ضرورة‭ ‬حتمية،‭ ‬وليس‭ ‬خياراً‭ ‬تقنياً‭. ‬فدمج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والأنظمة‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬والاستطلاع‭ ‬المستمر،‭ ‬يتيح‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬‮«‬الاقتحام‭ ‬الثقيل‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الاقتحام‭ ‬المتصف‭ ‬بالسرعة،‭ ‬وتعدد‭ ‬القدرات،‭ ‬وتقليل‭ ‬التعرض‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬شاملة‭ ‬لنموذج‭ ‬القدرة،‭ ‬تشمل‭ ‬العقيدة،‭ ‬والتنظيم،‭ ‬والتدريب،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الاستخدام‭ ‬الأمثل‭ ‬للموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭. ‬فالمعركة‭ ‬على‭ ‬الممرات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬تكتيكي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬صراعاً‭ ‬على‭ ‬الزمن‭ ‬والزخم،‭ ‬وعلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬الإيقاع‭ ‬العملياتي‭.‬

وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الجيوش‭ ‬التي‭ ‬ستتمكن‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬قدرات‭ ‬فتح‭ ‬الثغرات‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬ذكي‭ ‬ومتكامل،‭ ‬ستكون‭ ‬الأقدر‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬المناورة‭ ‬وتحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬المستقبلية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬التمسك‭ ‬بالنماذج‭ ‬التقليدية‭ ‬سيجعل‭ ‬من‭ ‬الموانع‭ ‬نقطة‭ ‬تفوق‭ ‬للخصم‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تحدياً‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭.‬

اللواء‭ ‬م‭/ ‬خالد‭ ‬السميطي‭ ‬

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض