WEB_0010_Layer 2

المرأة‭ ‬الإماراتية‭ ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬صناعة‭ ‬الأجيال‭ ‬قدرة‭ ‬وطنية

لا‭ ‬تُقاس‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬بحجم‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬موارد،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬الإنسان‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬حُسن‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭. ‬فجودة‭ ‬القرار‭ ‬المؤسسي‭ ‬انعكاسٌ‭ ‬لجودة‭ ‬العقول‭ ‬التي‭ ‬تصنعه،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للتنمية‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬مستوى‭ ‬الوعي‭ ‬الذي‭ ‬تشكلت‭ ‬عليه‭ ‬أجيالها‭. ‬لذا،‭ ‬فإن‭ ‬القدرة‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬استثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬سيتولى‭ ‬قيادة‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬وصياغة‭ ‬مستقبلها‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬ميّز‭ ‬النموذج‭ ‬الإماراتي‭ ‬منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬الاتحاد،‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬سياسة‭ ‬تنموية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬فلسفة‭ ‬قائمة‭ ‬عليها‭ ‬الدولة‭ ‬ذاتها‭. ‬فرؤية‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬الشيخ‭ ‬زايد‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ ‬آل‭ ‬نهيان،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬أرست‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬حين‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للوطن،‭ ‬وتواصلت‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬القيادة‭ ‬الرشيدة‭ ‬عبر‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الأسرة،‭ ‬وتمكين‭ ‬المرأة،‭ ‬وتنمية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري،‭ ‬بوصفها‭ ‬ركائز‭ ‬متكاملة‭ ‬لهذه‭ ‬القدرة‭. ‬ويأتي‭ ‬إعلان‭ ‬عام‭ ‬الأسرة،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تأكيدًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬المستقبل‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬يتشكل‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتولى‭ ‬مسؤولية‭ ‬القيادة‭.‬

صناعة‭ ‬الأجيال

صناعة‭ ‬الأجيال‭ ‬ليست‭ ‬وصفًا‭ ‬مجازيًا‭ ‬للدور‭ ‬التربوي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتشكل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬البنية‭ ‬الذهنية‭ ‬والقيمية‭ ‬والمعرفية‭ ‬للإنسان،‭ ‬ومنها‭ ‬تنشأ‭ ‬القدرة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تُقاس‭ ‬بها‭ ‬مكانة‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬قيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬المورد‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرًا‭. ‬فالقدرة‭ ‬الوطنية،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬ليست‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬أو‭ ‬تقنيات،‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬بنائه‭ ‬من‭ ‬إنسان‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬هويته،‭ ‬وقيادة‭ ‬مؤسساته،‭ ‬وتعزيز‭ ‬تنافسيتها،‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬تحولات‭ ‬المستقبل‭.‬

وتبرز،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للمرأة‭ ‬الإماراتية؛‭ ‬لا‭ ‬بوصفها‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬التمكين،‭ ‬ولا‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬باعتبارها‭ ‬الفاعل‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الأجيال،‭ ‬إذ‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬واستدامة‭ ‬مسيرتها‭ ‬التنموية‭. ‬ولا‭ ‬يُقاس‭ ‬الأثر‭ ‬الحقيقي‭ ‬لهذا‭ ‬الدور‭ ‬بعدد‭ ‬المواقع‭ ‬القيادية‭ ‬التي‭ ‬تشغلها‭ ‬المرأة،‭ ‬ولا‭ ‬بحجم‭ ‬إنجازاتها‭ ‬الآنية،‭ ‬وإنما‭ ‬بجودة‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تكوينه،‭ ‬وبالمنظومة‭ ‬القيمية‭ ‬والفكرية‭ ‬التي‭ ‬تغرسها‭ ‬في‭ ‬الأجيال،‭ ‬والتي‭ ‬تنعكس‭ ‬لاحقًا‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ونوعية‭ ‬القرارات،‭ ‬وكفاءة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭. ‬فصناعة‭ ‬الأجيال،‭ ‬تبعًا‭ ‬لذلك،‭ ‬ليست‭ ‬وظيفة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬وإنما‭ ‬عملية‭ ‬استراتيجية‭ ‬تُبنى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬القدرة‭ ‬الوطنية؛‭ ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬تكوينه‭ ‬إنما‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬مستقبلها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬حاضرها‭. ‬وما‭ ‬يُغرس‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬المبكرة‭ ‬لا‭ ‬يظل‭ ‬حبيس‭ ‬الأسرة،‭ ‬بل‭ ‬يرافق‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة،‭ ‬لينعكس‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬القرار،‭ ‬وكفاءة‭ ‬الأداء،‭ ‬وقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية‭.‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬صناعة‭ ‬الأجيال‭ ‬جوهر‭ ‬الدور‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للمرأة‭ ‬الإماراتية،‭ ‬فإن‭ ‬إدراك‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬يستوجب‭ ‬أولًا‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬التربية‭ ‬ذاته‭. ‬فالتربية‭ ‬ليست‭ ‬تلقينًا‭ ‬للمعرفة،‭ ‬ولا‭ ‬مجرد‭ ‬نقل‭ ‬لمنظومة‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬والسلوكيات،‭ ‬وإنما‭ ‬عملية‭ ‬تأسيس‭ ‬متصلة‭ ‬تصوغ‭ ‬البنية‭ ‬الذهنية‭ ‬للإنسان،‭ ‬وترسم‭ ‬طريقته‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والحكم‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬ففي‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬الطفل‭ ‬باكتساب‭ ‬معارفه‭ ‬الأولى،‭ ‬بل‭ ‬تتشكل‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬ذاته،‭ ‬وتتبلور‭ ‬علاقته‭ ‬بمن‭ ‬حوله،‭ ‬وتترسخ‭ ‬معاييره‭ ‬في‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬والواجب،‭ ‬وبين‭ ‬الحرية‭ ‬والمسؤولية،‭ ‬وبين‭ ‬المصلحة‭ ‬الفردية‭ ‬والصالح‭ ‬العام‭. ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬وظيفة‭ ‬التربية‭ ‬على‭ ‬تهيئة‭ ‬الإنسان‭ ‬للحياة،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتحدد‭ ‬كيف‭ ‬سيفهمها،‭ ‬وكيف‭ ‬سيواجه‭ ‬تحدياتها‭ ‬حين‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬أسرة،‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة،‭ ‬أو‭ ‬وطن‭.‬

أساليب‭ ‬التعامل

وتشير‭ ‬الأدبيات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الأعصاب‭ ‬المعرفي‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬التنموي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قدرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الأنماط‭ ‬الإدراكية‭ ‬الموجهة‭ ‬للسلوك‭ ‬الإنساني‭ ‬يترسخ‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالتعلّم‭ ‬الضمني؛‭ ‬أي‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يستقيه‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬بيئته‭ ‬اليومية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتلقاه‭ ‬من‭ ‬تعليم‭ ‬مباشر‭. ‬فأساليب‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاختلاف،‭ ‬والاستجابة‭ ‬للغموض،‭ ‬وتقدير‭ ‬المخاطر،‭ ‬والالتزام‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬لا‭ ‬تنشأ‭ ‬فجأة‭ ‬عند‭ ‬تولي‭ ‬المناصب‭ ‬القيادية،‭ ‬وإنما‭ ‬تنمو‭ ‬تدريجيًا‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يتكوّن‭ ‬فيها‭ ‬الوعي‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬الدور‭ ‬التربوي‭ ‬للمرأة‭ ‬الإماراتية‭ ‬عند‭ ‬إعداد‭ ‬الأبناء،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬مهمة‭ ‬وطنية‭ ‬أرحب،‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬الذي‭ ‬سيقود‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬ويشارك‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬قراراتها،‭ ‬ويرسم‭ ‬ملامح‭ ‬مستقبلها‭. ‬فكل‭ ‬جيل‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬راسخة‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬والقيم‭ ‬والانتماء،‭ ‬يمنح‭ ‬الدولة‭ ‬رصيدًا‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬يتعاظم‭ ‬أثره‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭.‬

ولم‭ ‬تعد‭ ‬القيمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لتمكين‭ ‬المرأة‭ ‬تُقاس،‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬ذلك،‭ ‬باتساع‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬تمثيلها‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬القيادة،‭ ‬وإنما‭ ‬بأثرها‭ ‬في‭ ‬الحلقة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬بناء‭ ‬الدولة،‭ ‬وهي‭ ‬تكوين‭ ‬الإنسان‭. ‬فالقيادات‭ ‬لا‭ ‬تُصنع‭ ‬عند‭ ‬تولي‭ ‬المناصب،‭ ‬ولا‭ ‬تبدأ‭ ‬الكفاءات‭ ‬من‭ ‬الجامعات،‭ ‬ولا‭ ‬تتشكل‭ ‬المقومات‭ ‬الوطنية‭ ‬داخل‭ ‬أروقة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بل‭ ‬تنشأ‭ ‬جميعها‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬يتكوّن‭ ‬فيها‭ ‬وعي‭ ‬الإنسان،‭ ‬وترسخ‭ ‬فيها‭ ‬منظومة‭ ‬قيمه،‭ ‬وتتحدد‭ ‬علاقته‭ ‬بالمعرفة‭ ‬والعمل‭ ‬والمسؤولية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬يتجاوز‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬المرأة‭ ‬كونه‭ ‬استثمارًا‭ ‬في‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع،‭ ‬ليغدو‭ ‬استثمارًا‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬تُنتج‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري،‭ ‬وترفع‭ ‬جودة‭ ‬القرار،‭ ‬وتُعزز‭ ‬استدامة‭ ‬التنمية‭.‬

التجربة‭ ‬الإماراتية

تكمن‭ ‬خصوصية‭ ‬التجربة‭ ‬الإماراتية‭ ‬في‭ ‬نظرتها‭ ‬إلى‭ ‬الأسرة،‭ ‬وتمكين‭ ‬المرأة،‭ ‬وتنمية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري،‭ ‬لا‭ ‬كسياسات‭ ‬متفرقة،‭ ‬وإنما‭ ‬كمنظومة‭ ‬استراتيجية‭ ‬واحدة‭ ‬تتكامل‭ ‬فيها‭ ‬الأدوار‭ ‬لغاية‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬بناء‭ ‬القدرة‭ ‬الوطنية‭. ‬تتكامل‭ ‬آثارها‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬جودة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وترسيخ‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭. ‬فتمكين‭ ‬المرأة،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬وسيلة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لبناء‭ ‬إنسان‭ ‬أقدر،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬أكفأ،‭ ‬ووطن‭ ‬أكثر‭ ‬استعدادًا‭ ‬للمستقبل،‭ ‬لا‭ ‬غاية‭ ‬تُطلب‭ ‬لذاتها‭.‬

ولهذا‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬جودة‭ ‬المؤسسات‭ ‬داخل‭ ‬مقارها،‭ ‬وإنما‭ ‬تتشكل‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بسنوات،‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬ينشأ‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭. ‬فمهما‭ ‬بلغت‭ ‬أنظمة‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬كفاءة،‭ ‬أو‭ ‬تطورت‭ ‬تقنياتها،‭ ‬تبقى‭ ‬محكومة‭ ‬بجودة‭ ‬العقول‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭. ‬والقرار‭ ‬المؤسسي،‭ ‬في‭ ‬حقيقته،‭ ‬امتداد‭ ‬طبيعي‭ ‬لبنية‭ ‬ذهنية‭ ‬ومنظومة‭ ‬قيمية‭ ‬تشكلتا‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة،‭ ‬لا‭ ‬حدثًا‭ ‬منفصلًا‭ ‬عن‭ ‬ماضي‭ ‬صاحبه‭. ‬فحين‭ ‬يُغرس‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬حب‭ ‬التعلم،‭ ‬والانضباط،‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية،‭ ‬واحترام‭ ‬الاختلاف،‭ ‬والالتزام‭ ‬بالمصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬فردي‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬مؤسسية،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬اتزانًا،‭ ‬وقرارات‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬أقدر‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والاستدامة‭. ‬وهنا‭ ‬ترفع‭ ‬المرأة‭ ‬جودة‭ ‬المؤسسة‭ ‬من‭ ‬جذورها،‭ ‬بما‭ ‬تُسهم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬تكوين‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬سيبنيها‭ ‬ويقودها‭ ‬ويحدد‭ ‬مستوى‭ ‬قراراتها‭.‬

الأسرة‭ ‬والتنافسية

وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬عن‭ ‬نموذج‭ ‬لا‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬التنمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬ولا‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬وبناء‭ ‬المؤسسات‭ ‬كمسارين‭ ‬منفصلين،‭ ‬وإنما‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الأسرة‭ ‬والتنافسية‭ ‬الوطنية‭ ‬وجهان‭ ‬لحقيقة‭ ‬واحدة‭. ‬فهذه‭ ‬العناصر‭ ‬حلقات‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة،‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتصل‭ ‬في‭ ‬محصلتها‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والابتكار‭ ‬والاستدامة‭.‬

تمثل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬قدرة‭ ‬الإمارات‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬والتحديث،‭ ‬وبين‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬فالبشرية‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬يُعاد‭ ‬فيها‭ ‬تعريف‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬والنفوذ؛‭ ‬ومع‭ ‬التسارع‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والتحولات‭ ‬الديموغرافية،‭ ‬واقتصاد‭ ‬المعرفة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حسم‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬رهينًا‭ ‬بحجم‭ ‬مواردها‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تطوره‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬إنسان‭ ‬يمتلك‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬والمرونة‭ ‬المعرفية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬المستمر،‭ ‬والتشبث‭ ‬بقيمه‭ ‬وهويته‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬متسارع‭ ‬التحول‭. ‬فالتكنولوجيا‭ ‬قابلة‭ ‬للاستيراد،‭ ‬والمعرفة‭ ‬قابلة‭ ‬للنقل،‭ ‬أما‭ ‬الإنسان‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬توظيفهما‭ ‬بكفاءة‭ ‬ومسؤولية‭ ‬فلا‭ ‬يُصنع‭ ‬بقرار،‭ ‬وإنما‭ ‬يُبنى‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التنشئة‭ ‬الواعية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الأجيال‭ ‬خيارًا‭ ‬اجتماعيًا،‭ ‬بل‭ ‬غدا‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تفرضها‭ ‬طبيعة‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية‭ ‬الجديدة‭.‬

الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان

ويؤكد‭ ‬تقرير‭ ‬مستقبل‭ ‬الوظائف‭ ‬2025‭ (‬Future of Jobs Report 2025‭) ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬أن‭ ‬المهارات‭ ‬المعرفية،‭ ‬والتفكير‭ ‬التحليلي،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬المستمر‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬القدرات‭ ‬طلبًا‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬العمل‭ ‬المستقبلية،‭ ‬فيما‭ ‬تشير‭ ‬دراسات‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ (‬OECD Skills Strategy‭) ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تنمية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محركات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والتنافسية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭. ‬وتؤكد‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارًا‭ ‬تنمويًا،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬شرطًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬لتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬سريع‭ ‬التحول‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬جذور‭ ‬هذه‭ ‬القدرات‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬الجامعات‭ ‬أو‭ ‬برامج‭ ‬التدريب،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الأسرة،‭ ‬حيث‭ ‬تُبنى‭ ‬شخصية‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتتكوّن‭ ‬منظومة‭ ‬قيمه،‭ ‬وتتحدد‭ ‬علاقته‭ ‬بالمعرفة‭ ‬والعمل‭ ‬والمسؤولية‭.‬

دور‭ ‬المرأة‭ ‬الإماراتية

انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تتجاوز‭ ‬المرأة‭ ‬الإماراتية‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تلبية‭ ‬متطلبات‭ ‬الحاضر،‭ ‬لتصبح‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل؛‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تُعِدّ‭ ‬جيلاً‭ ‬يجيد‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬تقنيات‭ ‬الغد‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬إنسان‭ ‬يوظّف‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬وطنه‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬هويته‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬نقاط‭ ‬قوة‭ ‬النموذج‭ ‬الإماراتي،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬منفصلاً‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الابتكار‭ ‬الحقيقي‭ ‬يولد‭ ‬من‭ ‬التقاء‭ ‬الكفاءة‭ ‬العلمية‭ ‬بالقيم،‭ ‬والتقدم‭ ‬التقني‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬الوطنية‭. ‬وبهذا،‭ ‬لا‭ ‬تُعزز‭ ‬المرأة‭ ‬القدرة‭ ‬الوطنية‭ ‬بوصفها‭ ‬شعارًا،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬أثرًا‭ ‬متراكمًا‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬تُحسن‭ ‬إعداده‭.‬

وفي‭ ‬العقود‭ ‬القادمة،‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬النموذج؛‭ ‬إذ‭ ‬لن‭ ‬تُقاس‭ ‬الدول‭ ‬بمدى‭ ‬امتلاكها‭ ‬للتقنيات‭ ‬المتقدمة‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬أجيال‭ ‬تُحسن‭ ‬تطويرها‭ ‬وإدارتها‭ ‬وتوجيهها‭ ‬نحو‭ ‬الصالح‭ ‬العام‭. ‬وعند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬تتحول‭ ‬صناعة‭ ‬الأجيال‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬أسرية‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬سيادية،‭ ‬ومن‭ ‬وظيفة‭ ‬اجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مكونات‭ ‬القدرة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬مكانة‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭.‬

فالاحتفاء‭ ‬بيوم‭ ‬المرأة‭ ‬الإماراتية‭ ‬تجديدٌ‭ ‬للوعي‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬مستقبل‭ ‬الوطن،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬احتفاء‭ ‬بما‭ ‬أنجزته‭. ‬فالأمم‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬المرأة‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬تحقق‭ ‬تقدمًا‭ ‬مهمًا،‭ ‬أما‭ ‬التي‭ ‬تدرك‭ ‬أنها‭ ‬صانعة‭ ‬الأجيال،‭ ‬وبانية‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومُشكِّلة‭ ‬الوعي‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬المؤسسات‭ ‬والدولة،‭ ‬فتؤسس‭ ‬لقدرة‭ ‬وطنية‭ ‬تتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬جيل‭.‬

وتكشف‭ ‬التجربة‭ ‬الإماراتية‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تُبنى‭ ‬عليه‭ ‬جميع‭ ‬مسارات‭ ‬التنمية،‭ ‬وأكثرها‭ ‬استدامة؛‭ ‬فالأسرة‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاقه،‭ ‬والمرأة‭ ‬القلب‭ ‬النابض‭ ‬لهذه‭ ‬المنظومة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬يُقاس‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬بما‭ ‬تصنعه‭ ‬من‭ ‬أجيال‭ ‬تحمل‭ ‬العلم‭ ‬والهوية‭ ‬وروح‭ ‬المسؤولية،‭ ‬وتقدر‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬متسارع‭ ‬التحولات،‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يُقاس‭ ‬بإنجازاتها‭ ‬الفردية‭ ‬وحدها‭.‬

فالدول‭ ‬لا‭ ‬تبني‭ ‬مستقبلها‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬موارد،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تُنشئه‭ ‬من‭ ‬إنسان‭. ‬والمرأة‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬تُعد‭ ‬جيلًا‭ ‬للحاضر‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬تؤسس‭ ‬لقدرة‭ ‬وطنية‭ ‬تتجدد‭ ‬عبر‭ ‬الزمن،‭ ‬وتعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬مكانة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬جيلًا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭.‬●

بقلم‭: ‬الدكتورة‭ ‬أصيلة‭ ‬محمد‭ ‬الشكيلي

Instagram
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض