لا تُقاس قوة الدول بحجم ما تملكه من موارد، وإنما بقدرتها على تكوين الإنسان القادر على حُسن توظيف هذه الموارد عبر الزمن. فجودة القرار المؤسسي انعكاسٌ لجودة العقول التي تصنعه، ولا يمكن للتنمية أن تتجاوز مستوى الوعي الذي تشكلت عليه أجيالها. لذا، فإن القدرة الوطنية لا تنبع من الاقتصاد أو التكنولوجيا أو كفاءة المؤسسات وحدها، وإنما من استثمار طويل الأمد في الإنسان الذي سيتولى قيادة هذه المؤسسات وصياغة مستقبلها.
هذا ما ميّز النموذج الإماراتي منذ تأسيس الاتحاد، حين لم يكن الاستثمار في الإنسان سياسة تنموية بقدر ما كان فلسفة قائمة عليها الدولة ذاتها. فرؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أرست هذا النهج حين جعلت من الإنسان الثروة الحقيقية للوطن، وتواصلت هذه الرؤية في ظل القيادة الرشيدة عبر الاستثمار في الأسرة، وتمكين المرأة، وتنمية رأس المال البشري، بوصفها ركائز متكاملة لهذه القدرة. ويأتي إعلان عام الأسرة، في هذا الإطار، تأكيدًا على أن بناء المستقبل ينطلق من البيئة التي يتشكل فيها الإنسان، قبل أن يتولى مسؤولية القيادة.
صناعة الأجيال
صناعة الأجيال ليست وصفًا مجازيًا للدور التربوي، بل هي عملية استراتيجية تتشكل من خلالها البنية الذهنية والقيمية والمعرفية للإنسان، ومنها تنشأ القدرة الوطنية التي تُقاس بها مكانة الدول في عالم تتزايد فيه قيمة الإنسان بوصفه المورد الاستراتيجي الأكثر تأثيرًا. فالقدرة الوطنية، في جوهرها، ليست ما تمتلكه الدولة من موارد أو تقنيات، وإنما ما تنجح في بنائه من إنسان قادر على حماية هويته، وقيادة مؤسساته، وتعزيز تنافسيتها، والتكيف مع تحولات المستقبل.
وتبرز، في هذا الإطار، الأهمية الاستراتيجية للمرأة الإماراتية؛ لا بوصفها مستفيدة من سياسات التمكين، ولا شريكًا في التنمية فحسب، وإنما باعتبارها الفاعل الأول في صناعة الأجيال، إذ تُسهم في تكوين الإنسان الذي تقوم عليه قدرة الدولة واستدامة مسيرتها التنموية. ولا يُقاس الأثر الحقيقي لهذا الدور بعدد المواقع القيادية التي تشغلها المرأة، ولا بحجم إنجازاتها الآنية، وإنما بجودة الإنسان الذي تُسهم في تكوينه، وبالمنظومة القيمية والفكرية التي تغرسها في الأجيال، والتي تنعكس لاحقًا في أداء المؤسسات، ونوعية القرارات، وكفاءة رأس المال البشري. فصناعة الأجيال، تبعًا لذلك، ليست وظيفة اجتماعية، وإنما عملية استراتيجية تُبنى من خلالها القدرة الوطنية؛ فالدولة التي تستثمر في الإنسان منذ بدايات تكوينه إنما تستثمر في مستقبلها قبل أن تستثمر في حاضرها. وما يُغرس في هذه المرحلة المبكرة لا يظل حبيس الأسرة، بل يرافق الإنسان إلى المؤسسة، لينعكس بعد ذلك على جودة القرار، وكفاءة الأداء، وقدرة الدولة على مواصلة مسيرة التنمية.
إذا كانت صناعة الأجيال جوهر الدور الاستراتيجي للمرأة الإماراتية، فإن إدراك هذا الدور يستوجب أولًا إعادة النظر في مفهوم التربية ذاته. فالتربية ليست تلقينًا للمعرفة، ولا مجرد نقل لمنظومة من القيم والسلوكيات، وإنما عملية تأسيس متصلة تصوغ البنية الذهنية للإنسان، وترسم طريقته في التفكير والحكم واتخاذ القرار. ففي السنوات الأولى من العمر، لا يكتفي الطفل باكتساب معارفه الأولى، بل تتشكل نظرته إلى ذاته، وتتبلور علاقته بمن حوله، وتترسخ معاييره في الموازنة بين الحق والواجب، وبين الحرية والمسؤولية، وبين المصلحة الفردية والصالح العام. وبناءً على ذلك، لا تقتصر وظيفة التربية على تهيئة الإنسان للحياة، بل تمتد لتحدد كيف سيفهمها، وكيف سيواجه تحدياتها حين يتحمل مسؤولية أسرة، أو مؤسسة، أو وطن.

أساليب التعامل
وتشير الأدبيات الحديثة في علم الأعصاب المعرفي وعلم النفس التنموي إلى أن قدرًا كبيرًا من الأنماط الإدراكية الموجهة للسلوك الإنساني يترسخ في السنوات الأولى من العمر، عبر ما يُعرف بالتعلّم الضمني؛ أي عبر ما يستقيه الإنسان من بيئته اليومية أكثر مما يتلقاه من تعليم مباشر. فأساليب التعامل مع الاختلاف، والاستجابة للغموض، وتقدير المخاطر، والالتزام بالمسؤولية، لا تنشأ فجأة عند تولي المناصب القيادية، وإنما تنمو تدريجيًا في البيئة الأولى التي يتكوّن فيها الوعي. من هنا، لا يتوقف الدور التربوي للمرأة الإماراتية عند إعداد الأبناء، بل يمتد إلى مهمة وطنية أرحب، تتجسد في صناعة رأس المال البشري الذي سيقود مؤسسات الدولة، ويشارك في صنع قراراتها، ويرسم ملامح مستقبلها. فكل جيل يُبنى على أسس راسخة من العلم والقيم والانتماء، يمنح الدولة رصيدًا من القوة يتعاظم أثره مع الزمن.
ولم تعد القيمة الاستراتيجية لتمكين المرأة تُقاس، على أهمية ذلك، باتساع مشاركتها في سوق العمل أو ارتفاع تمثيلها في مواقع القيادة، وإنما بأثرها في الحلقة الأولى من سلسلة بناء الدولة، وهي تكوين الإنسان. فالقيادات لا تُصنع عند تولي المناصب، ولا تبدأ الكفاءات من الجامعات، ولا تتشكل المقومات الوطنية داخل أروقة المؤسسات، بل تنشأ جميعها في البيئة التي يتكوّن فيها وعي الإنسان، وترسخ فيها منظومة قيمه، وتتحدد علاقته بالمعرفة والعمل والمسؤولية. ومن ثم، يتجاوز الاستثمار في المرأة كونه استثمارًا في فئة من فئات المجتمع، ليغدو استثمارًا في المنظومة التي تُنتج رأس المال البشري، وترفع جودة القرار، وتُعزز استدامة التنمية.
التجربة الإماراتية
تكمن خصوصية التجربة الإماراتية في نظرتها إلى الأسرة، وتمكين المرأة، وتنمية رأس المال البشري، لا كسياسات متفرقة، وإنما كمنظومة استراتيجية واحدة تتكامل فيها الأدوار لغاية واحدة هي بناء القدرة الوطنية. تتكامل آثارها في رفع جودة المؤسسات، وتعزيز كفاءة الاقتصاد، وترسيخ قدرة الدولة على الابتكار والتكيف مع المتغيرات. فتمكين المرأة، في جوهره، وسيلة استراتيجية لبناء إنسان أقدر، ومؤسسات أكفأ، ووطن أكثر استعدادًا للمستقبل، لا غاية تُطلب لذاتها.
ولهذا لا تبدأ جودة المؤسسات داخل مقارها، وإنما تتشكل قبل ذلك بسنوات، في البيئة التي ينشأ فيها الإنسان. فمهما بلغت أنظمة المؤسسات من كفاءة، أو تطورت تقنياتها، تبقى محكومة بجودة العقول التي تقودها. والقرار المؤسسي، في حقيقته، امتداد طبيعي لبنية ذهنية ومنظومة قيمية تشكلتا منذ الطفولة، لا حدثًا منفصلًا عن ماضي صاحبه. فحين يُغرس في الإنسان حب التعلم، والانضباط، وتحمل المسؤولية، واحترام الاختلاف، والالتزام بالمصلحة العامة، تتحول هذه القيم مع الزمن من سلوك فردي إلى ثقافة مؤسسية، ثم إلى سياسات أكثر اتزانًا، وقرارات أكثر وعيًا، ومؤسسات أقدر على الابتكار والاستدامة. وهنا ترفع المرأة جودة المؤسسة من جذورها، بما تُسهم به من تكوين الإنسان الذي سيبنيها ويقودها ويحدد مستوى قراراتها.
الأسرة والتنافسية
وتكشف هذه الرؤية عن نموذج لا يفصل بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولا يتعامل مع تمكين المرأة وبناء المؤسسات كمسارين منفصلين، وإنما يدرك أن الأسرة والتنافسية الوطنية وجهان لحقيقة واحدة. فهذه العناصر حلقات في منظومة متكاملة، تنطلق من تشكيل الإنسان، وتصل في محصلتها إلى قدرة الدولة على المنافسة والابتكار والاستدامة.
تمثل هذه الرؤية أحد أهم أسباب قدرة الإمارات على صياغة نموذج تنموي يوازن بين الأصالة والتحديث، وبين الاستثمار في الإنسان والاستثمار في المستقبل. فالبشرية تدخل مرحلة يُعاد فيها تعريف مصادر القوة والنفوذ؛ ومع التسارع غير المسبوق في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتحولات الديموغرافية، واقتصاد المعرفة، لم يعد حسم المنافسة بين الدول رهينًا بحجم مواردها أو ما تطوره من تقنيات وحدها، وإنما بقدرتها على إعداد إنسان يمتلك التفكير النقدي، والمرونة المعرفية، والقدرة على التعلم المستمر، والتشبث بقيمه وهويته في عالم متسارع التحول. فالتكنولوجيا قابلة للاستيراد، والمعرفة قابلة للنقل، أما الإنسان القادر على توظيفهما بكفاءة ومسؤولية فلا يُصنع بقرار، وإنما يُبنى عبر سنوات من التنشئة الواعية. ومن هذا المنطلق، لم يعد الاستثمار في صناعة الأجيال خيارًا اجتماعيًا، بل غدا ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المنافسة العالمية الجديدة.
الاستثمار في الإنسان
ويؤكد تقرير مستقبل الوظائف 2025 (Future of Jobs Report 2025) الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن المهارات المعرفية، والتفكير التحليلي، والقدرة على التعلم المستمر أصبحت من أكثر القدرات طلبًا في أسواق العمل المستقبلية، فيما تشير دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD Skills Strategy) إلى أن تنمية رأس المال البشري تمثل أحد أهم محركات الإنتاجية والتنافسية طويلة الأجل. وتؤكد هذه المؤشرات أن الاستثمار في الإنسان لم يعد خيارًا تنمويًا، بل أصبح شرطًا استراتيجيًا لتعزيز القدرة الوطنية في عالم سريع التحول.
غير أن جذور هذه القدرات لا تبدأ في قاعات الجامعات أو برامج التدريب، وإنما تمتد إلى الأسرة، حيث تُبنى شخصية الإنسان، وتتكوّن منظومة قيمه، وتتحدد علاقته بالمعرفة والعمل والمسؤولية.
دور المرأة الإماراتية
انطلاقًا من ذلك، تتجاوز المرأة الإماراتية دورها في تلبية متطلبات الحاضر، لتصبح شريكًا في صناعة المستقبل؛ فهي لا تُعِدّ جيلاً يجيد التعامل مع تقنيات الغد فحسب، بل تُسهم في إعداد إنسان يوظّف هذه التقنيات بما يخدم وطنه ويحافظ على هويته. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة النموذج الإماراتي، الذي لا يرى الاستثمار في التكنولوجيا منفصلاً عن الاستثمار في الإنسان، بل يدرك أن الابتكار الحقيقي يولد من التقاء الكفاءة العلمية بالقيم، والتقدم التقني بالمسؤولية الوطنية. وبهذا، لا تُعزز المرأة القدرة الوطنية بوصفها شعارًا، بل بوصفها أثرًا متراكمًا يتجدد مع كل جيل تُحسن إعداده.
وفي العقود القادمة، تزداد أهمية هذا النموذج؛ إذ لن تُقاس الدول بمدى امتلاكها للتقنيات المتقدمة وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج أجيال تُحسن تطويرها وإدارتها وتوجيهها نحو الصالح العام. وعند هذه النقطة، تتحول صناعة الأجيال من مسؤولية أسرية إلى قضية سيادية، ومن وظيفة اجتماعية إلى أحد أهم مكونات القدرة الوطنية التي تحدد مكانة الدول في النظام العالمي الجديد.
فالاحتفاء بيوم المرأة الإماراتية تجديدٌ للوعي بدورها في صناعة مستقبل الوطن، لا مجرد احتفاء بما أنجزته. فالأمم التي ترى في المرأة شريكًا في التنمية تحقق تقدمًا مهمًا، أما التي تدرك أنها صانعة الأجيال، وبانية الإنسان، ومُشكِّلة الوعي الذي يقود المؤسسات والدولة، فتؤسس لقدرة وطنية تتجدد مع كل جيل.
وتكشف التجربة الإماراتية أن الاستثمار في الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه جميع مسارات التنمية، وأكثرها استدامة؛ فالأسرة نقطة انطلاقه، والمرأة القلب النابض لهذه المنظومة. ومن ثم، يُقاس تمكين المرأة بما تصنعه من أجيال تحمل العلم والهوية وروح المسؤولية، وتقدر على قيادة الوطن في عالم متسارع التحولات، أكثر مما يُقاس بإنجازاتها الفردية وحدها.
فالدول لا تبني مستقبلها بما تملكه من موارد، بل بما تُنشئه من إنسان. والمرأة التي تصنع هذا الإنسان لا تُعد جيلًا للحاضر وحده، بل تؤسس لقدرة وطنية تتجدد عبر الزمن، وتعيد تشكيل مكانة الدولة في المستقبل، جيلًا بعد جيل.●
بقلم: الدكتورة أصيلة محمد الشكيلي










