اعتبرت «خطة العمل الوطنية للأمن الزراعي» التي وضعتها إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مؤخراً، أن الأراضي الزراعية والمختبرات وسلاسل التوريد الأمريكية تعد أحد أبرز أصول الأمن القومي. في تطور جوهري يتعلق بتعامل الولايات المتحدة مع ملف الزارعة، وهو ما يتسق مع التقديرات التي ترى بأن الزراعة باتت تشكل أداة رئيسية في الحروب الحديثة، فضلاً عن كونها محدداً حاسماً في المنافسة الأمريكية الصينية الراهنة.

لطالما لعبت الزراعة دوراً محورياً وحاسماً في الحروب عبر التاريخ، بما يفوق في بعض الأحيان دور الأسلحة والتكتيكات العسكرية. حيث تلعب الزراعة، المسؤولة عن توفير الغذاء، دوراً استراتيجياً خلال الحروب. وكانت أحد أبرز المجالات التي تلعب فيه الزراعة والغذاء دوراً أساسياً في الحروب هو تدمير المحاصيل ومخازن الغذاء للخصوم، وقد شكلت هذه الاستراتيجية التكتيك المعتاد الذي تم استخدامه خلال الحروب السابقة لقطع خطوط إمدادات العدو. حيث رصدت بعض الأدبيات قيام اليونان بحرق حقول الحبوب خلال حروبهم، كما مارس الرومان في معاركهم ما عرف بـ «النهب الممنهج»، وهو ما يشمل سرقة وتدمير المحاصيل والماشية لأعدائهم. وقد ساد هذا النهج أيضاً في أوروبا خلال العصور الوسطى، حيث استخدمه الإنجليز بشكل كبير خلال حرب المئة عام ضد فرنسا. وخلال حروب الهنود الحمر، أشارت العديد من التقارير إلى أن الجنرال فيليب هنري شيريدان، قاد تكتيكات «الأرض المحروقة» ضد السكان الأصليين، تضمنت استهداف المحاصيل الزراعية والماشية.
كما كشفت بعض التقارير عن استخدام المحاصيل الزراعية ومخازن الحبوب بشكل كبير خلال الحرب الأهلية الأمريكية، لا سيما من قبل الجنرال ويليام شيرمان، والذي ركزت قواته أثناء زحفها عبر جورجيا إلى تدمير المحاصيل الزراعية وهدم مخازن الذرة والصوامع. كذا، استهدفت ألمانيا خيول الحلفاء بالجمرة الخبيثة وداء الرعام، لتقويض قدرة الحلفاء على نقل الغذاء والإمدادات الزراعية. في المقابل، تشير التقديرات إلى أنه خلال الحرب العالمية الأولى، توفي أكثر من 450 ألف ألماني بسبب نقص المحاصيل الزراعية والغذاء، وذلك نتيجة الحصار الذي فرضه الحلفاء على الغذاء والأسمدة. وفي هذا الإطار، ذهبت بعض التقديرات إلى اعتبار أن أكثر الطرق فاعليةً لهزيمة الأعداء تكون من خلال السيطرة على الغذاء والإنتاج الزراعي.
وخلال الحرب العالمية الثانية، وضعت بريطانيا سياسات زراعية صارمة بهدف حماية إنتاج الإمدادات الضرورية لدعم المجهود الحربي، فقد اعتبرت الحكومة البريطانية الزراعة مهنة احتياطية، وعمدت إلى إنشاء برامج لتسريح أفراد الخدمة من أصحاب الخبرة الزراعية، وذلك بهدف دعم الإنتاج اللازم لإطعام وكساء المدنيين والعسكريين خلال فترة الحرب. في المقابل، حاولت ألمانيا تقييد تدفق الغذاء إلى بريطانيا، لكن هذه المساعي باءت بالفشل، فضلاً عن الخطة التي استخدمها النازيون لتجويع الروس خلال حصار لينينغراد.
وفي حقبة الحرب الباردة، استمر دور الزراعة كسلاح رئيسي في المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وهو ما تجسد في «دبلوماسية الحبوب» التي برزت بوضوح خلال هذه الفترة، فخلال السبعينات ظل اعتماد الاتحاد السوفييتي بشكل كبير على إمدادت الحبوب الأمريكية لتعويض النقص في إنتاجه الزراعي، قبل أن تقرر واشنطن حظر الحبوب عقب الغزو السوفييتي لأفغانستان.
كيف تحولت الزراعة لأداة رئيسية في الحروب الحديثة؟
مع نهاية الحرب الباردة وبداية الألفية الجديدة، تحولت الزراعة والغذاء لسلاح جوهري في الحروب والنزاعات المختلفة، ولم تعد الأنظمة الزراعية قادرة على البقاء محايدة في هذه الحروب، بل أصبحت أدوات رئيسية يتم توظيفها كتكتيكات للسيطرة.
وتجدر الإشارة إلى أن استخدام الغذاء والزراعة كسلاح في النزاعات والحروب يعتبر محظوراً بموجب القانون الدولي، إذ يعد الحق في الغذاء جزءاً من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966. كما نص البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف عام 1977 على حظر مهاجمة أو تدمير أو إزالة الأشياء الضرورية للمدنيين، مثل المواد الغذائية والمناطق الزارعية والمحاصيل، والأمر ذاته أكده نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في عام 1998. قبل أن يقر مجلس الأمن الدولي، في 2018، القرار رقم (2417) والذي اعتبر تجويع المدنيين جريمة حرب.
ورغم ذلك، أثبتت التجارب الأخيرة أنه لا تزال الزراعة تستخدم كسلاح في الحروب والنزاعات الحديثة، من خلال طرق متباينة، منها التلاعب بالمساعدات الغذائية، على غرار الحرب في إقليم التيغراي، حيث كشفت بعض التقارير الغربية عن قيام القوات الإثيوبية والإريترية بعرقلة وصول المساعدات لبعض أجزاء إقليم التيجراي في عام 2021. أما الطريقة الثانية فتتمثل في استغلال انعدام الأمن الغذائي لاستقطاب وتجنيد الأفراد، وهي الاستراتيجية التي تستخدمها بعض الجماعات الإرهابية، من خلال استهداف البنية التحتية الزراعية واستخدام الحصول على الغذاء، لاستقطاب وتجنيد المقاتلين في صفوفها. هناك طريقة ثالثة، وهي الأكثر انتشاراً في الحروب، تتمثل في استهداف البنية التحتية الزراعية.
وقد كشفت الاستخدامات الحديثة لتسليح الغذاء والزراعة في بعض الحروب الحديثة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأهلية في السودان، عن سمة جديدة، تتمثل في تحول الزراعة والغذاء لسلاح بعيد المدى، يمكنه إحداث تأثيرات واسعة النطاق خارج حدود مناطق الحرب والصراع الأصلي. فقد أظهرت الحرب الأوكرانية، على سبيل المثال، كيفية استخدام الموارد الزراعية كأداة للتأثير وكسب الدعم العالمي من بعض الدول التي تعتمد على واردات الغذاء الروسية.
وفي سبتمبر 2025، قدم العقيد المتقاعد في الجيش الأمريكي، والمسؤول السابق في وزارة الزراعة الأمريكية، كريس يونغ، تقييماً أمام اللجنة الفرعية للأمن الداخلي بمجلس النواب الأمريكي، خلال الجلسة التي عقدتها اللجنة بشأن خطر الإرهاب الزراعي، وبحث مدى جاهزية واشنطن لمواجهة هذا الخطر، مشيراً إلى أنه «حال دخلت الولايات المتحدة في حرب مستقبلية مع خصومها فسيكون الغذاء ذا أهمية مماثلة للقدرات العسكرية التقليدية كالصواريخ أو الغواصات».
وجاءت هذه الجلسة في أعقاب إشارة بعض التقارير عن تنامي سيطرة الصين على الزراعة الأمريكية، حيث باتت بكين تمتلك نفوذاً مالياً على الأراضي الزراعية الأمريكية، وهو ما يثير تساؤلات مهمة بشأن الأمن الغذائي الأمريكي على المدى البعيد. ففي قطاع البذور والمواد الكيميائية الزراعية، على سبيل المثال، تهيمن أربع شركات رئيسية على السوق العالمي لهذا القطاع، شركة أمريكية وشركتان في ألمانيا، أما الشركة الرابعة فهي «مجموعة سينجنتا» المملوكة لشركة كيم تشاينا الصينية. كذا، تهيمن بكين حالياً على نحو 90 % من الإمدادات العالمية للأحماض الأمينية والفيتامينات المستخدمة في علف الماشية الذي يعتمد عليه منتجو الأبقار والدواجن في بعض الولايات الأمريكية، مثل ميسوري وإلينوي. بالإضافة لذلك، تسيطر الصين على حلقات حيوية في سلسلة الغذاء الأمريكية، وهو ما انعكس في صفقة استحواذ مجموعة «WH» الصينية على شركة «سميثفيلد فودز»، والتي تعد أحد أكبر مصنعي ومنتجي لحوم الخنزير في الولايات المتحدة.
لكن، يظل أخطر ما يهدد الأمن الغذائي الأمريكي هو استحواذ الصين المتنامي على الأراضي الزراعي الأمريكية. فبحلول عام 2023، كانت الشركات الصنيية تستحوذ على أكثر من 275 ألف فدان من الأراضي الزراعية الأمريكية، مقارنة بمساحات ضئيلة كانت تستحوذ عليها هذه الشركات قبل عقد واحد. ورغم أن هذه السيطرة لا تزال محدودة من إجمالي الأراضي الزراعية في الولايات المتحدة، لكن الإشكالية لا تنبع فقط من المساحة، لكن أيضاً في المواقع الاستراتيجية التي تشغلها هذه الأراضي التي تسيطر عليها الشركات الصينية، فغالبيتها تتمركز بالقرب من مراكز الطاقة وموانئ التصدير ومحطات السكك الحديدية وغيرها من المواقع الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، أشار تقرير صادر عن «مؤسسة التراث» الأمريكية، إلى أنه بينما لا تزال مساحة الأراضي الزراعية المملوكة لكيانات صينية لا تشكل سوى نسبة محدودة من إجمالي الأراضي الزراعية، لكنها تتزايد بشكل مطرد خلال السنوات الأخيرة، وذلك في إطار ارتفاع وتيرة الاستثمارات الصينية الخارجية في الزراعة بأكثر من عشر أضعاف بين عامي 2009 و2016. وقد تمكنت الصين خلال الفترة 2011 – 2020 من السيطرة على أكثر من 6.48 مليون هكتار (حوالي 16 مليون فدان) من الأراضي الزراعية العالمية، مقارنًة بحوالي 860 ألف هكتار تسيطر عليها الشركات الأمريكية، ونحو 1.56 مليون هكتار للشركات البريطانية، مشيرةً إلى ضرورة التعامل معه باعتباره تهديداً كبيراً، في ظل الحرب الباردة الجديدة الراهنة بين واشنطن وبكين.

ماهية وتطور ظاهرة الإرهاب الزراعي
أشار تقرير صادر عن مؤسسة «راند» RAND الأمريكية إلى أن ظاهرة الإرهاب الزراعي تشير إلى فكرة إدخال عامل يسبب مرضاً بشكل متعمد، إما ضد سلاسل الغذاء وإما ضد الماشية، بهدف تقويض الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ويختلف مفهوم «الإرهاب الزراعي» عن مصطلح «الجرائم الزراعية»، حيث يشير الأخير إلى «الأنشطة غير القانونية التي تؤثر على القطاع الزراعي، كالتلاعب بالمنتجات الزراعية والغش في المبيدات، فضلاً عن إتلاف الموارد الزراعية. أما مفهوم الإرهاب الزراعي فينطوي على «استخدام الأسلحة البيولوجية، أو شن هجمات متعمدة تستهدف المحاصيل الزراعية أو الماشية بغرض إحداث فوضى أو تهديد للأمن الغذائي». وغالباً ما يكون الإرهاب الزراعي مدفوعاً بأهداف سياسية أو اجتماعية، كما قد يشكل أداة رئيسية في الحروب. وباعتباره أحد أشكال الإرهاب البيولوجي، يشكل الإرهاب الزراعي مخاطر جسيمة بالنسبة للإنسان، من خلال استهداف الزراعة باستخدام البكتيريا الضارة أو الفيروسات، ما يؤدي إلى تدمير الإنتاج الزراعي أو إحداث أضرار جسيمة به. ويتفاقم خطر الإرهاب الزراعي بسبب هشاشة المواقع الزراعية وسهولة استهدافها والوصول إليها.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الظاهرة لا تعد جديدة، فهناك العديد من التجارب التاريخية التي شهدت استخدام عوامل بيولوجية قاتلة ضد المحاصيل الزراعية للخصوم خلال الحروب. فمنذ عشرينات القرن الماضي، أجرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان أبحاثاً على الأسلحة البيولوجية التي يمكنها استهداف المحاصيل الزراعية، مع التركيز على بعض الأمراض مثل «اللفحة المتأخرة للبطاطس» و«لفحة الأرز» و«صدأ القمح». وخلال الحرب العالمية الثانية، حاولت ألمانيا استهداف محاصيل البطاطس البريطانية عن طريق استخدامها لخنافس كولورادو.
كذا، بدأت اليابان في استكشاف آثار الفطريات والبكتيريا والديدان الخيطية على العديد من المحاصيل الزراعية، كما بدأت طوكيو في تخزين جراثيم صدأ الحبوب، بهدف مهاجمة حقول القمح الأمريكية والسوفييتية حال استمرار الحرب. ومن جانبها، بدأت الولايات المتحدة، في عام 1944، اختبار العديد من مسببات أمراض المحاصيل الزراعية، بهدف استهداف القمح في أوكرانيا، وحقول الأرز الصينية، خلال الحرب الباردة. وخلال الفترة 1951 – 1969، خزنت واشنطن أكثر من 30 طناً من جراثيم الفطر المسبب لصدأ ساق القمح. كذا، شهدت فترة السبعينات والثمانينات استمرار عمليات الإرهاب الزراعي، كان أبرزها عملية تسميم أوراق الشاي السريلانكية بالسيانيد، في عام 1985، فضلاً عن تلويث العنب في تشيلي عام 1989.
كذا، استخدمتها «حركة ماو ماو»، التي تشكلت في كينيا خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، لتسميم الماشية البريطانية. وخلال الحرب الإيرانية العراقية، في ثمانينات القرن الماضي، طورت بغداد مرض «تفحم القمح» لاستهداف المحاصيل الإيرانية.
لكن، خلال السنوات الأخيرة، بدأت ظاهرة «الإرهاب الزراعي» تشهد تحولات لافتة، يتعلق أبرزها باتساع نطاقها، مع تطوير القوى الدولية لآليات أكثر تطوراً في استهداف خصومها، الأمر الذي بإمكانه إحداث تأثيرات واضطرابات واسعة النطاق. وفي هذا السياق، وجهت الحكومة الأمريكية، في نوفمبر 2025، اتهامات لثلاثة باحثين صينيين، من مختبر جامعة «ميشيغان»، بالتآمر لتهريب مواد بيولوجية إلى الولايات المتحدة، معتبرةً أن هذه المواد تهدد الأمن الزراعي والغذائي الأمريكي. وفي يونيو 2025، وجه المدعي العام الأمريكي، جيروم جورجون، اتهامات لمواطنين صينيين بتهمة تهريب فطر «الفيوزاريوم غرامينيروم، إلى الولايات المتحدة، وهو فطر يصنف في واشنطن باعتباره سلاحاً محتملاً للإرهاب الزراعي، حيث يتسبب هذا الفطر في مرض «لفحة السنابل»، والذي يصيب القمح والذرة والشعير والأرز، وهو ما يتسبب في خسائر هائلة سنوياً. وفي ظل الاعتماد المتزايد لقطاع الزراعة على الأنظمة السيبرانية وإنترنت الأشياء لتشغيل المعدات والخدمات اللوجستية وإدارة سلاسل التوريد، يمكن أن يؤدي استهداف هذه الأنظمة إلى إحداث أضرار جسيمة بالإنتاج الزراعي، ومن ثم التأثير على إمدادات الغذاء. بالتالي، يمكن للإرهاب الزراعي أن يقوض سلامة الزراعة والأغذية، وذلك من خلال التأثير على الإمدادات الغذائية بشكل مباشر، باستخدام عوامل بيولوجية أو كيميائية أو إشعاعية. وهو ما ينطوي على تأثيرات واسعة النطاق، اقتصادية واجتماعية.
خطة ترامب للأمن الزراعي
خلال العقود الماضية، كانت الولايات المتحدة تتعامل مع الزراعة باعتبارها «محفظة دعم»، تتداخل في بعض الأحيان مع سياسات الأمن القومي. لكن يبدو أن هذا المنظور بدأ يتغير بشكل كبير خلال الآونة الأخيرة، وهو ما انعكس في إطلاق إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لاستراتيجية حكومية شاملة باتت تنظر للأراضي الزراعية، وكذا المختبرات وسلاسل التوريد الأمريكية، باعتبارها أصولاً للأمن القومي، وليس مجرد مدخلات لسوق السلع. فقد أعلنت وزيرة الزراعة الأمريكية، بروك رولينز، في يوليو 2025، عن خطة «لنجعل الزراعة عظيمة مجدداً: خطة العمل الوطنية لأمن المزارع»، والتي تستهدف دمج الزراعة كعنصر أساسي في الأمن القومي والتصدي للتهديدات الخارجية لهذا القطاع الحيوي. واللافت في الأمر أن الإعلان عن هذه المبادر جاء بحضور وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، ووزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، والمدعية العامة، بام بوندي، وهو ما يعكس الدور الذي يتوقع أن تلعبه الزراعة في أي حروب مستقبلية للولايات المتحدة. واتساقاً مع هذه المقاربة الأمريكية الجديدة، تم توقيع مذكرة تفاهم، في فبراير 2026، بموجبها سيتم ربط وزارة الزراعة الأمريكية بوكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (DARPA)، بهدف تعزيز الأمن والدفاع الزراعي.
وجاءت هذه التحولات متماشية مع بعض التقارير التي حذرت من تحول الزراعة لأداة رئيسية في الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، على غرار كتاب «الفوز في الحرب الباردة الجديدة: خطة لمواجهة الصين»، الصادر عن مؤسسة التراث الأمريكية، والذي أوصى بضرورة إدراج وزارة الزراعة الأمريكية ضمن لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة (CFIUS)، بشأن عمليات مراجعة شراء الأراضي الزراعية من قبل خصوم واشنطن، مع ضرورة تحديد مواقع البنية التحتية الحيوية التي ربما تتأثر بعمليات شراء الأراضي الزراعية. على الجانب الآخر، أقرت الصين، في ديسمبر 2023، قانوناً شاملاً للأمن الغذائي، بموجبه تم ترسيخ سيطرة الدولة على كافة الأراضي الزراعية، ويحدد الاكتفاء الذاتي للغذاء كالتزام أمني للدولة. وفي هذا الإطار، وسعت بكين من حيازتها للأراضي الزراعية في الخارج.
مستقبل دور الزراعة في الحروب الحديثة
أشارت بعض التقارير الأمريكية إلى أن الزراعة، بما في ذلك الأراضي الزراعية والمختبرات والمخزونات الجينية وبياناتها، تعد إحدى الأدوات الرئيسية في أي مواجهات مستقبلية بين الولايات المتحدة والصين. وبخلاف الأنماط التقليدية التي تم خلالها توظيف الزراعة كأداة وسلاح في الحروب السابقة، باتت أبرز التهديدات التي يمكن أن تواجه الزراعة وأنظمة الغذاء في أوقات الحروب الحديثة هو احتمال وقوع هجمات إلكترونية منسقة ومتوصلة، ناهيك عن أشكال الاستهداف والتخريب الأخرى. كما يمكن أن تلجأ الدول المتنافسة لتوظيف هذه الأدوات حتى في أوقات السلم، على غرار إعلان الولايات المتحدة اكتشافها لبعض القراصنة المدعومين من الصين، والذين تسللوا إلى البنية الحتية وأنظمة الزراعة الأمريكية، من خلال بعض البرامج الخبيثة.
وعلى المنوال ذاته، حذرت بعض الدراسات الأمريكية من الدور الذي قد تلعبه روسيا في استهداف أنظمة الزراعة الأمريكية، وذلك في إطار مبدأ «بريماكوف»، الذي تتبناه موسكو، ويشير إلى رفض روسيا لفكرة النظام الدولي الأحادي القطبية الذي تسيطر عليه واشنطن. بالتالي، قد يصبح استهداف صناعة القمح الأمريكية أحد الخيارات المفضلة لموسكو لخوض أي مواجهة ضد واشنطن، لا سيما وأن الولايات المتحدة تعد ثاني أكبر منتج للحبوب في العالم، بعد الصين، بحوالي 450 مليون طن متري سنوياً، لكن يظل القمح هو الغذاء الرئيسي بالنسبة للأمريكيين، وتعد الولايات المتحدة ثالث أكبر مصدر للقمح في العالم. بالتالي، فحال استهداف إنتاج القمح الأمريكي، فسيكون هناك تداعيات وخيمة. ورغم أن محاولات موسكو لمواجهة واشنطن، في حقبة ما بعد الحرب الباردة، لم تنطو على محاولة لاستهداف الزراعة والغذاء الأمريكي بشكل مباشر، بيد أن تجربة الحرب الروسية الأوكرانية تعكس مدى استعداد روسيا لتوظيف ملف الغذاء في أي مواجهات مستقبلية، من خلال الهجمات الإلكترونية واستهداف البنى التحتية لتخزين ونقل الحبوب، أو عن طريق تقييد صادرات الأسمدة إلى السوق الأمريكية، أو حتى عبر استخدام الحرب البيولوجية الزراعية.
وفي الختام، عكست التطورات الأخيرة في قطاع الزراعة العالمي، خلال السنوات الأخيرة، استمرار الدور الحاسم للزراعة في الحروب الحديثة، فقد بلغ استخدام الزراعة والغذاء كسلاح مستويات جيوسياسية، وهو ما تجسد في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والمرتبطة في بعض جوانبها بالسلع الزراعية، ناهيك عن استمرار الهجمات على المنتجات الزراعية. بالتالي، أصبح الاستخدام المتزايد للزراعة والغذاء كسلاح يشكل أحد أبرز أدوات السيطرة في الحروب الحديثة، وتعمل القوى الدولية المتنافسة على تطوير قدراتها الخاصة بتوظيف الزراعة كأداة فاعلة في الحروب المستقبلية.
عدنان موسى مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـــــ جامعة القاهرة









