satcom-home-banner-1500x844

عسكرة البيانات الجيومكانية مخاطر صور الأقمار الصناعية التجارية في أوقات الحروب

أصبحت‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬جزءاً‭ ‬بنيوياً‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬المعاصرة،‭ ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬ذلك‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭-‬الإسرائيلية‭-‬الإيرانية‭. ‬فالصورة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الفضاء‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬وثيقة‭ ‬بصرية‭ ‬محايدة‭ ‬تُظهر‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬استراتيجي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخدم‭ ‬أغراضاً‭ ‬متباينة‭: ‬التحقق،‭ ‬والتوثيق،‭ ‬والمساءلة،‭ ‬وجمع‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬والاستخبارات‭ ‬الجيومكانية،‭ ‬وتقييم‭ ‬أضرار‭ ‬الضربات،‭ ‬ودعم‭ ‬التخطيط‭ ‬العسكري،‭ ‬وتغذية‭ ‬السرديات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬المشاركة‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الاستهداف‭.‬

وتنبع‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬رمادية‭ ‬بين‭ ‬المدني‭ ‬والعسكري،‭ ‬وبين‭ ‬السوق‭ ‬والأمن‭ ‬القومي،‭ ‬وبين‭ ‬المعرفة‭ ‬العامة‭ ‬والمعلومة‭ ‬العملياتية‭. ‬فهي،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬تمنح‭ ‬الصحافة‭ ‬والعلماء‭ ‬قدرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬الحروب،‭ ‬لكنها،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬تتيح‭ ‬للخصوم،‭ ‬والدول،‭ ‬والفاعلين‭ ‬غير‭ ‬الدوليين،‭ ‬وشبكات‭ ‬التحليل‭ ‬الجيومكاني،‭ ‬إمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬عسكرية‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭. ‬وهنا‭ ‬تتشكل‭ ‬المفارقة‭: ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬التجارة‭ ‬والشفافية‭ ‬قد‭ ‬يتحول،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الحرب،‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬أمني،‭ ‬وما‭ ‬يخدم‭ ‬الرخاء‭ ‬والمساءلة‭ ‬قد‭ ‬يُستخدم‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬الاستهداف‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬نتائج‭ ‬الضربات‭. ‬

لقد‭ ‬أدى‭ ‬صعود‭ ‬الشركات‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الرصد‭ ‬الأرضي،‭ ‬مثل‭ ‬Planet Labs‭ ‬وMaxar/Vantor‭ ‬وICEYE‭ ‬وBlackSky‭ ‬وغيرها،‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الرؤية‭ ‬الفضائية‭ ‬من‭ ‬الاحتكار‭ ‬السيادي‭ ‬للدول‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬للبيانات‭. ‬ومع‭ ‬انتشار‭ ‬الأقمار‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وتحسن‭ ‬دقة‭ ‬الصور،‭ ‬وسرعة‭ ‬إتاحتها،‭ ‬وتطور‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تحليلها،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المشكلة‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬المنظومة‭ ‬الكاملة‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬الصورة‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬قابلة‭ ‬للاستخدام‭. ‬فالصورة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قمر‭ ‬يلتقطها،‭ ‬ومحطة‭ ‬تستقبلها،‭ ‬وسحابة‭ ‬تخزنها،‭ ‬ومنصة‭ ‬توزعها،‭ ‬وخوارزميات‭ ‬تحللها،‭ ‬ومستخدم‭ ‬يفسرها؛‭ ‬وقد‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬إلى‭ ‬قرار‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬عسكري‭ ‬أو‭ ‬إعلامي‭.‬

تهدف‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بصور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الحروب،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بحث‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬ودورها‭ ‬المحتمل‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬عمليات‭ ‬الاستهداف‭ ‬العسكري‭ ‬وجمع‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬التحديات‭ ‬القانونية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتحكم‭ ‬في‭ ‬تداول‭ ‬هذه‭ ‬البيانات،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التوسع‭ ‬المتسارع‭ ‬للفاعلين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬وارتباطهم‭ ‬بأنظمة‭ ‬الترخيص‭ ‬والإشراف‭ ‬المستمر،‭ ‬وبقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬وقانون‭ ‬الفضاء‭.‬

وتنبني‭ ‬الدراسة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬تجارية‭ ‬أو‭ ‬رصدية‭ ‬مدنية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬أوسع‭ ‬يمكن‭ ‬تسميتها‭ ‬بـ«الحرب‭ ‬الجيومكانية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تصبح‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الصور‭ ‬والفيديوهات‭ ‬الجيومكانية،‭ ‬وتقييدها،‭ ‬وتحليلها،‭ ‬وتفسيرها،‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬نشرها،‭ ‬عاملاً‭ ‬مؤثراً‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬القوة،‭ ‬وفي‭ ‬بناء‭ ‬الروايات،‭ ‬وفي‭ ‬إدارة‭ ‬التصعيد،‭ ‬وفي‭ ‬مساءلة‭ ‬الفاعلين‭ ‬أو‭ ‬حمايتهم‭ ‬من‭ ‬المساءلة‭.‬

صور‭ ‬الأقمار‭ ‬التجارية‭ ‬وعسكرة‭ ‬البيانات‭ ‬الجيومكانية

لا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬صوراً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬استخباراتية‭ ‬أوسع‭. ‬فالصور‭ ‬الحديثة‭ ‬عالية‭ ‬الدقة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الصور‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬الحقيقي،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكشف‭ ‬مواقع‭ ‬عسكرية،‭ ‬أو‭ ‬تحركات‭ ‬قوات،‭ ‬أو‭ ‬تغييرات‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬أو‭ ‬آثار‭ ‬قصف،‭ ‬أو‭ ‬تحصينات‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬إخلاء‭ ‬مناطق،‭ ‬أو‭ ‬استعدادات‭ ‬لعملية‭ ‬عسكرية‭. ‬وحين‭ ‬تُقارن‭ ‬صور‭ ‬متعددة‭ ‬عبر‭ ‬الزمن،‭ ‬تصبح‭ ‬الصورة‭ ‬أداة‭ ‬لرصد‭ ‬النوايا‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬لوصف‭ ‬الواقع‭.‬

‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬الاستهداف‭ ‬العسكري‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬معلومة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬البيانات‭. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية‭ ‬إحدى‭ ‬حلقات‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بيانات‭ ‬الطائرات‭ ‬والسفن،‭ ‬ومقاطع‭ ‬الفيديو‭ ‬المنشورة‭ ‬على‭ ‬الإنترنت،‭ ‬وصور‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬والمعلومات‭ ‬الميدانية،‭ ‬والبيانات‭ ‬المفتوحة،‭ ‬وخوارزميات‭ ‬التحليل‭ ‬الآلي‭. ‬وعندما‭ ‬تُدمج‭ ‬هذه‭ ‬العناصر،‭ ‬تتحول‭ ‬الصورة‭ ‬من‭ ‬دليل‭ ‬بصري‭ ‬إلى‭ ‬معلومة‭ ‬عملياتية‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬الصور،‭ ‬بحسب‭ ‬زمنها‭ ‬ودقتها‭ ‬وطريقة‭ ‬توجيهها‭ ‬واستخدامها،‭ ‬قد‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬الاستهداف‭. ‬فالصورة‭ ‬المنشورة‭ ‬للجمهور‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬الضربة‭ ‬تختلف‭ ‬قانونياً‭ ‬واستراتيجياً‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬مخصصة‭ ‬وفورية‭ ‬تُنقل‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬متحارب‭ ‬لمساعدته‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬عملية‭ ‬محددة‭.‬

تزداد‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬التحليل‭ ‬الجيومكاني‭. ‬فخوارزميات‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬التغيرات،‭ ‬والتعرف‭ ‬إلى‭ ‬الأنماط،‭ ‬وتحليل‭ ‬الصور‭ ‬البصرية‭ ‬والرادارية،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬الزمن‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬عملياتي‭. ‬وبذلك‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬المشكلة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬إتاحة‭ ‬الصورة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قابلية‭ ‬تحويلها‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬قابلة‭ ‬للاستخدام‭ ‬العسكري،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬منتج‭ ‬استخباراتي‭ ‬مركب‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الصورة‭ ‬التجارية‭ ‬والبيانات‭ ‬المفتوحة‭ ‬وتتبع‭ ‬الطائرات‭ ‬والسفن‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬الجيومكانية‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتحدد‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات‭ ‬عن‭ ‬الأرض،‭ ‬وتحليلها،‭ ‬وتقييدها،‭ ‬والتلاعب‭ ‬بها،‭ ‬ومنع‭ ‬الخصم‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الحروب،‭ ‬تصبح‭ ‬البيانات‭ ‬الجيومكانية‭ ‬نسيجاً‭ ‬رابطاً‭ ‬بين‭ ‬الاستطلاع،‭ ‬والقيادة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬والاتصال،‭ ‬والاستهداف،‭ ‬والتقييم،‭ ‬والدعاية‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬حصر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬وحدها‭. ‬فإتاحة‭ ‬الصور‭ ‬عبر‭ ‬السوق‭ ‬التجارية‭ ‬تمنح‭ ‬الفاعلين‭ ‬الأضعف‭ ‬نسبياً‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬بعض‭ ‬فجواتهم‭ ‬الاستخباراتية‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬هؤلاء‭ ‬أقماراً‭ ‬سيادية‭ ‬أو‭ ‬شبكات‭ ‬استخبارات‭ ‬متقدمة،‭ ‬لكنهم‭ ‬يستطيعون‭ ‬الوصول،‭ ‬عبر‭ ‬وسطاء‭ ‬أو‭ ‬شركات‭ ‬أو‭ ‬منصات‭ ‬أو‭ ‬شبكات‭ ‬طرف‭ ‬ثالث،‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬ميدانية‭. ‬وبذلك‭ ‬تسهم‭ ‬الصور‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬التوازنات‭ ‬بين‭ ‬القوى،‭ ‬لأنها‭ ‬تمنح‭ ‬بعض‭ ‬الفاعلين‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متاحاً‭ ‬لهم‭ ‬سابقاً‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القدرة‭ ‬الجديدة‭ ‬ليست‭ ‬بلا‭ ‬ثمن‭. ‬فهي‭ ‬تخلق‭ ‬أيضاً‭ ‬هشاشات‭ ‬جديدة‭ ‬للدول‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التجارية‭. ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬وعيها‭ ‬العملياتي‭ ‬على‭ ‬صور،‭ ‬أو‭ ‬اتصالات،‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬تخزين،‭ ‬أو‭ ‬تحليل‭ ‬مملوكة‭ ‬لشركات‭ ‬خاصة،‭ ‬تصبح‭ ‬عرضة‭ ‬لقرارات‭ ‬هذه‭ ‬الشركات،‭ ‬ولضغوط‭ ‬حكوماتها،‭ ‬ولتغير‭ ‬شروط‭ ‬الوصول،‭ ‬وللانقطاع‭ ‬التقني‭ ‬أو‭ ‬القانوني‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬البنى‭ ‬التجارية‭ ‬الخاصة‭ ‬يمثل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬فرصة‭ ‬عملياتية‭ ‬ومصدر‭ ‬هشاشة‭ ‬استراتيجية‭.‬

الشركات‭ ‬الخاصة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬التجارية‭ ‬الحرجة‭ ‬في‭ ‬الحرب

لم‭ ‬تعد‭ ‬الشركات‭ ‬الخاصة‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬والاتصال‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬مجرد‭ ‬مزودين‭ ‬خارجيين‭ ‬للخدمات‭. ‬لقد‭ ‬أصبحت،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحرجة‭ ‬للحرب‭. ‬فالأقمار‭ ‬التجارية‭ ‬توفر‭ ‬الرؤية،‭ ‬وشبكات‭ ‬الاتصال‭ ‬الفضائي‭ ‬توفر‭ ‬الربط،‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬تخزن‭ ‬البيانات‭ ‬وتحللها،‭ ‬ومنصات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬تسرّع‭ ‬تفسيرها،‭ ‬وشركات‭ ‬الجغرافيا‭ ‬المكانية‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاجها‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬وتقارير‭ ‬وخرائط‭ ‬قابلة‭ ‬للاستخدام‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬يضع‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬دولاً‭ ‬ولا‭ ‬جيوشاً،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الجيوش‭ ‬على‭ ‬الرؤية‭ ‬والعمل‭. ‬وليست‭ ‬مؤسسات‭ ‬عمل‭ ‬إنساني،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تمكّن‭ ‬الصحفيين‭ ‬والمنظمات‭ ‬الحقوقية‭ ‬من‭ ‬كشف‭ ‬الانتهاكات‭. ‬وليست‭ ‬أطرافاً‭ ‬محاربة‭ ‬بالضرورة،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تتخذ‭ ‬قرارات‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬سير‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية،‭ ‬مثل‭ ‬إتاحة‭ ‬الصور،‭ ‬أو‭ ‬تأخيرها،‭ ‬أو‭ ‬حجبها،‭ ‬أو‭ ‬تقييد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬الاتصال‭ ‬أو‭ ‬البيانات‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬إشكالية‭ ‬‮«‬الاعتماد‭ ‬المتبادل‮»‬‭. ‬فحين‭ ‬تصبح‭ ‬خدمات‭ ‬شركة‭ ‬خاصة‭ ‬ضرورية‭ ‬لعمليات‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬طرف‭ ‬متحارب،‭ ‬تتحول‭ ‬العلاقة‭ ‬التجارية‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬استراتيجية‭. ‬وقد‭ ‬تستخدم‭ ‬الشركة‭ ‬بنيتها،‭ ‬أو‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬خدماتها،‭ ‬أو‭ ‬تخضع‭ ‬لضغوط‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تنظمها،‭ ‬أو‭ ‬تخشى‭ ‬المخاطر‭ ‬القانونية‭ ‬والسمعة‭ ‬العامة‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬يصبح‭ ‬استمرار‭ ‬الخدمة‭ ‬أو‭ ‬انقطاعها‭ ‬عاملاً‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬الحرب‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يخلق‭ ‬نوعاً‭ ‬جديداً‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬الهجينة‭. ‬فالصراع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المنصات‭ ‬العسكرية‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الشبكات‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬تعمل‭: ‬الاتصال،‭ ‬والملاحة،‭ ‬والتخزين،‭ ‬والتحليل،‭ ‬والتوزيع‭. ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تعطيل‭ ‬هذه‭ ‬الشبكات‭ ‬أو‭ ‬تقييدها‭ ‬أو‭ ‬التشويش‭ ‬عليها‭ ‬قد‭ ‬يحقق‭ ‬أثراً‭ ‬عسكرياً‭ ‬كبيراً‭ ‬دون‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تقليدية‭ ‬مباشرة‭.‬

وتزداد‭ ‬حساسية‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬الشركات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعقود‭ ‬دفاعية‭ ‬أو‭ ‬حكومية‭. ‬فالشركة‭ ‬التي‭ ‬تبيع‭ ‬الصور‭ ‬للصحافة‭ ‬أو‭ ‬الجامعات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬متعاقدة‭ ‬مع‭ ‬مؤسسة‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬استخباراتية‭. ‬وهذا‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬عن‭ ‬الحياد،‭ ‬والشفافية،‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح،‭ ‬وحدود‭ ‬استقلال‭ ‬القرار‭ ‬التجاري‭. ‬كما‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬أعمق‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬للفاعلين‭ ‬التجاريين‭ ‬الذين‭ ‬يقدمون‭ ‬خدمات‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬عملياتي‭ ‬أن‭ ‬يظلوا‭ ‬خارج‭ ‬بنية‭ ‬المسؤولية‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية‭ ‬للحرب؟

إن‭ ‬دمج‭ ‬الشركات‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أنها‭ ‬تصبح‭ ‬أطرافاً‭ ‬محاربة،‭ ‬لكنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬موقعها‭ ‬القانوني‭ ‬والأخلاقي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بسيطاً‭. ‬فكلما‭ ‬اقتربت‭ ‬خدماتها‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬عمل‭ ‬عدائي‭ ‬محدد،‭ ‬زادت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬وظيفتها‭ ‬وسياق‭ ‬استخدامها‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬خدماتها‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬النشر‭ ‬العام،‭ ‬أو‭ ‬التوثيق‭ ‬اللاحق،‭ ‬أو‭ ‬الوعي‭ ‬الظرفي‭ ‬الواسع،‭ ‬فإنها‭ ‬تظل‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬النشاط‭ ‬المدني‭ ‬المشروع‭. ‬ولذلك،‭ ‬فالمعيار‭ ‬الحاسم‭ ‬ليس‭ ‬وجود‭ ‬الصورة،‭ ‬بل‭ ‬وظيفتها‭ ‬وزمنها‭ ‬وجمهورها‭ ‬ودرجة‭ ‬اندماجها‭ ‬في‭ ‬الفعل‭ ‬العدائي‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبدو‭ ‬الشركات‭ ‬التجارية‭ ‬فاعلة‭ ‬وسطية‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭. ‬فهي‭ ‬تقف‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والسوق،‭ ‬وبين‭ ‬الأمن‭ ‬والشفافية،‭ ‬وبين‭ ‬الخدمة‭ ‬المدنية‭ ‬والدعم‭ ‬العسكري،‭ ‬وبين‭ ‬العمل‭ ‬التجاري‭ ‬والمسؤولية‭ ‬العامة‭. ‬وهذا‭ ‬الموقع‭ ‬الوسيط‭ ‬يجعلها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬الحرب‭ ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬تعلن‭ ‬ذلك،‭ ‬ويجعل‭ ‬قراراتها‭ ‬محملة‭ ‬بنتائج‭ ‬تتجاوز‭ ‬بكثير‭ ‬حدود‭ ‬العقد‭ ‬التجاري‭ ‬أو‭ ‬الخدمة‭ ‬التقنية‭.‬

أزمة‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬التجارية‭: ‬بعد‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬عسكرة‭ ‬البيانات‭ ‬الجيومكانية

إذا‭ ‬كانت‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬كشف‭ ‬الحقيقة،‭ ‬فإنها‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬الحقيقة‭. ‬فقد‭ ‬باتت‭ ‬الصور‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتأكيد‭ ‬سرديات‭ ‬سياسية،‭ ‬أو‭ ‬نفي‭ ‬مسؤولية،‭ ‬أو‭ ‬تضخيم‭ ‬خسائر،‭ ‬أو‭ ‬إخفاء‭ ‬أضرار،‭ ‬أو‭ ‬توجيه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬نحو‭ ‬تفسير‭ ‬معين‭. ‬وفي‭ ‬زمن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المشكلة‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬إساءة‭ ‬تفسير‭ ‬الصور‭ ‬الحقيقية،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬صور‭ ‬مزيفة‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬صور‭ ‬حقيقية‭ ‬بطريقة‭ ‬يصعب‭ ‬كشفها‭ ‬بسرعة‭.‬

تكمن‭ ‬قوة‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬تبدو‭ ‬موضوعية‭. ‬فهي‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬الأعلى،‭ ‬من‭ ‬الفضاء،‭ ‬خارج‭ ‬الانحياز‭ ‬الظاهر‭ ‬للبشر‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الموضوعية‭ ‬الظاهرة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬خادعة‭. ‬فالصورة‭ ‬لا‭ ‬تتكلم‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬اختيار،‭ ‬وقص،‭ ‬وتعليق،‭ ‬وسياق،‭ ‬ومقارنة،‭ ‬وتحليل‭. ‬والجهة‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬الصورة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬معها‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُفهم‭ ‬داخله‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الصراع‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬الصورة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬تفسيرها‭.‬

وقد‭ ‬تتحول‭ ‬الصورة‭ ‬الحقيقية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تضليل‭ ‬إذا‭ ‬أُخرجت‭ ‬من‭ ‬سياقها،‭ ‬أو‭ ‬نُسبت‭ ‬إلى‭ ‬زمان‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬مختلف،‭ ‬أو‭ ‬رُبطت‭ ‬باستنتاج‭ ‬غير‭ ‬مدعوم‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬للصورة‭ ‬المزيفة‭ ‬أو‭ ‬المعدلة‭ ‬أن‭ ‬تنتشر‭ ‬سريعاً‭ ‬على‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬الخبراء‭ ‬من‭ ‬كشفها‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬أثر‭ ‬التضليل‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الكذب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬الثقة‭ ‬بالأدلة‭ ‬البصرية‭ ‬عموماً‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬مفارقة‭ ‬خطيرة‭: ‬كلما‭ ‬زادت‭ ‬قدرة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬صور‭ ‬مقنعة،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الأسهل‭ ‬على‭ ‬الفاعلين‭ ‬المتورطين‭ ‬في‭ ‬الانتهاكات‭ ‬أن‭ ‬ينكروا‭ ‬الصور‭ ‬الحقيقية‭ ‬أيضاً‭. ‬فالاتهام‭ ‬بالتزييف‭ ‬يصبح‭ ‬أداة‭ ‬دفاع‭ ‬سياسي‭. ‬وبذلك‭ ‬يؤدي‭ ‬التضليل‭ ‬البصري‭ ‬إلى‭ ‬نتيجتين‭ ‬متلازمتين‭: ‬إنتاج‭ ‬صور‭ ‬كاذبة،‭ ‬وتدمير‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الصور‭ ‬الصحيحة‭.‬

يتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬تطوير‭ ‬أخلاقيات‭ ‬ومناهج‭ ‬جديدة‭ ‬للتحقق‭ ‬البصري‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافياً‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الصورة‭ ‬عالية‭ ‬الدقة‭ ‬أو‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬مزود‭ ‬معروف‭. ‬يجب‭ ‬فحص‭ ‬مصدرها،‭ ‬وتاريخ‭ ‬التقاطها،‭ ‬وبياناتها‭ ‬الوصفية،‭ ‬وسلسلة‭ ‬تداولها،‭ ‬والتناسق‭ ‬الجغرافي،‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بصور‭ ‬أخرى،‭ ‬واحتمالات‭ ‬تعديلها‭ ‬أو‭ ‬توليدها‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الخبرة‭ ‬التقنية‭ ‬والمعرفة‭ ‬الميدانية‭ ‬والسياق‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري،‭ ‬لأن‭ ‬الصورة‭ ‬دون‭ ‬سياق‭ ‬قد‭ ‬تُنتج‭ ‬معرفة‭ ‬ناقصة‭ ‬أو‭ ‬مضللة‭.‬

كما‭ ‬يجب‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬يهدد‭ ‬فقط‭ ‬بإنتاج‭ ‬صور‭ ‬مزيفة،‭ ‬بل‭ ‬يهدد‭ ‬أيضاً‭ ‬بإنتاج‭ ‬تحليلات‭ ‬خاطئة‭ ‬لصور‭ ‬حقيقية‭. ‬فقد‭ ‬تحدد‭ ‬الخوارزمية‭ ‬موقعاً‭ ‬أو‭ ‬نمطاً‭ ‬أو‭ ‬تغيراً‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬دقيقة،‭ ‬ثم‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬عسكري‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬مساءلة‭ ‬الخوارزميات‭ ‬تصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مساءلة‭ ‬الصورة‭ ‬نفسها،‭ ‬كما‭ ‬تصبح‭ ‬سلامة‭ ‬سلسلة‭ ‬البيانات‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬سلامة‭ ‬الدليل‭ ‬البصري‭.‬

من‭ ‬الصورة‭ ‬إلى‭ ‬الاستهداف‭: ‬الإشكال‭ ‬القانوني‭ ‬والأخلاقي

تطرح‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية‭ ‬سؤالاً‭ ‬قانونياً‭ ‬مهماً‭: ‬متى‭ ‬تبقى‭ ‬الصورة‭ ‬نشاطاً‭ ‬مدنياً‭ ‬مشروعاً،‭ ‬ومتى‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية؟‭ ‬إن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬المدنيين‭ ‬والمقاتلين،‭ ‬وبين‭ ‬الأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬والأهداف‭ ‬العسكرية،‭ ‬لكنه‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبة‭ ‬متزايدة‭ ‬عندما‭ ‬تقدم‭ ‬شركات‭ ‬مدنية‭ ‬بيانات‭ ‬أو‭ ‬تحليلات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُستخدم‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭.‬

فليست‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية‭ ‬تمثل‭ ‬دعماً‭ ‬عسكرياً‭ ‬مباشراً‭. ‬فالنشر‭ ‬العام،‭ ‬والتوثيق‭ ‬بعد‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتحليل‭ ‬الأضرار‭ ‬لأغراض‭ ‬إعلامية‭ ‬أو‭ ‬إنسانية،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بالتقييم‭ ‬اللاحق‭ ‬للضربة،‭ ‬تبقى‭ ‬غالباً‭ ‬ضمن‭ ‬النشاط‭ ‬المدني‭ ‬أو‭ ‬المعرفي‭ ‬المشروع‭. ‬أما‭ ‬تقديم‭ ‬صور‭ ‬حديثة‭ ‬ومخصصة‭ ‬لطرف‭ ‬من‭ ‬أطراف‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تنفيذ‭ ‬ضربة‭ ‬محددة‭ ‬أو‭ ‬تحسين‭ ‬استهداف‭ ‬محدد،‭ ‬فقد‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬قانونية‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة،‭ ‬لأنه‭ ‬يصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الفعل‭ ‬العدائي‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬التمهيد‭ ‬المباشر‭ ‬له‭.‬

هنا‭ ‬يظهر‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الصورة‭ ‬كوثيقة‭ ‬والصورة‭ ‬كخدمة‭ ‬عملياتية‭. ‬فالصورة‭ ‬التي‭ ‬يطلع‭ ‬عليها‭ ‬الجميع‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬تُطلب‭ ‬لمنطقة‭ ‬محددة،‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬محدد،‭ ‬وتُحلل‭ ‬لصالح‭ ‬طرف‭ ‬محدد،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬محددة‭. ‬وكلما‭ ‬زادت‭ ‬درجة‭ ‬التخصيص‭ ‬والسرعة‭ ‬والارتباط‭ ‬بالفعل‭ ‬العدائي،‭ ‬اقترب‭ ‬الدعم‭ ‬التجاري‭ ‬من‭ ‬الإشكال‭ ‬القانوني،‭ ‬وربما‭ ‬من‭ ‬نقاش‭ ‬المشاركة‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الأشخاص،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬الأعيان‭ ‬والأنظمة‭. ‬فقد‭ ‬يظل‭ ‬موظفو‭ ‬شركة‭ ‬تجارية‭ ‬مدنيين،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬العقد‭ ‬التقنية،‭ ‬مثل‭ ‬محطة‭ ‬أرضية،‭ ‬أو‭ ‬خادم‭ ‬معالجة،‭ ‬أو‭ ‬قمر‭ ‬صناعي،‭ ‬أو‭ ‬واجهة‭ ‬بيانات،‭ ‬قد‭ ‬تُطرح‭ ‬بشأنها‭ ‬أسئلة‭ ‬قانونية‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تقدم‭ ‬مساهمة‭ ‬فعالة‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬عسكري‭ ‬وتحقق‭ ‬مهاجمتها‭ ‬أو‭ ‬تعطيلها‭ ‬ميزة‭ ‬عسكرية‭ ‬محددة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬قمر‭ ‬أو‭ ‬خادم‭ ‬أو‭ ‬منشأة‭ ‬تجارية‭ ‬يصبح‭ ‬هدفاً‭ ‬مشروعاً‭ ‬لمجرد‭ ‬أنه‭ ‬مفيد‭ ‬عسكرياً‭.‬

تكمن‭ ‬الصعوبة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الأنظمة‭ ‬التجارية‭ ‬مزدوجة‭ ‬الاستخدام‭. ‬فقد‭ ‬تخدم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الأنشطة‭ ‬التجارية،‭ ‬والصحفيين،‭ ‬والباحثين،‭ ‬والمنظمات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والشركات‭ ‬المدنية،‭ ‬والجيوش‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تعامل‭ ‬عسكري‭ ‬معها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يراعي‭ ‬التمييز‭ ‬والتناسب‭ ‬والاحتياطات‭. ‬فتعطيل‭ ‬بنية‭ ‬تجارية‭ ‬كاملة‭ ‬قد‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬المدنيين،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬إنسانية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الحرب‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحويل‭ ‬المنفعة‭ ‬العسكرية‭ ‬المحتملة‭ ‬إلى‭ ‬ترخيص‭ ‬مفتوح‭ ‬للاستهداف‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬آلي‭ ‬لكل‭ ‬نظام‭ ‬تجاري‭ ‬هدفاً‭ ‬عسكرياً‭.‬

الأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬سوء‭ ‬التصنيف‭. ‬فإذا‭ ‬اعتُبر‭ ‬كل‭ ‬دعم‭ ‬تجاري‭ ‬تهديداً‭ ‬عسكرياً،‭ ‬فقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الأهداف‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يضر‭ ‬بالحماية‭ ‬المدنية‭. ‬وإذا‭ ‬اعتُبر‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬تجاري‭ ‬محمياً‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬الاستهداف،‭ ‬فقد‭ ‬يُفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تحويل‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬حرب‭ ‬غير‭ ‬خاضعة‭ ‬للمساءلة‭ ‬الكافية‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬تقييم‭ ‬دقيق‭ ‬حسب‭ ‬الوظيفة،‭ ‬والزمن،‭ ‬والمستخدم،‭ ‬وسياق‭ ‬الاستخدام‭.‬

بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬جديدة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬تطبيق‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬للمبادئ‭ ‬القائمة‭. ‬فالسؤال‭ ‬ليس‭: ‬هل‭ ‬الصورة‭ ‬تجارية‭ ‬أم‭ ‬عسكرية؟‭ ‬بل‭: ‬كيف‭ ‬استُخدمت؟‭ ‬لمن‭ ‬قُدمت؟‭ ‬متى‭ ‬قُدمت؟‭ ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬عامة‭ ‬أم‭ ‬مخصصة؟‭ ‬هل‭ ‬دعمت‭ ‬فهماً‭ ‬عاماً‭ ‬للوضع‭ ‬أم‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬فعل‭ ‬عدائي‭ ‬محدد؟‭ ‬وهل‭ ‬بقيت‭ ‬ضمن‭ ‬الوعي‭ ‬الظرفي‭ ‬العام‭ ‬أم‭ ‬أصبحت‭ ‬استخبارات‭ ‬استهداف‭ ‬تكتيكية؟‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬طبيعة‭ ‬المخاطر‭ ‬القانونية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالصور‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬الحوكمة‭ ‬المسؤولة،‭ ‬تتكامل‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭: ‬مسؤولية‭ ‬الشركات‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬الإتاحة‭ ‬والتأخير‭ ‬والتوزيع‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬واضحة،‭ ‬وإشراف‭ ‬الدول‭ ‬عبر‭ ‬الترخيص‭ ‬والرقابة‭ ‬المستمرة‭ ‬على‭ ‬الفاعلين‭ ‬الخاصين،‭ ‬وقواعد‭ ‬دولية‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬تمنع‭ ‬تحويل‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬استهداف‭.‬

الخاتمة

إن‭ ‬مستقبل‭ ‬الحروب‭ ‬لن‭ ‬يتحدد‭ ‬فقط‭ ‬بمن‭ ‬يمتلك‭ ‬السلاح،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بمن‭ ‬يمتلك‭ ‬الصورة،‭ ‬ومن‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬تدفقها،‭ ‬ومن‭ ‬يستطيع‭ ‬تفسيرها،‭ ‬ومن‭ ‬يقرر‭ ‬متى‭ ‬تُرى‭ ‬ومتى‭ ‬تُحجب‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬تتشابك‭ ‬فيه‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية،‭ ‬تصبح‭ ‬معركة‭ ‬الرؤية‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬القوة‭ ‬والحقيقة‭.‬

إن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬إطلاقها‭ ‬بلا‭ ‬قيود،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬حوكمة‭ ‬مسؤولة‭ ‬لتنظيمها،‭ ‬تميز‭ ‬بين‭ ‬الاستخدام‭ ‬التجاري‭ ‬والإنساني‭ ‬والاستخدام‭ ‬العملياتي‭ ‬العسكري،‭ ‬وبين‭ ‬التوثيق‭ ‬بعد‭ ‬الضربة‭ ‬والدعم‭ ‬الفوري‭ ‬للاستهداف،‭ ‬وبين‭ ‬الشفافية‭ ‬الضرورية‭ ‬والشفافية‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬أمني‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تربط‭ ‬الشركات‭ ‬بمسؤوليات‭ ‬أوضح،‭ ‬والدول‭ ‬بإشراف‭ ‬أكثر‭ ‬دقة،‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بقواعد‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭.‬

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬عسكرة‭ ‬البيانات‭ ‬الجيومكانية‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬والشركات‭ ‬التجارية‭ ‬والصحفيين‭ ‬والباحثين‭ ‬والمنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬مسؤولية‭ ‬جديدة‭: ‬حماية‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬دون‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬قتل،‭ ‬وحماية‭ ‬الأمن‭ ‬دون‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬ذريعة‭ ‬لحجب‭ ‬الحقيقة‭. ‬وبين‭ ‬هذين‭ ‬الحدين‭ ‬تتحدد‭ ‬أخلاقيات‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬ضبط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الصورة،‭ ‬والتحليل،‭ ‬والاستهداف،‭ ‬والمسؤولية‭ ‬القانونية‭ ‬أحد‭ ‬شروط‭ ‬حماية‭ ‬الإنسان‭ ‬والحقيقة‭ ‬معاً‭.‬

الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬وائل‭ ‬صالح‭ ‬مدير‭ ‬بمركز‭ ‬تريندز‭ ‬للبحوث‭ ‬والاستشارات‭ ‬بفرنسا‭ ‬وكندا‭

Youtube
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض