WEB_0008_Layer 4

الزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحـرب‭ ‬المـعاصرة

تكشف‭ ‬الحربان‭ ‬الروسية‭-‬الأوكرانية‭ ‬والإسرائيلية‭-‬الأمريكية‭-‬الإيرانية‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تطور‭ ‬الأسلحة‭ ‬أو‭ ‬اتساع‭ ‬ميادين‭ ‬القتال،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬مورداً‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬القوة‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬ففي‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭-‬الأوكرانية،‭ ‬استُخدم‭ ‬الزمن‭ ‬أداةً‭ ‬للاستنزاف‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬عبر‭ ‬إطالة‭ ‬الصراع‭ ‬وتعظيم‭ ‬كلفته،‭ ‬بينما‭ ‬استُخدم‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬الإسرائيلية‭-‬الأمريكية‭-‬الإيرانية‭ ‬لإدارة‭ ‬التصعيد‭ ‬عبر‭ ‬الضربات‭ ‬المتتابعة،‭ ‬والهدن‭ ‬المؤقتة،‭ ‬والضغوط‭ ‬التفاوضية،‭ ‬وضبط‭ ‬عتبات‭ ‬المواجهة‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬يُقاس‭ ‬بالقوة‭ ‬النارية‭ ‬أو‭ ‬السيطرة‭ ‬الجغرافية‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬إيقاع‭ ‬الحرب،‭ ‬وتسريعها‭ ‬أو‭ ‬إبطائها،‭ ‬وإطالتها‭ ‬أو‭ ‬تجزئتها،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬إرادة‭ ‬الخصم‭ ‬السياسية‭ ‬والنفسية‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬تطوراً‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الزمن‭ ‬داخل‭ ‬الفكر‭ ‬العسكري؛‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬ارتبط‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬التقليدية‭ ‬بحركة‭ ‬الجيوش،‭ ‬والمسافات،‭ ‬ومواسم‭ ‬القتال،‭ ‬واختيار‭ ‬توقيت‭ ‬الهجوم‭ ‬أو‭ ‬الانسحاب،‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الصناعية‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬التعبئة‭ ‬الشاملة،‭ ‬والإنتاج‭ ‬العسكري،‭ ‬وسرعة‭ ‬النقل،‭ ‬وإدارة‭ ‬الجبهات،‭ ‬ثم‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬استراتيجي‭ ‬مستقل‭ ‬يرتبط‭ ‬بسرعة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬وتزامن‭ ‬العمليات،‭ ‬وإدارة‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة،‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬وتيرة‭ ‬الصراع‭ ‬عبر‭ ‬المجالات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والإعلامية‭. ‬وقد‭ ‬عكست‭ ‬الأدبيات‭ ‬هذا‭ ‬التطور؛‭ ‬إذ‭ ‬قدم‭ ‬Hiltunen‭ ‬وHuhtinen‭ ‬في‭ ‬The Holistic Framework of Time for Warfare‭  ‬تصوراً‭ ‬شمولياً‭ ‬للزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬ظاهرة‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الأبعاد‭ ‬البيولوجية‭ ‬والنفسية‭ ‬والثقافية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاستراتيجية‭.‬‭ ‬كما‭ ‬أوضحت‭ ‬دراسة‭ ‬Hanska،‭ ‬Times of War and War over Time،‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬إدارة‭ ‬الزمن‭ ‬والتوقيت‭ ‬داخل‭ ‬الفن‭ ‬العملياتي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اختيار‭ ‬اللحظة‭ ‬المناسبة،‭ ‬وتسلسل‭ ‬الأفعال،‭ ‬وسرعة‭ ‬التنفيذ‭. ‬وأضافت‭ ‬Emily Eason،‭ ‬في‭ ‬أطروحتها‭ ‬Temporalizing the Great War،‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬داخل‭ ‬الزمن‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تُنتج‭ ‬زمناً‭ ‬خاصاً‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬والمستقبل،‭ ‬ويولد‭ ‬أنماطاً‭ ‬مثل‭ ‬زمن‭ ‬الانتظار،‭ ‬وزمن‭ ‬الخنادق،‭ ‬والزمن‭ ‬المتوقف،‭ ‬والمتكرر‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأدبيات،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها،‭ ‬انحصرت‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬العمليات،‭ ‬دون‭ ‬معالجته‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تنطلق‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬لتأصيل‭ ‬مفهوم‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ (‬Time in Warfare‭) ‬والزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬للحرب‭ (‬Time as a Strategic Instrument of Warfare‭).  ‬فلا‭ ‬يُقصد‭ ‬بالإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب‭ ‬مجرد‭ ‬توقيت‭ ‬العمليات،‭ ‬وإنما‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬تُدار‭ ‬بها‭ ‬الحرب‭ ‬استراتيجياً‭ ‬عبر‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬سرعتها،‭ ‬ومدتها،‭ ‬وكثافتها،‭ ‬وإيقاع‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة،‭ ‬بما‭ ‬يحول‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬للقوة‭ ‬يُستخدم‭ ‬لاستنزاف‭ ‬الخصم،‭ ‬وإرباك‭ ‬قراراته،‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬إدراكه‭ ‬السياسي‭ ‬والنفسي،‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬شروط‭ ‬التفاوض‭ ‬ونتائج‭ ‬الصراع‭. ‬وبهذا‭ ‬تنتقل‭ ‬الدراسة‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬التوقيت‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬الإيقاع،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬لحظة‭ ‬الفعل،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬إدارة‭ ‬الحرب‭ ‬بأكملها‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬أفضلية‭ ‬استراتيجية‭ ‬مستدامة‭ ‬ويفرض‭ ‬على‭ ‬الخصم‭ ‬زمناً‭ ‬لا‭ ‬يملكه‭.‬

وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تهدف‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬مساهمة‭ ‬نظرية‭ ‬تنقل‭ ‬الزمن‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬متغيراً‭ ‬شارحاً‭ ‬للحرب‭ ‬إلى‭ ‬اعتباره‭ ‬مورداً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬يُدار‭ ‬ويُوظف‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬الأهداف‭ ‬المترابطة‭ ‬التالية‭: ‬تأصيل‭ ‬مفهوم‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أبعاد‭ ‬القوة‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وتحليل‭ ‬تحولات‭ ‬إدارة‭ ‬الزمن‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الحسم‭ ‬الخاطف‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الإطالة،‭ ‬والتقطيع،‭ ‬والتسريع،‭ ‬والإبطاء،‭ ‬وإدارة‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة،‭ ‬ثم‭ ‬اختبار‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬النظري‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مقارنة‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭-‬الأوكرانية‭ ‬بالحرب‭ ‬الإسرائيلية‭-‬الأمريكية‭-‬الإيرانية‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬أنماط‭ ‬توظيف‭ ‬الزمن‭ ‬بين‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬الممتدة‭ ‬والحرب‭ ‬المتقطعة‭ ‬المضبوطة‭ ‬الإيقاع‭.‬

إدارة‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭: ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الحسم‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني

لم‭ ‬يكن‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الحسم‭ ‬العسكري‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬وليد‭ ‬الحروب‭ ‬الراهنة،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬تطور‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬والزمن‭. ‬ففي‭ ‬الحروب‭ ‬التقليدية‭ ‬ارتبط‭ ‬الزمن‭ ‬بحركة‭ ‬الجيوش،‭ ‬والمسافات،‭ ‬ومواسم‭ ‬القتال،‭ ‬وإدارة‭ ‬المناورة،‭ ‬وكانت‭ ‬إدارته‭ ‬تعني‭ ‬اختيار‭ ‬اللحظة‭ ‬الأنسب‭ ‬للهجوم‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬أو‭ ‬الحصار‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الصناعية،‭ ‬فقد‭ ‬اتسع‭ ‬مفهوم‭ ‬الزمن‭ ‬ليشمل‭ ‬سرعة‭ ‬التعبئة،‭ ‬والإنتاج‭ ‬العسكري،‭ ‬والنقل،‭ ‬وإدارة‭ ‬الجبهات‭ ‬الممتدة،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبح‭ ‬زمن‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والاقتصاد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ظل‭ ‬الفكر‭ ‬العسكري‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬مورداً‭ ‬ينبغي‭ ‬اختصاره،‭ ‬لأن‭ ‬إطالة‭ ‬الحرب‭ ‬تعني‭ ‬استنزاف‭ ‬الموارد،‭ ‬وارتفاع‭ ‬الكلفة،‭ ‬وتراجع‭ ‬فرص‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالمبادأة‭. ‬ولذلك‭ ‬ارتبط‭ ‬النجاح‭ ‬العسكري‭ ‬تاريخياً‭ ‬بسرعة‭ ‬الحسم،‭ ‬وتحقيق‭ ‬المفاجأة،‭ ‬وإنهاء‭ ‬المعركة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬الخصم‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬قواته‭ ‬أو‭ ‬تعبئة‭ ‬موارده‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬وتعدد‭ ‬مجالات‭ ‬الصراع،‭ ‬أظهرت‭ ‬محدودية‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الحروب‭ ‬أكثر‭ ‬امتداداً‭ ‬وتشابكاً،‭ ‬وتداخلت‭ ‬فيها‭ ‬الأبعاد‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬المستويات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والإعلامية‭ ‬والسيبرانية‭ ‬والمعلوماتية‭ ‬والإدراكية،‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الحسم‭ ‬العسكري‭ ‬السريع‭ ‬هو‭ ‬المحدد‭ ‬الممكن‭ ‬أو‭ ‬الوحيد‭ ‬للنجاح‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬وأصبحت‭ ‬نتائج‭ ‬الحرب‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الفاعلين‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬صراع‭ ‬متعدد‭ ‬المستويات،‭ ‬تتفاعل‭ ‬داخله‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬والحملات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬والضغوط‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬والتنافس‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الزمن‭ ‬عاملاً‭ ‬منتجاً‭ ‬للقوة‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬إطار‭ ‬تتحرك‭ ‬داخله‭ ‬القوة‭.‬

وأدى‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬انتقال‭ ‬الزمن‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬عنصراً‭ ‬تنظيمياً‭ ‬للعمل‭ ‬العسكري‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬استراتيجي‭ ‬مستقل‭ ‬يمكن‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيله‭ ‬وتوظيفه‭ ‬وفقاً‭ ‬للأهداف‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭. ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬القرارات‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها‭ ‬تمتلك‭ ‬زمنها‭ ‬الخاص،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬القرارات‭ ‬السياسية،‭ ‬والتعبئة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والحرب‭ ‬السيبرانية،‭ ‬والعمليات‭ ‬المعلوماتية،‭ ‬والتحركات‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬والاستجابات‭ ‬المجتمعية‭ ‬تتحرك‭ ‬جميعها‭ ‬وفق‭ ‬إيقاعات‭ ‬زمنية‭ ‬متداخلة،‭ ‬ينعكس‭ ‬تفاعلها‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬الصراع‭ ‬ونتائجه‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬أصبحت‭ ‬إدارة‭ ‬الزمن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬عامل‭ ‬مساعد‭ ‬لها‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مفهوم‭ ‬التوقيت‭ ‬كافياً‭ ‬لتفسير‭ ‬ديناميات‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة،‭ ‬لأنه‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬لحظة‭ ‬مناسبة‭ ‬لبدء‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬إنهائها‭. ‬أما‭ ‬الحروب‭ ‬الراهنة‭ ‬فتتطلب‭ ‬مفهوماً‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬هو‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬زمن‭ ‬الفعل‭ ‬العسكري،‭ ‬وإنما‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬الصراع،‭ ‬ومدته،‭ ‬وكثافة‭ ‬عملياته،‭ ‬وفترات‭ ‬انقطاعه،‭ ‬وإيقاع‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬الزمن‭ ‬نفسه‭ ‬لخدمة‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المبادأة‭ ‬تتحقق‭ ‬بمجرد‭ ‬اختيار‭ ‬توقيت‭ ‬مناسب،‭ ‬وإنما‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬يتحرك‭ ‬داخله‭ ‬الخصم،‭ ‬وتقليص‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬القرار‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬وإطالة‭ ‬زمن‭ ‬استجابته،‭ ‬وإجباره‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬إيقاع‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬التحكم‭ ‬فيه‭.‬

وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬يتجاوز‭ ‬مفهوم‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب‭ ‬إدارة‭ ‬التوقيت‭ ‬داخل‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬الزمن‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الصراع‭ ‬بأكمله‭. ‬فالحرب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬سلسلة‭ ‬متتابعة‭ ‬من‭ ‬المعارك،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬ديناميكية‭ ‬يُعاد‭ ‬فيها‭ ‬تشكيل‭ ‬الزمن‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فعالية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بسرعة‭ ‬الحسم‭ ‬أو‭ ‬بطول‭ ‬أمد‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتهما،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرة‭ ‬الفاعل‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬الصراع،‭ ‬ومدته،‭ ‬وكثافته،‭ ‬وانقطاعاته،‭ ‬ومستويات‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة،‭ ‬بما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الخصم‭ ‬إيقاعاً‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬التحكم‭ ‬فيه‭.‬

ويقوم‭ ‬هذا‭ ‬الإيقاع‭ ‬على‭ ‬خمس‭ ‬آليات‭ ‬مترابطة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬مراحل‭ ‬متعاقبة،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬مرنة‭ ‬تتداخل‭ ‬وفقاً‭ ‬لتغير‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬تتمثل‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الإطالة،‭ ‬حيث‭ ‬يُستخدم‭ ‬الزمن‭ ‬أداة‭ ‬للاستنزاف‭ ‬عبر‭ ‬إنهاك‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والنفسية‭ ‬للخصم،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لا‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬تعثرها‭. ‬أما‭ ‬التسريع،‭ ‬فيهدف‭ ‬إلى‭ ‬تكثيف‭ ‬العمليات‭ ‬وفرض‭ ‬وقائع‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬الخصم‭ ‬من‭ ‬التكيف‭ ‬أو‭ ‬استعادة‭ ‬المبادأة،‭ ‬بما‭ ‬يقلص‭ ‬زمن‭ ‬استجابته‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الضغط‭ ‬عليه‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يقوم‭ ‬الإبطاء‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬وتيرة‭ ‬العمليات‭ ‬بصورة‭ ‬مقصودة‭ ‬لإعادة‭ ‬التموضع،‭ ‬أو‭ ‬استكمال‭ ‬التعبئة،‭ ‬أو‭ ‬انتظار‭ ‬تحولات‭ ‬استراتيجية‭ ‬تمنح‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭ ‬مزايا‭ ‬إضافية،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬البطء‭ ‬نفسه‭ ‬أداة‭ ‬لإدارة‭ ‬القوة‭ ‬وليس‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬ضعفها‭. ‬أما‭ ‬التقطيع،‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الحرب‭ ‬عبر‭ ‬جولات‭ ‬متعاقبة‭ ‬تتخللها‭ ‬هدن‭ ‬مؤقتة،‭ ‬أو‭ ‬مفاوضات،‭ ‬أو‭ ‬فترات‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬القدرات،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬الانتقال‭ ‬بين‭ ‬القتال‭ ‬والتفاوض‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬الصراع،‭ ‬وليس‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭. ‬وتكتمل‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬بآلية‭ ‬إدارة‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة،‭ ‬التي‭ ‬توظف‭ ‬مستويات‭ ‬العنف‭ ‬بصورة‭ ‬محسوبة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الردع،‭ ‬أو‭ ‬تحسين‭ ‬شروط‭ ‬التفاوض،‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬ضبط‭ ‬مسار‭ ‬المواجهة،‭ ‬بحيث‭ ‬يغدو‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة‭ ‬أداتين‭ ‬لإدارة‭ ‬الإيقاع،‭ ‬لا‭ ‬غايتين‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتهما‭. ‬

ولا‭ ‬تعمل‭ ‬هذه‭ ‬الآليات‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة،‭ ‬وإنما‭ ‬تتفاعل‭ ‬داخل‭ ‬الصراع‭ ‬الواحد‭ ‬تبعاً‭ ‬لتغير‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭. ‬فقد‭ ‬يبدأ‭ ‬الصراع‭ ‬بمنطق‭ ‬التسريع‭ ‬لفرض‭ ‬المبادأة،‭ ‬ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬الإطالة‭ ‬عندما‭ ‬يتعذر‭ ‬الحسم،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتخذ‭ ‬شكلاً‭ ‬متقطعاً‭ ‬عبر‭ ‬هدن‭ ‬أو‭ ‬جولات‭ ‬تفاوض،‭ ‬أو‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬التصعيد‭ ‬أو‭ ‬الإبطاء‭ ‬استجابةً‭ ‬لتحولات‭ ‬الميدان‭ ‬أو‭ ‬الضغوط‭ ‬الدولية‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الزمن‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬عملية‭ ‬خطية،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬مستمرة‭ ‬يعاد‭ ‬فيها‭ ‬تشكيل‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬ويترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الزمن‭ ‬مورداً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬المجال‭ ‬البري‭ ‬أو‭ ‬البحري‭ ‬أو‭ ‬الجوي‭ ‬أو‭ ‬السيبراني‭ ‬أو‭ ‬المعلوماتي‭ ‬والإدراكي‭.‬

الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب‭ ‬بين‭ ‬الاستنزاف‭ ‬والتصعيد‭ ‬المضبوط‭: ‬مقارنة‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ -‬الأوكرانية‭ ‬والحرب‭ ‬الأمريكية‭ – ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران

وتهدف‭ ‬المقارنة‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬صلاحية‭ ‬مفهوم‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬نمطين‭ ‬مختلفين‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭. ‬فالحرب‭ ‬الروسية‭-‬الأوكرانية‭ ‬النموذج‭ ‬الأبرز‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بحرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬الممتدة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الزمن‭ ‬عاملاً‭ ‬ينبغي‭ ‬تقليصه‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬نصر‭ ‬سريع،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبح‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬فمنذ‭ ‬تعثر‭ ‬سيناريو‭ ‬الحسم‭ ‬السريع،‭ ‬انتقل‭ ‬الصراع‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬الحرب،‭ ‬وتحويل‭ ‬استمرارها‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لإضعاف‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والبشرية‭ ‬للطرف‭ ‬المقابل،‭ ‬وإرهاق‭ ‬إرادته‭ ‬السياسية،‭ ‬واستنزاف‭ ‬موارده‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الجبهات‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬ميدان‭ ‬الصراع،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬التنافس‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬والصناعة‭ ‬العسكرية،‭ ‬والعقوبات،‭ ‬والطاقة،‭ ‬والدعم‭ ‬الدولي،‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬التماسك‭ ‬المجتمعي،‭ ‬بما‭ ‬جعل‭ ‬الزمن‭ ‬نفسه‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تقدم‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ – ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬نموذجاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬لإدارة‭ ‬الزمن،‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بالحرب‭ ‬المضبوطة‭ ‬الإيقاع،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيسي‭ ‬إطالة‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬انتصار‭ ‬عسكري‭ ‬شامل،‭ ‬وإنما‭ ‬إدارة‭ ‬مستويات‭ ‬التصعيد‭ ‬بصورة‭ ‬دقيقة‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬انزلاق‭ ‬المواجهة‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬واسعة،‭ ‬مع‭ ‬الإبقاء‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬العسكري‭ ‬والسياسي‭ ‬يكفل‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يُستخدم‭ ‬الزمن‭ ‬هنا‭ ‬لإطالة‭ ‬الصراع‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة،‭ ‬بل‭ ‬لإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬إيقاعه‭ ‬عبر‭ ‬الضربات‭ ‬المحدودة،‭ ‬والردود‭ ‬المحسوبة،‭ ‬وفترات‭ ‬التهدئة،‭ ‬والتحركات‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬والمسارات‭ ‬التفاوضية،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبح‭ ‬الانتقال‭ ‬بين‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬نفسها‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬المباشر‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬احتلال‭ ‬أراضٍ،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬يتحرك‭ ‬داخلها‭ ‬النظام،‭ ‬وفرض‭ ‬معادلات‭ ‬جديدة‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬خياراته‭. ‬واتجهت‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬دوافع‭ ‬الصراع،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي،‭ ‬والقدرات‭ ‬الصاروخية،‭ ‬وشبكة‭ ‬الوكلاء‭ ‬الإقليميين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دفع‭ ‬إيران‭ ‬نحو‭ ‬نمط‭ ‬مختلف‭ ‬من‭ ‬السلوك‭ ‬الإقليمي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬مستوى‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬ترتيبات‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭. ‬وبذلك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المستهدف‭ ‬بالضرورة‭ ‬تغيير‭ ‬بنية‭ ‬السلطة،‭ ‬وإنما‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬وظيفة‭ ‬النظام‭ ‬وسلوكه‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬الحرب‭.‬

ويكشف‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬أن‭ ‬التصعيد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التهدئة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب،‭ ‬وإنما‭ ‬شكل‭ ‬كلاهما‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للصراع‭. ‬فقد‭ ‬استُخدمت‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬لإنتاج‭ ‬ضغط‭ ‬تراكمي‭ ‬يفرض‭ ‬تعديلات‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬بينما‭ ‬استُخدمت‭ ‬فترات‭ ‬التهدئة‭ ‬لإعادة‭ ‬التموضع،‭ ‬وامتصاص‭ ‬الضغوط‭ ‬الدولية،‭ ‬وإتاحة‭ ‬المجال‭ ‬للمسارات‭ ‬التفاوضية،‭ ‬دون‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬أدوات‭ ‬الردع‭ ‬أو‭ ‬الضغط‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬أصبح‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬وتيرة‭ ‬الحرب‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬توسع‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تجسد‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬آليات‭ ‬التقطيع‭ ‬وإدارة‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬مفهوم‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب‭.‬

وتكشف‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الحالتين‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬الجوهري‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬العنف،‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬المستخدمة،‭ ‬أو‭ ‬طبيعة‭ ‬الفاعلين،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الوظيفة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للزمن‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬حرب‭. ‬ففي‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية–الأوكرانية،‭ ‬يُستخدم‭ ‬الزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬وسيلة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬عبر‭ ‬الاستنزاف‭ ‬التدريجي،‭ ‬حيث‭ ‬يراهن‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الصراع‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إنهاك‭ ‬خصمه‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وعسكرياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬ونفسياً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إنهاكه‭ ‬هو‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ – ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬فإن‭ ‬الزمن‭ ‬يؤدي‭ ‬وظيفة‭ ‬مختلفة؛‭ ‬إذ‭ ‬يُدار‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬لضبط‭ ‬التصعيد‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬سقف‭ ‬المواجهة،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬استراتيجية‭ ‬محددة‭ ‬دون‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬مفتوحة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭.‬

واعتمدت‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أربعة‭ ‬مؤشرات‭ ‬لتحليل‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحربين‭: ‬المدة،‭ ‬والسرعة،‭ ‬والكثافة،‭ ‬ودرجة‭ ‬الانقطاع،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بقياس‭ ‬أنماط‭ ‬إدارة‭ ‬الزمن‭ ‬ومقارنتها‭ ‬بين‭ ‬الحالتين‭. ‬

وبتطبيق‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ – ‬الأوكرانية،‭ ‬يظهر‭ ‬أنها‭ ‬اتخذت‭ ‬إيقاعاً‭ ‬زمنياً‭ ‬ممتداً،‭ ‬يتسم‭ ‬بطول‭ ‬المدة،‭ ‬ومحدودية‭ ‬الانقطاع،‭ ‬وتغير‭ ‬الكثافة‭ ‬العملياتية،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬والتعبئة،‭ ‬وإعادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العسكري‭ ‬بوصفها‭ ‬شروطاً‭ ‬أساسية‭ ‬لاستمرار‭ ‬الحرب‭ ‬وإدارة‭ ‬الاستنزاف‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ – ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬فتشير‭ ‬المؤشرات‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬إيقاع‭ ‬زمني‭ ‬أقصر‭ ‬وأكثر‭ ‬تقطعاً‭ ‬وتذبذباً؛‭ ‬إذ‭ ‬تتعاقب‭ ‬فيه‭ ‬فترات‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة،‭ ‬والضربات‭ ‬المحدودة،‭ ‬والتحركات‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬والمسارات‭ ‬التفاوضية،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الانقطاع‭ ‬عنصراً‭ ‬بنيوياً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع،‭ ‬لا‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬توقفه‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تستهدف‭ ‬الكثافة‭ ‬العسكرية‭ ‬تحقيق‭ ‬حسم‭ ‬شامل،‭ ‬بل‭ ‬إنتاج‭ ‬ضغط‭ ‬محسوب‭ ‬يكفي‭ ‬لتعديل‭ ‬سلوك‭ ‬الخصم‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬حساباته‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تتيح‭ ‬فترات‭ ‬التهدئة‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬المواقف،‭ ‬واحتواء‭ ‬الضغوط‭ ‬الدولية،‭ ‬ومنع‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الحرب‭.‬

الخاتمة‭ ‬

إن‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تطور‭ ‬أدوات‭ ‬القتال،‭ ‬أو‭ ‬تعدد‭ ‬الفاعلين،‭ ‬أو‭ ‬اتساع‭ ‬المجالات‭ ‬العملياتية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الزمن‭ ‬ذاته‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬موارد‭ ‬القوة‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬الزمن‭ ‬إطاراً‭ ‬محايداً‭ ‬تقع‭ ‬داخله‭ ‬الحرب،‭ ‬ولا‭ ‬متغيراً‭ ‬يُقاس‭ ‬بمدة‭ ‬العمليات‭ ‬أو‭ ‬سرعة‭ ‬تنفيذها،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبح‭ ‬مجالاً‭ ‬مستقلاً‭ ‬للمنافسة‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬تُصاغ‭ ‬على‭ ‬أساسه‭ ‬الخطط‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتُبنى‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الاستنزاف،‭ ‬والتصعيد،‭ ‬والردع،‭ ‬والضغط‭ ‬التفاوضي،‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬والنفسية‭ ‬للخصوم‭.‬‭ ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحرب‭ ‬تُدار‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬توظيف‭ ‬القوة‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬عبر‭ ‬توظيف‭ ‬الزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬عنصراً‭ ‬فاعلاً‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬القوة‭ ‬ذاتها‭.‬

وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬فإن‭ ‬فهم‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتضي،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬الإجابة‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬التقليدي‭: ‬متى‭ ‬تبدأ‭ ‬الحرب‭ ‬ومتى‭ ‬تنتهي؟‭ ‬بل‭ ‬يستلزم‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬وعمقاً‭: ‬كيف‭ ‬يُدار‭ ‬الزمن‭ ‬داخل‭ ‬الحرب،‭ ‬ومن‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬إيقاعه‭ ‬على‭ ‬الخصم؟‭ ‬فالحرب‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُدار‭ ‬داخل‭ ‬الزمن،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬تُدار‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭ ‬نفسه،‭ ‬بحيث‭ ‬يغدو‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬سرعته،‭ ‬ومدته،‭ ‬وكثافته،‭ ‬وانقطاعاته،‭ ‬ومستويات‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة،‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محددات‭ ‬الفاعلية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وأحد‭ ‬المتغيرات‭ ‬الحاكمة‭ ‬لمسار‭ ‬الصراع‭ ‬ونتائجه‭. ‬إن‭ ‬الإيقاع‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب‭ ‬ينبغي،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬أن‭ ‬يُعامل‭ ‬بوصفه‭ ‬بعداً‭ ‬مستقلاً‭ ‬من‭ ‬أبعاد‭ ‬القوة‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬والقدرة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والتفوق‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬المجالات‭ ‬البرية‭ ‬والبحرية‭ ‬والجوية‭ ‬والسيبرانية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬المجالين‭ ‬المعلوماتي‭ ‬والمعرفي‭ – ‬الإدراكي‭. ‬فالحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬القوة‭ ‬يعني‭ ‬أيضاً‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬يتحرك‭ ‬داخله‭ ‬الخصم،‭ ‬وإجباره‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قراراته‭ ‬ضمن‭ ‬إيقاع‭ ‬لا‭ ‬يختاره،‭ ‬بل‭ ‬يُفرض‭ ‬عليه‭. ‬وعليه،‭ ‬تصبح‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الزمن‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬السيطرة‭ ‬الاستراتيجية‭.‬●

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض