منذ الأيام الأولى لتوظيف القوة الجوية في الحروب، وحتى حقبة الحرب الباردة وما بعدها، ساهمت عدة عوامل في تعزيز أهمية القصف الاستراتيجي، إذ إنه كان ينظر إليه باعتباره الوسيلة الأقل تكلفة لردع التهديدات الموجهة للدولة، والوسيلة الأكثر حسماً لهزيمة الدول المعادية عند الضرورة. واقتراناً بهذه الأهمية، ساد جدل في الأدبيات العسكرية حول مدى فاعلية القصف الجوي في تغيير سياسة الخصوم، وصولاً إلى إجبارها على الاستسلام.

يسعى التحليل الحالي إلى الاستفادة من التاريخ العسكري للإجابة عن تساؤل حول مدى فاعلية القصف العسكري، والعوامل التي تعزز مثل هذه الفاعلية. وأخيراً، سوف يسعى التحليل إلى الخروج باستنتاجات حول القصف الأمريكي – الإسرائيلي على إيران خلال حرب الأربعين يوماً، وفرص نجاحها في إجبارها للجلوس على طاولة المفاوضات لتقديم التنازلات المطلوبة.
تاريخ «القصف الاستراتيجي»:
كان الجنرال الإيطالي «جوليو دوهِه» هو الرجل الأكثر ارتباطاً بفكرة القصف الاستراتيجي بعد الحرب العالمية الأولى، والذي كتب أول مؤلَّف عن القوة الجوية الاستراتيجية بعنوان «السيطرة على الجو» عام 1921. فقد أبدى انبهاراً بالقوة الجوية، إذ رأى أن قاذفات القنابل لا تقيّدها الجبال أو الخنادق أو الدفاعات أو المسافات. كما عبّر عن قناعاته بأن القوات الجوية ستتفوق على القوات العسكرية في البر والبحر، وأن قدرة العدو على مواصلة الحرب يمكن القضاء عليها. ولذلك، دعا إلى تدمير القوة الجوية للعدو في الجو وعلى الأرض مؤكداً أن: «الضرورة ليست فقط في قتل نسور العدو، بل أيضاً في تدمير بيضها وأعشاشها». وقد اعتُبرت مصانع إنتاج الطائرات لدى العدو أهدافاً استراتيجية رئيسية. وكان يعتقد أن هجمات القاذفات أمر لا مفر منه، وأن الدفاع ضدها عديم الجدوى. كما رأى أن مهاجمة السكان بكميات صغيرة نسبياً من المتفجرات والمواد الحارقة والغازات ستجعل الشعوب تُجبر قادتها على طلب السلام. وكان يؤمن بقوة القصف الاستراتيجي لدرجة أنه عدّها أحد الأسباب الرئيسية التي يمكن أن تردع الأعداء المحتملين عن الهجوم.
وعلى الرغم من هذا الإيمان، فقد ظلّ القصف الاستراتيجي، رغم تطوّره عبر الزمن، موضع جدل دائم بسبب صعوبة إثبات فعاليته. وخلال عمليات القصف الاستراتيجي، وبسبب قِصر الوقت الذي تقضيه الطائرة فوق الهدف والمسافة التي تفصلها عن الأرض، كان من الصعب تحديد النجاح أو الفشل اعتماداً على حجم الدمار المادي وحده. كما أن تقييم آثار القصف الاستراتيجي على الأهداف الحيوية للعدو يُعدّ مهمة معقدة، لأنه يتطلّب ليس فقط تقدير الأضرار المادية، بل تحليل القوة العسكرية للخصم بكاملها، وما طرأ عليها من دمار. وباختصار، فإن الأثر العام للقصف الاستراتيجي على العدو لم يكن غالباً واضحاً بشكل فوري، وقد يستغرق وقتاً طويلاً حتى تظهر نتائجه.
وتاريخياً، تعلّم مؤيّدو القصف الاستراتيجي في بريطانيا الدروس القاسية قبل الأمريكيين. ففي ديسمبر 1939، أرسل سلاح الجو الملكي البريطاني قوّة القاذفات الاستراتيجية المرموقة لمهاجمة ميناء فيلهلمسهافن الألماني. وقد أُسقطت 12 طائرة من أصل 22 شاركت في المهمة. ولم يكن أداء سلاح الجو الملكي أفضل بكثير مع استمرار الحرب. وتشير المؤرخة تامي ديفيس بيدل إلى أنه: «في الأشهر الأولى من عام 1943، لم يكن من المتوقع أن يُكمل سوى 17 % من أطقم قيادة القاذفات جولة المهام المطلوبة البالغة 30 مهمة». ومع ذلك، دخلت القوات الجوية لجيش الولايات المتحدة «الحملة المشتركة للقصف» بثقة مفرطة، متجاهلة الدروس التي تعلّمها البريطانيون، ومتيقّنة من أن تفوّقها التكنولوجي والعقائدي سيجعلها تنتصر.
وقد عبّر اللواء إيرا إيكر، قائد القوات الجوية الثامنة، عن ثقته بأن «التشكيلات الجوية المنفّذة بإتقان» من طائرات «بي – 17» (B‑17) يمكنها تنفيذ مهام القصف داخل ألمانيا بمعدل خسائر لا يتجاوز 5 %. وتسبّبت ضربات أغسطس 1943 على مصانع المقاتلات وغيرها من المصانع العسكرية في أضرار كبيرة للإنتاج الحربي الألماني، لكن في المقابل، فقدت الولايات المتحدة حوالي 60 طائرة «بي – 17» خلال العملية. وقد خسر أحد ألوية القصف، بقيادة العقيد كورتيس ليمَي، 9 طائرات من أصل 21 في مهمة شفَينفورت–ريغنسبورغ في 17 أغسطس 1943. وبلغ هذا الاستنزاف غير القابل للاستمرار ذروته في غارات أكتوبر على شفَينفورت، حيث تم إسقاط أو إتلاف 198 طائرة من أصل 291 قاذفة.
وعلى الجانب الآخر، فإن القصف الألماني للبريطانيين أخفق في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، إذ لم يؤدِّ إلى ترويع المدنيين، أو إضعاف معنوياتهم، كما لم يؤدِّ إلى إجبار الحكومة البريطانية على التفاوض. ويرى البعض أنه على النقيض، ترتب على القصف الألماني آثار عكسية، إذ أدى إلى تقوية معنويات المدنيين، وزيادة الالتحام مع الجيش البريطاني، خاصة مع معرفتهم بأن القوات الجوية البريطانية تنتقم من الألمان من خلال قصف المدن الألمانية.
وبالمثل، يُنظر عموماً إلى القصف الأمريكي على شمال فيتنام منذ أوائل عام 1965 وحتى قرار الرئيس جونسون بوقف القصف في مارس 1968، والذي عرف باسم «عملية الرعد المتدحرج» (Rolling Thunder) على أنه فشل في تحقيق هدفه المُعلن والمتكرر، والمتمثل في إقناع القيادة السياسية والعسكرية في هانوي بأنها تدفع ثمناً باهظاً للغاية مقابل استمرار حربها في جنوب فيتنام. وقد تحقق ذلك الإخفاق، على الرغم من أن كمية القنابل التي أُلقيت على فيتنام تفوق تلك التي أُلقيت خلال الحرب العالمية الثانية بأكملها. وبالمثل، توقّع الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون، في عام 1968، أنه بمجرد أن يعلم زعيم فيتنام الشمالية، هو تشي منه، أن نيكسون قد «يضغط على الزرّ النووي»، فإن هو سيكون «في باريس خلال يومين يتوسّل من أجل السلام»، غير أن ذلك لم يحدث كذلك.
وعلى الرغم من الأدلة التاريخية القليلة على فاعلية القصف الجوي، فإن مركزيتها لم تتراجع عن الفكر العسكري الأمريكي. ففي أوائل مارس 2003، قدّمت وزارة الدفاع الأمريكية رسمياً خطة عرفت باسم «الصدمة والترويع»، وهي خطة الحرب الخاصة بالهجوم على العراق. وكانت الفكرة تقوم على قصف الدولة بحوالي 3 آلاف قنبلة وصاروخ خلال 48 ساعة بهدف «إرغام القيادة العراقية على الاستسلام بسرعة عبر الصدمة». وكانت الخطة تقوم على قيام القاذفات الأمريكية من طراز «بي – 52» و«بي – 2» الشبحية بمهاجمة ثكنات وقواعد الحرس الجمهوري النخبوي والمقار الحكومية، بحيث يتم تدمير البنية التحتية العسكرية والسياسية للبلاد في اليوم الأول، إذ سيتم القضاء على القادة الرئيسيين، وإبادة وحدات عسكرية بالكامل، وقطع إمدادات الكهرباء. وبعدها سوف تتاح فترة زمنية قصيرة لكي يعلن الرئيس العراقي الأسبق، صدام حسين، الاستسلام، وفي حالة عدم استسلامه، فسيتم تدمير بغداد بالقوة الساحقة، مع التجاهل التام للخسائر المدنية، حتى أن أحد مسؤولي البنتاجون الأمريكي قد صرح لإحدى القنوات الأمريكية بأنه «لن يكون هناك مكان آمن في بغداد». وبالتالي، لم يكن «الصدمة والترويع» سوى إعادة صياغة لعقيدة القصف الاستراتيجي؛ وهي نظرية، كما سبقت الإشارة، طُرحت في نهاية الحرب العالمية الأولى تؤكّد أن القوة الجوية وحدها يمكنها، وينبغي لها، أن تحسم الحروب. ومع ذلك، فإن هذه الخطة لم تنجح واضطرت الولايات المتحدة إلى نشر قوات برية لتحقيق هدف الحرب.

محددات الفاعلية في الحروب:
في دراسة أجريت على حالات توظيف القوة الجوية في الصراعات المختلفة طوال الفترة الممتدة من 1914 إلى 2003، تكشف البيانات، أنه مثل معظم أشكال الإكراه، فإن القوة الجوية ليست ناجحة في كل الحالات، إذ أن الاعتماد على القوة الجوية كان يحقق فعالية في تحقيق الهدف السياسي في نحو 31 % من الحالات، ويفشل في حوالي 69 % منها. أما النجاح في تحقيق الأهداف العسكرية، فكان وفقاً للبيانات، حوالي 36.5 % من الحالات خلال نفس الفترة. ومع ذلك، يجب الأخذ في الاعتبار أنه حتى مع تحقيق هذه الأهداف العسكرية، فإن التغيير السياسي المنشود لا يتم تحقيقه بالضرورة.
وبمراجعة الحروب التاريخية السابقة، التي تم عرضها في القسم السابق، وكذلك الدراسة السابقة، يتضح أن القصف الاستراتيجي لم ينجح في العديد من الحالات، وهو ما يثير التساؤل حول شروط الفاعلية. وفي هذا الإطار، يتفق معظم المتخصصين في الشؤون العسكرية على أن قصف المدنيين وحده نادراً ما يكون كافياً لتحقيق الإكراه، وهو ما يعود لسببين: أولهما، أن القصف الدمويّ للمدنيين سوف يثير الغضب الدولي العارم ضد الدولة المهاجِمة، على نحو قد يدفعها إلى وقف عملياتها العسكرية. وثانيهما، أنه يخلق تأثير «الالتفاف حول العلم» داخل الدولة المستهدفة، أي أنه يدفع الشعب للالتفاف بشكل أكبر حول حكومته، ومن ثم الإصرار على مواصلة القتال، كما حدث في بريطانيا نتيجة القصف الألماني للمدنيين.
ومن ناحية ثانية، يتفق أغلب الباحثين كذلك على أن القوة الجوية يمكن أن تكون أداة فعّالة لإكراه الدول على تغيير سياساتها عندما يستخدم المهاجمون قدراتهم الجوية لتدمير القدرة العسكرية لخصومهم، وليس استهداف شعوبهم. وعلى سبيل المثال، يتم عقد مقارنة في الحرب العالمية الثانية بين تركيز سلاح الجو الملكي البريطاني على قصف برلين بدلاً من استهداف المنشآت الصناعية، وبين النهج الأمريكي الأكثر فاعلية المتمثل في قصف مصانع الطائرات، وهو ما حد من قدرة الألمان على تطوير المعدات العسكرية التي تمكنهم من الرد. ومع ذلك، فإن العديد من الدراسات أشارت إلى أن هذا الأمر لا ينجح دوماً في إكراه الدولة المستهدفة على تغيير سياستها. ففي النهاية، لم تستسلم ألمانيا، إلا مع دخول قوات الحلفاء الأراضي الألمانية.
وأشارت دراسات أخرى إلى أن فرص نجاح القصف الاستراتيجي تتراجع إذا كان الهدف منها هو تغيير نظام الحكم، إذ إن التداعيات السلبية لإسقاط حكومة الدولة المستهدفة كهدف من القصف الاستراتيجي هو أنه يزيد على الأرجح من تصلّب موقف تلك الدولة، ويقلّل من فرص تقديمها لأي تنازل. فبالنسبة للحكومة المستهدفة، يُعدّ تغيير النظام أعلى ثمن يمكن دفعه. إذ يواجه القادة خسائر شخصية هائلة؛ ففي الحد الأدنى يخسرون سلطتهم، وفي الحد الأقصى يخسرون حياتهم. ولجعل الأمور أكثر سوءاً، فإن الدولة المُكرِهة ستتولى بطبيعة الحال السيطرة على البلاد أو ستنصّب حكومة صديقة لها. وهذا يعني أنه حتى لو قدّم المُكرِه ضمانات تتعلق بالسلامة الشخصية لقادة الدولة المستهدفة، فلن تكون هناك أي وسيلة للتأكد من الالتزام بهذه التعهدات بعد تنحي القيادة المستهدفة عن السلطة.
ومع ذلك، فإنه يمكن أن تنجح الطريقة السابقة في حالة واحدة فقط، وهي أن الدولة بدأت تنهار عسكرياً، وتلقت ضربات قاسمة على نحو يجعل الاستسلام خياراً أفضل من مواصلة القتال، وتلقي هزيمة نكراء. ويمكن توضيح هذه النقطة بجلاء من الرجوع إلى استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية بعد قصفها بالأسلحة النووية، ففي أغسطس 1945، أدخلت الولايات المتحدة تعديلاً صغيراً، لكنه جوهري على مطالبها. فبعد أن كانت تطالب سابقاً باستسلامٍ غير مشروط لليابان دون أي ضمانات بشأن الوضع المستقبلي للإمبراطور الياباني، جاء بيانٌ صاغه وزير الخارجية، جيمس بيرنز، في أوائل أغسطس ليشير إلى أن «الشكل النهائي لحكومة اليابان سيُحدَّد، وفقاً لإعلان بوتسدام، بإرادة الشعب الياباني المعبَّر عنها بحرية». وقد فسّر إمبراطور اليابان ذلك على أنه عرض يوفّر ضمانات كافية لسلامة الإمبراطور الجسدية ومكانته الرمزية، وكان ذلك كافياً لدفع اليابان إلى قبول الاستسلام.
وإذا كانت الدراسات السابقة توضح الحالات التي يكون من الصعب فيها تحقيق النصر باستخدام القصف الاستراتيجي، فإن هناك عدداً من الدراسات التي عنيت بتوضيح الحالات التي يكون فيها توظيف القوة الجوية ناجحاً. وأشارت هذه الدراسات أن فرص نجاح توظيف القوة الجوية لتحقيق أهداف سياسية يكون مرتفعاً عندما يقترن بأدوات أخرى. على سبيل المثال، يمكن استخدام القوة الجوية لمهاجمة قوات الخصم العسكرية واستنزافها مباشرة. وتُنفَّذ مثل هذه المهام عادةً بالتنسيق مع القوات البرية لمساعدتها على السيطرة على الأرض. وقد كان توظيف سلاح الجو الألماني لدعم العمليات البرية للقوات الألمانية في بداية الحرب العالمية الثانية أثراً كبيراً على الانتصارات التي حققها الألمان في بداية الحرب. وفي عام 1991، قامت القوات الجوية للولايات المتحدة والدول الحليفة بإضعاف القوات العسكرية العراقية، وذلك قبل شن الهجوم البري لتحرير الكويت.
وفي حالات أخرى، قد يتم توظيف القصف الاستراتيجي بالتزامن مع القيام بعمليات عسكرية لمنع وصول الإمدادات الاستراتيجية إلى الدولة المدافِعة، وهو ما يُعرف بسياسة الاعتراض الاستراتيجي (Strategic Interdiction). ومن الناحية النظرية، يمكن لمحاولة ناجحة في الاعتراض الاستراتيجي أن تجعل القوات العسكرية للدولة المستهدفة عديمة الفاعلية، إذ يمكن لمثل هذا الاعتراض أن يوقف تدفّق المواد الحيوية إلى الدولة المستهدفة. وتتمثل أحد أشكال الاعتراض الاستراتيجي عمليات الحصار البحري. كما قد يتم توظيف القصف الاستراتيجي بهدف منع الخصم من إعادة تزويد قواته في ساحة المعركة. وعلى خلاف الاعتراض الاستراتيجي، فإن الاعتراض العملياتي (Operational Interdiction) يستهدف خطوط الإمداد العسكرية ومنشآت الاتصال الحيوية داخل الدولة نفسها. وقد يساهم في تعزيز فرص نجاح القصف الاستراتيجي.

حرب الأربعين يوماً نموذجاً
جاءت الحرب التي اندلعت، في 28 فبراير 2026، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لتكون نتاجاً للفشل الدبلوماسي الأمريكي الممتد على مدار عقود في كبح إيران من امتلاك السلاح النووي. كما أن هذه الحرب من جهة أخرى، تُعدّ امتداداً منطقياً لحرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، التي دمّرت فيها إسرائيل، ثم الولايات المتحدة، جزءاً كبيراً من البرنامج النووي الإيراني ومنظومات دفاعها الجوي. وقد بدأت الحرب بقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من كبار قادته. وجاءت الحملة المشتركة الأمريكية – الإسرائيلية لكي تدمر القدرات التقليدية لإيران وقاعدتها الدفاعية الصناعية، فضلاً عن منشآتها للطاقة وجانب من بنيتها التحتية المدنية. ومع ذلك، فقد أخفقت هذه الضربات في تحقيق أهدافها في إجبار الحكومة الإيرانية على الانصياع للمطالب السياسية لواشنطن، والتي تمثلت في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وفرض قيود على برنامج إيران للصواريخ الباليستية، وتمويل أذرعهم الإرهابية خارج حدودهم.
وقد تمكنت واشنطن من تحقيق بعض الأهداف بنجاح، لاسيما إضعاف قدراتهم الصاروخية دون القضاء عليها تماماً، بالإضافة إلى تدمير القطع البحرية الكبيرة لإيران. ومع ذلك، كانت هناك حاجة لاتفاق سياسي يفرض شروط واشنطن على طهران، لاسيما فيما يتعلق بضمان التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي مطلقاً، وذلك عبر استعادة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب من المنشآت النووية الإيرانية المدمرة والموجودة تحت سطح الأرض، والذي يقدر حجمه بحوالي 400 كيلوغرام، بالإضافة إلى وضع قيود على نسب تخصيب اليورانيوم. وإلى جانب ما سبق، فإن هناك حاجة لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، والذي أغلقه الحرس الثوري الإيراني أثناء حرب الأربعين يوماً.
ويجب الأخذ في الاعتبار أن الحروب تخاض لتحقيق أهداف سياسية، كما تمت الإشارة سابقاً، وبالتالي، فإن نجاح الاستراتيجية العسكرية يقاس بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف السياسية سابقة الذكر. وفيما يتعلق بتدمير القدرات العسكرية، خاصة الصاروخية والبحرية الإيرانية، فإنه يعد من المبكر إصدار حكم نهائي بشأن مدى فاعليتها باستخدام قيم كمية مستندة إلى مصادر مفتوحة، سواء أثناء الحملة أو بعدها، وذلك نظراً لأن القوات الجوية الأمريكية تسعى إلى تحقيق تأثيرات نوعية، بعضها غير مرئي في فضاء المعلومات المعلنة، وبعضها الآخر يصعب رصده لأن ظهور نتائجه يستغرق وقتاً طويلاً. فعلى سبيل المثال، أدّت الضربات الأمريكية ضد البنية التحتية النفطية الألمانية في الحرب العالمية الثانية في نهاية المطاف إلى نقص كبير في الوقود جعل تشكيلات الدبابات الألمانية أقل فاعلية بكثير، لكن تلك النتائج لم تتضح بجلاء إلا بعد خمسة أشهر من القصف. أما فيما يتعلق بتحقيق الأهداف السياسية، فإن فشل قمة إسلام أباد بين واشنطن وطهران، في 13 أبريل 2026، كانت مؤشراً على عدم كفاية القصف الاستراتيجي وحده في تحقيق النتائج المرجوة. ولذلك أقدم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على اعتماد خطوات إضافية في أعقابها، وهي فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وذلك لإجبار إيران على تغيير موقفها. وبالفعل استجابت إيران للضغوط الأمريكية، وشرعت في استئناف المفاوضات من خلال باكستان، بل وأعلن الرئيس الأمريكي، في 17 أبريل، باحتمال التوصل إلى اتفاق مع طهران، يغطي مضيق هرمز وبرنامجها النووي. ويكشف ما سبق صحة الدراسات التي أكدت أن القصف الاستراتيجي بمفرده لا يكون كافياً، وأنه يكون بحاجة إلى إدخال أدوات أخرى عسكرية لزيادة فاعليته، مثل الحصار البحري للموانئ الإيرانية.
الخاتمة
يكشف العرض التاريخي السابق لحالات القصف الاستراتيجي منذ الحرب العالمية الأولى، إلى قصور النظرية الأولى، والتي صاغها الجنرال الإيطالي دوهِه، والتي رأت في القصف الاستراتيجي أداة حاسمة لتحقيق أهداف الحرب دون اللجوء إلى أدوات أخرى، إذ يكشف استقراء الحالات التاريخية السابقة من الحرب العالمية الثانية مروراً بحرب فيتنام وحتى الحرب الأمريكية على العراق، عن أن القصف الجوي الاستراتيجي لم يكن فاعلاً ما لم يقترن بأدوات أخرى، سواء تمثل ذلك بالغزو البري، أو بفرض الحصار الاستراتيجي، أو التكتيكي.
د. شادي عبدالوهاب منصور أستاذ مشارك في كلية الدفاع الوطني










