كلاوس فوكس

كلاوس فوكس.. العالِم الذي سرّب أسرار القنبلة الذرية

بين الحقيقة والخداع، وبين الولاء والخيانة، دارت أخطر معارك الاستخبارات في العالم بعيداً عن ميادين القتال التقليدية. وفي عالم الجواسيس، قد تغيّر معلومة واحدة مسار حرب كاملة، أو تسقط حكومات، أو تعيد رسم خرائط النفوذ الدولي. في هذا الباب، نفتح ملفات أشهر عمليات التجسس العالمية، ونقترب من شخصيات لعبت أدواراً خفية تركت آثاراً عميقة في التاريخ السياسي والعسكري الحديث..

يُعد كلاوس فوكس واحداً من أخطر الجواسيس في القرن العشرين، ليس لأنه كان محترفاً في العمل الاستخباراتي التقليدي، بل لأنه كان عالماً نووياً بارزاً امتلك إمكانية الوصول إلى أخطر الأسرار العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد لعب دوراً محورياً في تسريب معلومات مشروع القنبلة الذرية الأمريكي ـــ البريطاني إلى الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي غيّر ميزان القوى العالمي وأسهم في انطلاق سباق التسلح النووي خلال الحرب الباردة.

وُلد فوكس في ألمانيا عام 1911 وسط عائلة ذات توجهات فكرية وسياسية معارضة للتطرف النازي. درس الفيزياء والرياضيات في جامعات ألمانية عدة، وانضم في شبابه إلى الحزب الشيوعي الألماني متأثراً بالأوضاع السياسية المضطربة في جمهورية فايمار. ومع صعود النازيين إلى الحكم عام 1933، اضطر إلى الفرار من ألمانيا خوفاً من الاضطهاد السياسي، ليستقر في بريطانيا حيث أكمل دراسته الأكاديمية، وحصل على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة إدنبرة.

تميز فوكس بذكاء علمي استثنائي، ما جعله يلفت انتباه كبار العلماء البريطانيين العاملين في مشروع تطوير السلاح الذري المعروف باسم “Tube Alloys”، وخلال الحرب العالمية الثانية، جرى ضمه إلى الفريق البريطاني الذي تعاون مع الولايات المتحدة ضمن مشروع “مانهاتن”، البرنامج السري الذي أنتج أول قنبلة ذرية في التاريخ. وقد انتقل لاحقاً إلى مختبر لوس ألاموس الوطني، حيث عمل تحت إشراف علماء بارزين مثل هانز بيثه وإدوارد تيلر.

لكن خلف صورة العالم الهادئ والباحث المتفوق، كان فوكس يعمل سراً لصالح الاتحاد السوفييتي. فقد بدأ، منذ أوائل الأربعينات، بتمرير معلومات علمية دقيقة إلى الاستخبارات السوفييتية عبر وسطاء وعملاء سريين، أبرزهم العميل الأمريكي هاري غولد. وشملت المعلومات التي سرّبها تصاميم القنبلة الذرية، وتقنيات تخصيب اليورانيوم، وأبحاث التفجير الداخلي، إضافة إلى بيانات مرتبطة بتطوير القنبلة الهيدروجينية لاحقاً.

ويرى كثير من المؤرخين أن المعلومات التي قدّمها فوكس ساعدت الاتحاد السوفييتي على تسريع برنامجه النووي عدة سنوات، إذ فجّر السوفييت أول قنبلة ذرية لهم عام 1949، أي بعد أربع سنوات فقط من القنبلة الأمريكية الأولى. وقد وصفه بعض الباحثين بأنه “أهم الجواسيس الذريين” بسبب القيمة العلمية الهائلة للمعلومات التي نقلها، إذ لم يكن مجرد ناقل وثائق، بل عالماً يفهم تماماً ما يقدمه للسوفييت ويستطيع تفسيره بدقة.

ظل فوكس بعيداً عن الشبهات لسنوات طويلة، خاصة أنه كان معروفاً بالهدوء والانضباط المهني، كما حظي بثقة زملائه في المشروع النووي. غير أن مشروع “فينونا” الأمريكي السري، الذي نجح في فك بعض الرسائل المشفرة السوفييتية، قاد أجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية إلى الاشتباه به. وبعد سلسلة من التحقيقات التي أجرتها الاستخبارات البريطانية MI5، اعترف فوكس في يناير 1950 بتفاصيل نشاطه التجسسي الممتد لسنوات.

أثار اعترافه صدمة كبرى في الولايات المتحدة وبريطانيا، لأن الرجل كان جزءاً من أكثر البرامج العسكرية سرية في العالم. وفي مارس 1950، حُكم عليه بالسجن 14 عاماً بتهمة التجسس وانتهاك قانون الأسرار الرسمية البريطاني. ورغم خطورة القضية، لم يُعدم فوكس لأن القانون البريطاني حينها لم يوجه إليه تهمة الخيانة العظمى بشكل مباشر. وقد أمضى نحو تسع سنوات في السجن قبل الإفراج عنه عام 1959.

بعد إطلاق سراحه، غادر فوكس إلى ألمانيا الشرقية، حيث استقبلته السلطات السوفييتية وحلفاؤها باعتباره عالِماً بارزاً ساهم في تحقيق التوازن النووي العالمي. وتولى مناصب علمية مهمة في مجال الأبحاث النووية، واستمر في العمل الأكاديمي حتى وفاته عام 1988 في برلين الشرقية.

ولا تزال شخصية كلاوس فوكس تثير الجدل حتى اليوم؛ فالبعض يراه خائناً، خان الثقة، وساهم في نشر أخطر أسرار العصر النووي، بينما يعتبره آخرون رجلاً تحرك بدافع أيديولوجي، معتقداً أن احتكار الولايات المتحدة للسلاح النووي يمثل خطراً على العالم. وقد صرّح فوكس نفسه لاحقاً بأن هدفه كان تحقيق نوع من “التوازن الدولي”، وليس خدمة مصالح شخصية أو الحصول على المال.

وقد شكّلت قضية فوكس نقطة تحول كبرى في تاريخ الأمن والاستخبارات الغربية، إذ دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تشديد إجراءات التدقيق الأمني على العلماء والعاملين في المشاريع الحساسة. كما أسهمت القضية في تصاعد أجواء الشك والخوف التي طبعت بدايات الحرب الباردة، وأثرت بشكل مباشر في العلاقات النووية بين القوى الكبرى.

لقد أثبتت قصة كلاوس فوكس أن أخطر عمليات التجسس قد لا تُنفذ بالسلاح أو المطاردات السرية، بل بالعقول العلمية القادرة على تغيير موازين القوى الدولية من داخل المختبرات المغلقة. ولذلك بقي اسمه مرتبطاً بواحدة من أخطر قضايا التجسس العلمي في التاريخ الحديث.

إعداد: نادر نايف محمد

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض