Loneliness… The Silent Threat to Health

الوحدة.. مرض صامت يهدد الصحة

قد يكون الإنسان محاطاً بعائلته وزملائه، ومع ذلك يشعر بالوحدة وعدم الفهم، وتكمن خطورة الوحدة في كونها شعوراً خفياً قد يتسلل إلى النوم والمزاج والسلوك، ويؤثر في صحة القلب والدماغ والجسم، لذلك أصبحت تحدياً للصحة العامة يستدعي الوقاية والكشف المبكر والتدخل.

الوحدة والعزلة الاجتماعية

من المهم التمييز بين مفهومين كثيراً ما يُستخدمان وكأنهما يحملان المعنى نفسه وهما العزلة الاجتماعية والوحدة.

فالعزلة الاجتماعية حالة يمكن ملاحظتها وقياسها موضوعياً وتشير إلى محدودية شبكة العلاقات، أو قلة التواصل مع الأسرة والأصدقاء والمجتمع، أو ضعف الدعم عند الحاجة، وقد تظهر في قلة الزيارات والمكالمات والمشاركة في الأنشطة، ومع ذلك لا تعني بالضرورة الشعور بالوحدة، فقد يعيش الإنسان بمفرده ويشعر بالراحة والرضا، لأنه يمتلك علاقات قليلة لكنها عميقة وآمنة وذات معنى.

أما الوحدة فهي تجربة ذاتية وعاطفية تنشأ عندما يشعر الإنسان بأن علاقاته لا تلبّي احتياجاته النفسية والاجتماعية من حيث العدد أو العمق أو القرب والتفاهم، وهي لا ترتبط بوجود الآخرين بقدر ارتباطها بجودة الصلة بهم، لذلك قد يشعر الشخص بالوحدة رغم وجوده وسط عائلته أو زملائه ومشاركته في اللقاءات والمناسبات.

ولهذا لا يكفي تقييم حياة الإنسان الاجتماعية بعدد الأصدقاء أو اللقاءات، فقد يكون محاطاً بالكثيرين ويشعر بالوحدة، بينما يمتلك آخر دائرة صغيرة من العلاقات ويشعر بالاكتفاء والأمان؛ فالمعيار الحقيقي هو جودة العلاقات والشعور بالانتماء، ووجود شخص نثق به ونلجأ إليه عند الحاجة.

أرقام تكشف حجم المشكلة

أعلنت منظمة الصحة العالمية في تقريرها العالمي عن الترابط الاجتماعي عام 2025 أن واحداً من كل ستة أشخاص حول العالم يعاني الوحدة، وأنها ترتبط بأكثر من 871 ألف وفاة سنوياً، ولا يعني ذلك أن الوحدة تسبب الوفاة بصورة مباشرة، بل ترتبط بعوامل تزيد خطر المرض والوفاة المبكرة، كما أنها لا تقتصر على كبار السن بل تشمل المراهقين والشباب وأصحاب الأمراض المزمنة ومن يمرون بالفقد أو الطلاق أو التقاعد.

الاكتئاب والوحدة

تسير العلاقة بين الوحدة والاكتئاب في اتجاهين، فقد يدفع الحزن أو الإرهاق الشخص إلى الانسحاب تدريجياً من اللقاءات والأنشطة، فيقل الدعم الذي يتلقاه ويزداد شعوره بأن الآخرين لا يفهمون ما يمر به مما قد يعمق عزلته ويزيد أعراض الاكتئاب والقلق، وفي المقابل قد تسهم الوحدة المستمرة في تراجع تقدير الذات، وزيادة التفكير السلبي، واضطراب الشهية والنوم والتركيز.

الوحدة وصحة القلب

ترتبط الوحدة المزمنة باستمرار استجابة التوتر في الجسم وما يصاحبها من اضطراب النوم وقلة النشاط والسلوكيات غير الصحية، إضافة إلى زيادة الالتهاب وارتفاع ضغط الدم واضطراب سكر الدم مما قد يضر بصحة القلب والأوعية الدموية، وقد أظهرت دراسة طولية أجراها باحثون من جامعة هارفارد ونُشرت عام 2024 أن استمرار ارتفاع مستويات الوحدة لدى الأشخاص فوق الخمسين ارتبط بزيادة نسبية بلغت 56 % في خطر الإصابة بالسكتة الدماغية مقارنة بمن ظلت مستويات الوحدة لديهم منخفضة.

الوحدة وصحة الدماغ

قد يمتد تأثير الوحدة إلى صحة الدماغ والقدرات المعرفية ، فالدماغ يحتاج إلى الحوار وتبادل الخبرات والتعلم والشعور بالهدف وهي عناصر تمنحه تحفيزاً معرفياً وعاطفياً متواصلاً ، وعندما تصبح الوحدة مزمنة قد تترافق مع اضطراب النوم والاكتئاب والخمول والتوتر المستمر، وهي عوامل يمكن أن تؤثر مع مرور الوقت في الذاكرة والتركيز وصحة الدماغ، وتشير نتائج تحليل علمي واسع إلى أن الشعور بالوحدة يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف بنحو 31 %،  ومع ذلك لا تعني هذه العلاقة أن الإصابة حتمية، فقد تكون بعض التغيرات المبكرة في الإدراك سبباً في انسحاب الشخص وشعوره بالوحدة أيضاً، مما يجعل الملاحظة والتقييم المبكرين أمرين ضروريين.

لماذا أصبحت قضية صحة عامة؟

لا تنشأ الوحدة دائماً من داخل الإنسان، فقد يعيش الفرد في بيئة لا تتيح فرصاً كافية للقاء الآخرين، أو يواجه صعوبة في التنقل، أو تفرض عليه ظروف العمل واللغة والإعاقة حواجز تحدّ من بناء علاقات ذات معنى، وعندما تستمر هذه الظروف، وقد تمتد آثار الوحدة إلى الصحة والأداء في العمل والتحصيل الدراسي، وتزيد الأعباء على الخدمات الصحية وتُضعف تماسك المجتمع، لذلك أصبحت قضية صحة عامة تتطلب سياسات تراعي الفئات الأكثر عرضة وبيئات تعزز التواصل والمشاركة، ومع ذلك لا ينبغي اعتبار كل شعور عابر بالوحدة حالة مرضية، بل الانتباه إليه عندما يطول ويؤثر في صحة الإنسان وحياته اليومية.

الوقاية من الوحدة… مسؤولية مشتركة

تبدأ الوقاية من الوحدة ببناء مجتمع يجعل التواصل ممكناً وآمناً، ويمنح الإنسان فرصاً حقيقية للشعور بالانتماء، ففي المدارس يمكن تعزيز الصداقة والاندماج والانتباه مبكراً إلى الطالب المنعزل، وفي أماكن العمل يمكن ترسيخ ثقافة الاهتمام المتبادل، وتوفير الدعم النفسي السري، وتدريب القيادات على ملاحظة الانسحاب أو التغير المفاجئ في الأداء، أما في المراكز الصحية فيمكن إدراج أسئلة عن العلاقات والدعم الاجتماعي ضمن التقييم الصحي وربط المحتاجين بالخدمات المناسبة، إلى جانب الدور المهم للمجالس والمساجد والأندية والمبادرات التطوعية في إيجاد لقاءات متكررة تجمع أفراد المجتمع.

ويمكن للتقنية أن تكون جسراً مهماً للتواصل خاصةً لمن تفصلهم المسافات عن أسرهم وأصدقائهم، لكنها قد تزيد العزلة إذا حلّت محل العلاقات الحقيقية أو تحولت إلى تصفح سلبي ومقارنة مستمرة بالآخرين، لذلك ينبغي أن يقود استخدامها إلى محادثة صادقة أو لقاء واقعي أو الانضمام إلى مجموعة موثوقة.

كما قد يبدأ كسر الوحدة بخطوات بسيطة ومنتظمة، مثل الاتصال بشخص موثوق، أو مشاركة وجبة مع أحد أفراد الأسرة، أو المشي مع جار، أو الانضمام إلى نشاط تطوعي أو رياضي، ومن الضروري أيضاً اكتشاف العوائق الصحية التي قد تدفع الإنسان إلى الانسحاب مثل ضعف السمع والألم المزمن وصعوبة الحركة، ومعالجتها لمساعدته على استعادة قدرته على التواصل والمشاركة والاندماج في المجتمع.

في النهاية الوحدة ليست ضعفاً ولا عيباً، والشعور بها أحياناً جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، لكن عندما تصبح مزمنة وتؤثر في النوم والمزاج والحياة اليومية يصبح طلب المساعدة دليلاً على الوعي والقوة وخطوة مهمة نحو بناء مجتمع أكثر ترابطاً وتماسكاً.

الدكتورة بدرية الحرمي، استشارية الصحة العامة

Instagram
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض