الحرب المعرفية

الحرب المعرفية ومعركة حماية السيادة الإدراكية

أصبحت‭ ‬الحرب‭ ‬المعاصرة‭ ‬تقاس‭ ‬أيضاً‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬يرى‭ ‬بها‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الواقع،‭ ‬ويفسرون‭ ‬الوقائع،‭ ‬ويمنحون‭ ‬الثقة،‭ ‬ويقدرون‭ ‬المخاطر،‭ ‬ويتخذون‭ ‬القرار‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬تمثل‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬والإدراكية‭ ‬انتقالاً‭ ‬نوعياً‭ ‬من‭ ‬استهداف‭ ‬المعلومة‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬يتشكل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المعنى‭ ‬والحكم‭ ‬على‭ ‬الواقع‭. ‬

فالمعلومة‭ ‬المضللة‭ ‬ليست‭ ‬غاية‭ ‬مستقلة،‭ ‬وإنما‭ ‬أداة‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬أوسع‭ ‬تستهدف‭ ‬إرباك‭ ‬الإدراك،‭ ‬وتفكيك‭ ‬المرجعيات‭ ‬المشتركة،‭ ‬وإضعاف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات،‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬التقدير‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬أو‭ ‬دفع‭ ‬الخصم‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬قراءة‭ ‬للواقع‭ ‬تخدم‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للفاعل‭ ‬المهاجم‭. ‬لذلك،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬اختزال‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬والإدراكية‭ ‬في‭ ‬الدعاية‭ ‬أو‭ ‬الأخبار‭ ‬الزائفة‭ ‬أو‭ ‬العمليات‭ ‬النفسية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تتقاطع‭ ‬معها‭ ‬وتستفيد‭ ‬من‭ ‬أدواتها‭. ‬فخصوصيتها‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬دمج‭ ‬علوم‭ ‬الإدراك‭ ‬والسلوك،‭ ‬وتحليل‭ ‬البيانات‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬والخوارزميات،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بهدف‭ ‬التأثير‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬استمرارية‭ ‬ودقة‭ ‬في‭ ‬الانتباه،‭ ‬والتفضيلات،‭ ‬والثقة،‭ ‬وتقدير‭ ‬المخاطر،‭ ‬وأنماط‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬وبذلك‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الإنسان‭ ‬مجرد‭ ‬متلق‭ ‬للرسالة،‭ ‬وإنما‭ ‬تصبح‭ ‬آليات‭ ‬إدراكه‭ ‬ومعالجته‭ ‬للمعلومات‭ ‬وتكوينه‭ ‬للأحكام‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ميدان‭ ‬العمليات‭ ‬ذاته‭.‬

وتظهر‭ ‬الأدبيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬ميدان‭ ‬الصراع‭ ‬بات‭ ‬أكثر‭ ‬اتصالاً‭ ‬واستمرارية‭. ‬فبدل‭ ‬الفصل‭ ‬الصارم‭ ‬بين‭ ‬السلم‭ ‬والأزمة‭ ‬والحرب،‭ ‬تتداخل‭ ‬المنافسة‭ ‬والضغط‭ ‬والهجوم‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬واحد‭ ‬تستطيع‭ ‬فيه‭ ‬العمليات‭ ‬المعرفية‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬بصورة‭ ‬متواصلة،‭ ‬تحت‭ ‬عتبة‭ ‬النزاع‭ ‬المسلح‭ ‬وفي‭ ‬أوقات‭ ‬السلم‭ ‬والأزمات‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تبدو‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬والإدراكية،‭ ‬بطبيعتها،‭ ‬صراعاً‭ ‬مستداماً‭ ‬وعابراً‭ ‬للمراحل‭ ‬والحدود‭ ‬التقليدية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬دولي‭ ‬يتسم‭ ‬بالسيولة،‭ ‬وهشاشة‭ ‬التحالفات،‭ ‬وتصاعد‭ ‬اللايقين،‭ ‬وتراجع‭ ‬وضوح‭ ‬الحدود‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬الخصومة‭ ‬والتعاون‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬بالضرورة‭ ‬إقناع‭ ‬الافراد‭ ‬والمجتمع‭ ‬برواية‭ ‬محددة؛‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬الأكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬زرع‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الروايات،‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬كلفة‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الحقيقي‭ ‬والمصطنع،‭ ‬أو‭ ‬استنزاف‭ ‬الانتباه،‭ ‬أو‭ ‬تضخيم‭ ‬الانقسامات‭ ‬القائمة،‭ ‬أو‭ ‬إضعاف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬مشتركة‭. ‬وعندئذٍ‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬نجاح‭ ‬الهجوم‭ ‬المعرفي‭ ‬فقط‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬سردية‭ ‬بديلة،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬ومؤسساته‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬فهم‭ ‬منظم‭ ‬للواقع،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مرجعيات‭ ‬مشتركة،‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬مستقل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يزداد‭ ‬فيها‭ ‬الالتباس‭ ‬والتنافس‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعنى‭.‬

ويقتضي‭ ‬استخدام‭ ‬المفهوم‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الحذر‭. ‬فالحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مفهوماً‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكل،‭ ‬وحدودها‭ ‬ليست‭ ‬مستقرة‭ ‬تماماً‭ ‬بين‭ ‬الأدبيات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والنفسية‭. ‬ولهذا‭ ‬تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬تعريفاً‭ ‬إجرائياً‭ ‬للحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬بوصفها‭ ‬الاستخدام‭ ‬المنظم‭ ‬والمقصود‭ ‬لأدوات‭ ‬معلوماتية‭ ‬وتقنية‭ ‬ونفسية‭ ‬وسلوكية‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المعتقدات‭ ‬والانتباه‭ ‬والثقة‭ ‬والتقدير‭ ‬والقرار‭ ‬لدى‭ ‬مجتمع‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة‭ ‬أو‭ ‬خصم‭ ‬مستهدف،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يخدم‭ ‬غاية‭ ‬استراتيجية‭ ‬محددة‭.‬

ويستدعي‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬المعلوماتية‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬انتقالاً‭ ‬موازياً‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬الأمنية‭: ‬من‭ ‬حماية‭ ‬الشبكات‭ ‬والبيانات‭ ‬والمعلومات‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬القدرة‭ ‬البشرية‭ ‬والمؤسسية‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والتقدير‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تقترح‭ ‬الدراسة‭ ‬مفهوم‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬بوصفه‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬على‭ ‬صيانة‭ ‬استقلال‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬شديدة‭ ‬القابلية‭ ‬للهندسة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الانغلاق‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬أو‭ ‬مصادرة‭ ‬التعدد‭. ‬فالسيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬ليست‭ ‬سيادة‭ ‬على‭ ‬الأفكار،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الحكم‭ ‬مستقلاً‭ ‬بدرجة‭ ‬معقولة؛‭ ‬وليست‭ ‬حماية‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬التلاعب‭ ‬المنظم‭ ‬الذي‭ ‬يعطل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحقق‭ ‬والمراجعة‭ ‬والاختيار‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تسعى‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬التحول‭ ‬الجاري‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬الصراع‭ ‬المعرفي،‭ ‬وتحليل‭ ‬أدواته‭ ‬وآلياته،‭ ‬واستكشاف‭ ‬انعكاساته‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني،‭ ‬ثم‭ ‬تحديد‭ ‬أبرز‭ ‬معالم‭ ‬إطار‭ ‬استراتيجي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬وصونها‭.‬

من‭ ‬الحرب‭ ‬المعلوماتية‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭: ‬تحول‭ ‬ميدان‭ ‬الصراع

تكشف‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬المعلوماتية‭ ‬والحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بتغيير‭ ‬الوسائل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬موضوع‭ ‬الصراع‭. ‬ففي‭ ‬الحرب‭ ‬المعلوماتية‭ ‬يكون‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬هو‭ ‬المعلومة‭: ‬الحصول‭ ‬عليها،‭ ‬حجبها،‭ ‬تشويهها،‭ ‬سرقتها،‭ ‬أو‭ ‬تعطيل‭ ‬قنواتها‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬فالمعلومة‭ ‬تصبح‭ ‬مدخلاً‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬أعمق‭ ‬هو‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬بها‭ ‬المعلومة‭ ‬معنى‭ ‬داخل‭ ‬الذهن‭ ‬والمؤسسة‭. ‬ولذلك‭ ‬ينتقل‭ ‬التركيز‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬الرسالة‭ ‬وحدها‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬التلقي‭: ‬من‭ ‬يثق‭ ‬بمن؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجذب‭ ‬الانتباه؟‭ ‬كيف‭ ‬تتشكل‭ ‬الأولويات؟‭ ‬كيف‭ ‬يتحول‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬إلى‭ ‬خوف‭ ‬أو‭ ‬غضب؟‭ ‬ومتى‭ ‬يصبح‭ ‬تراكم‭ ‬الشك‭ ‬عجزاً‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شرطاً‭ ‬للنقد؟

هذا‭ ‬التحول‭ ‬يفسر‭ ‬اتساع‭ ‬ميدان‭ ‬العمليات‭ ‬من‭ ‬استهداف‭ ‬المنصة‭ ‬أو‭ ‬القناة‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬برمته‭. ‬فمثلاً،‭ ‬يتعامل‭ ‬التقرير‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬جيوردانو‭ ‬جيمس‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬لحلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬حول‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬حيث‭ ‬يقدم‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬بوصفها‭ ‬صراعاً‭ ‬يتجاوز‭ ‬نقل‭ ‬الرسائل‭ ‬العدائية‭ ‬ليستهدف‭ ‬الإدراك،‭ ‬والتفسير‭ ‬والقرار‭ ‬والسلوك‭. ‬وفي‭ ‬الاتجاه‭ ‬نفسه،‭ ‬يبرز‭ ‬التصور‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬انتقال‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬المعرفي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استهداف‭ ‬آليات‭ ‬العقلنة‭ ‬والحكم،‭ ‬واستثمار‭ ‬مواطن‭ ‬الضعف‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬نقاط‭ ‬نفاذ‭ ‬عملياتية‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬فهم‭ ‬الواقع‭ ‬والاستجابة‭ ‬له‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬بشأنه‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬القديم‭. ‬فالدعاية،‭ ‬والعمليات‭ ‬النفسية،‭ ‬والخداع‭ ‬العسكري،‭ ‬والتأثير‭ ‬السياسي،‭ ‬كلها‭ ‬سوابق‭ ‬تاريخية‭ ‬واضحة‭. ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬تكاملها‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬رقمية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬البيانات،‭ ‬وقياس‭ ‬الاستجابة،‭ ‬وتعديل‭ ‬الرسالة،‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيعها‭ ‬بصورة‭ ‬آنية‭ ‬وعلى‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تصبح‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬تكيفية‭ ‬تتعلم‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تستهدفه‭. ‬إنها‭ ‬لا‭ ‬ترسل‭ ‬الرسالة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ترصد‭ ‬أثرها،‭ ‬وتعيد‭ ‬هندسة‭ ‬التوقيت‭ ‬والشكل‭ ‬والجمهور،‭ ‬وتستثمر‭ ‬البنية‭ ‬الخوارزمية‭ ‬للمنصات‭ ‬التي‭ ‬تكافئ‭ ‬الانفعال‭ ‬والانتشار‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬بالانتباه‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬تصبح‭ ‬الاستمرارية‭ ‬خاصية‭ ‬أساسية‭. ‬فالعملية‭ ‬المعرفية‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬حرب،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬اختراق‭ ‬تقني‭ ‬ظاهر،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬معلومة‭ ‬كاذبة‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭. ‬ويقدم‭ ‬تقرير‭ ‬جيوردانو‭ ‬جيمس‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬حين‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬روسيا،‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬2022،‭ ‬سرديات‭ ‬متعارضة‭ ‬وعمليات‭ ‬“راية‭ ‬كاذبة”‭ ‬بهدف‭ ‬زعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬القرارات‭. ‬كما‭ ‬يستشهد‭ ‬بجائحة‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬لإظهار‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمعلومات‭ ‬“المسلّحة”‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أن‭ ‬تهدد‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬بما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬المجال‭ ‬المعرفي‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم‭ ‬والأزمات‭.‬

البنية‭ ‬العملياتية‭ ‬للحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭: ‬استهداف‭ ‬الإدراك‭ ‬والثقة‭ ‬والقرار

تعمل‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحلقة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬المعلومة‭ ‬والمعنى‭ ‬والقرار‭. ‬ويمكن‭ ‬فهم‭ ‬بنيتها‭ ‬عبر‭ ‬ثلاث‭ ‬دوائر‭ ‬مترابطة‭: ‬فردية‭ ‬تمس‭ ‬الانتباه‭ ‬والعاطفة‭ ‬والتحيزات‭ ‬والذاكرة؛‭ ‬واجتماعية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالهوية‭ ‬والانتماء‭ ‬والاستقطاب‭ ‬والثقة؛‭ ‬ومؤسسية‭ ‬تمس‭ ‬الشرعية‭ ‬وآليات‭ ‬التقدير‭ ‬وصنع‭ ‬القرار‭. ‬ويتقاطع‭ ‬هذا‭ ‬البناء‭ ‬مع‭ ‬الشكل‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬كبير‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬الناتو،‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬استهداف‭ ‬المواقف‭ ‬والقرار‭ ‬والسلوك‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي،‭ ‬وزعزعة‭ ‬الثقة‭ ‬وصناعة‭ ‬الاستقطاب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الجماعات،‭ ‬والمس‭ ‬بالقيم‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‭ ‬والعقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المجتمعي،‭ ‬بما‭ ‬يوضح‭ ‬انتقال‭ ‬التأثير‭ ‬من‭ ‬الفرد‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الأوسع‭.‬

يوضح‭ ‬الشكل‭ ‬التالي‭ ‬الأبعاد‭ ‬الرئيسية‭ ‬للحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬بصورة‭ ‬مبسطة‭ ‬ومترابطة‭. ‬وينطلق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الفاعل‭ ‬المعادي‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬مجرد‭ ‬نقل‭ ‬رسائل‭ ‬دعائية‭ ‬أو‭ ‬معلومات‭ ‬مضللة،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الإدراك‭ ‬والسلوك‭ ‬وصنع‭ ‬القرار‭ ‬عبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬متداخلة‭: ‬المستوى‭ ‬الفردي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الاتجاهات‭ ‬والإدراك‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار؛‭ ‬والمستوى‭ ‬الجماعي،‭ ‬عبر‭ ‬زعزعة‭ ‬الثقة‭ ‬وتعميق‭ ‬الاستقطاب‭ ‬وإضعاف‭ ‬التماسك‭ ‬بين‭ ‬الجماعات؛‭ ‬والمستوى‭ ‬المجتمعي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬العامة‭ ‬والعقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقة‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬والقواعد‭ ‬الديمقراطية‭. ‬كما‭ ‬يبين‭ ‬الشكل‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التأثيرات‭ ‬تتعزز‭ ‬بفعل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الممكنة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الرقمية،‭ ‬والمنصات‭ ‬والشبكات،‭ ‬والترابط‭ ‬بين‭ ‬الأفراد،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتزييف‭ ‬العميق‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يبرز‭ ‬الشكل‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬تقتضي‭ ‬ثلاث‭ ‬استجابات‭ ‬أساسية‭: ‬إضعاف‭ ‬قدرات‭ ‬الخصم،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الصمود‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التحمل،‭ ‬وتحسين‭ ‬الإدراك‭ ‬البشري‭ ‬والتكنولوجي‭. ‬وبذلك‭ ‬تصبح‭ ‬حماية‭ ‬الإدراك‭ ‬والثقة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬متطلبات‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬المعاصر‭.‬

في‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي،‭ ‬تستثمر‭ ‬العملية‭ ‬محدودية‭ ‬الانتباه‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاتساق‭ ‬والانحياز‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬المعتقدات‭ ‬السابقة‭ ‬والحساسية‭ ‬الأعلى‭ ‬للمحتوى‭ ‬المثير‭ ‬للخوف‭ ‬أو‭ ‬الغضب‭. ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬عيوباً‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬خصائص‭ ‬عادية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعرفي‭ ‬للذهن‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الفاعل‭ ‬المهاجم‭ ‬يستطيع‭ ‬هندسة‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬تفعّلها‭ ‬عبر‭ ‬التكرار‭ ‬والانتقاء‭ ‬والتوقيت‭ ‬والإغراق‭ ‬وصناعة‭ ‬الانطباع‭ ‬بالانتشار‭. ‬وتبين‭ ‬البحوث‭ ‬النفسية‭ ‬أن‭ ‬المعلومة‭ ‬الخاطئة‭ ‬قد‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬تصحيحها،‭ ‬وأن‭ ‬الانتماء‭ ‬والهوية‭ ‬والعاطفة‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬قابلية‭ ‬الاعتقاد‭ ‬وفي‭ ‬مقاومة‭ ‬التصحيح‭. ‬ولذلك‭ ‬تصبح‭ ‬الوقاية‭ ‬السابقة،‭ ‬وتفسير‭ ‬تقنيات‭ ‬التلاعب،‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬التصحيح‭ ‬اللاحق‭ ‬يمحو‭ ‬الأثر‭ ‬تلقائياً‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬فتصبح‭ ‬الثقة‭ ‬رأسمال‭ ‬استراتيجياً‭. ‬فالمجتمع‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الوقائع‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬مصادرها،‭ ‬بل‭ ‬يقرر‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬أهلية‭ ‬الكلام‭ ‬ومن‭ ‬يستحق‭ ‬التصديق‭. ‬وإذا‭ ‬نجحت‭ ‬عملية‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬بأن‭ ‬المؤسسات‭ ‬كلها‭ ‬تكذب،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬قابلة‭ ‬للتلفيق،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬خبير‭ ‬تابع‭ ‬لجهة‭ ‬خفية،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬رواية‭ ‬موحدة‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تضعف‭ ‬المجال‭ ‬المشترك‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬بالجدل‭ ‬العقلاني‭ ‬والتسوية‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬العدمية‭ ‬المعرفية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬نفعاً‭ ‬للمهاجم‭ ‬من‭ ‬الدعاية‭ ‬الصريحة،‭ ‬لأن‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يثق‭ ‬بشيء‭ ‬يصبح‭ ‬أبطأ‭ ‬في‭ ‬التنسيق‭ ‬وأكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للانقسام‭.‬

وفي‭ ‬المستوى‭ ‬المؤسسي‭ ‬تنتقل‭ ‬المعركة‭ ‬إلى‭ ‬دورة‭ ‬القرار‭ ‬نفسها‭. ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬زرع‭ ‬تقدير‭ ‬خاطئ‭ ‬لنية‭ ‬الخصم،‭ ‬أو‭ ‬تضخيم‭ ‬تهديد‭ ‬ثانوي،‭ ‬أو‭ ‬إغراق‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬مؤشرات‭ ‬متعارضة،‭ ‬أو‭ ‬منح‭ ‬مصدر‭ ‬مخترق‭ ‬ثقة‭ ‬زائفة،‭ ‬أو‭ ‬خلق‭ ‬ضغط‭ ‬زمني‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬إجراءات‭ ‬التحقق‭. ‬ويشير‭ ‬تقرير‭ ‬كبير‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬الناتو‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الخصوم‭ ‬يستغلون‭ ‬مواطن‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬الملاحظة‭ ‬والتوجيه‭ ‬والقرار‭ ‬والفعل‭ (‬OODA‭)‬،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الإدراك‭ ‬مدخلاً‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬القيادة‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬النتيجة‭ ‬تأخير‭ ‬القرار،‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات،‭ ‬أو‭ ‬تشتيت‭ ‬الموارد،‭ ‬ولذلك‭ ‬تبدأ‭ ‬حماية‭ ‬القرار‭ ‬منذ‭ ‬جمع‭ ‬البيانات‭ ‬وتصنيف‭ ‬المصادر‭ ‬وصياغة‭ ‬الفرضيات‭.‬

أدخل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬جديد،‭ ‬لأنه‭ ‬غيّر‭ ‬اقتصاد‭ ‬التأثير‭. ‬فقد‭ ‬خفض‭ ‬كلفة‭ ‬إنتاج‭ ‬النص‭ ‬والصوت‭ ‬والصورة‭ ‬والفيديو،‭ ‬ورفع‭ ‬سرعة‭ ‬الترجمة‭ ‬والتخصيص،‭ ‬وسمح‭ ‬بتوليد‭ ‬نسخ‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الرسالة‭ ‬بما‭ ‬يلائم‭ ‬جماعات‭ ‬مختلفة‭. ‬والخطر‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المحتوى‭ ‬المصطنع‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬إقناعاً،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬كلها‭ ‬أصبحت‭ ‬قابلة‭ ‬للأتمتة‭: ‬الإنتاج،‭ ‬والاختبار،‭ ‬والقياس،‭ ‬والتعديل،‭ ‬وإعادة‭ ‬الاستهداف‭. ‬وهكذا‭ ‬تنتقل‭ ‬الحملات‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬الرسالة‭ ‬الجماهيرية‭ ‬الواحدة‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬الهندسة‭ ‬الدقيقة،‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬لكل‭ ‬شريحة‭ ‬أن‭ ‬تتلقى‭ ‬سردية‭ ‬مصممة،‭ ‬وفق‭ ‬حساسياتها،‭ ‬ومخاوفها‭ ‬ولغتها‭.‬

وتزداد‭ ‬الخطورة‭ ‬عندما‭ ‬يقترن‭ ‬التوليد‭ ‬بالبيانات‭ ‬السلوكية‭. ‬فالمنصات‭ ‬راكمت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬آثارا‭ ‬رقمية‭ ‬تسمح‭ ‬ببناء‭ ‬نماذج‭ ‬تقريبية‭ ‬للاهتمامات‭ ‬والعلاقات‭ ‬وأنماط‭ ‬التفاعل‭. ‬وعندما‭ ‬تستخدم‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬في‭ ‬استهداف‭ ‬الرسائل،‭ ‬يصبح‭ ‬التأثير‭ ‬أقل‭ ‬ظهوراً‭ ‬للمجال‭ ‬العام‭: ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬بالضرورة‭ ‬حملة‭ ‬واحدة‭ ‬يمكن‭ ‬للجميع‭ ‬رؤيتها‭ ‬ومناقشتها،‭ ‬بل‭ ‬نسخ‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬جماعات‭ ‬مختلفة‭. ‬وعندئذٍ‭ ‬يتآكل‭ ‬الشرط‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬عليه‭ ‬النقاش‭ ‬العام،‭ ‬أي‭ ‬وجود‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الوقائع‭ ‬والرسائل‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتراض‭ ‬عليها‭ ‬بصورة‭ ‬علنية‭.‬

كما‭ ‬يغير‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬البنية‭ ‬الإثباتية‭. ‬فالتزييف‭ ‬العميق‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬المادة‭ ‬الكاذبة‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمنح‭ ‬المادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬قابلية‭ ‬أكبر‭ ‬للإنكار‭. ‬وقد‭ ‬وصفت‭ ‬الأدبيات‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بعائد‭ ‬الكاذب‭: ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬مجرد‭ ‬وجود‭ ‬تقنيات‭ ‬التزييف‭ ‬مبرراً‭ ‬لادعاء‭ ‬أن‭ ‬تسجيلات‭ ‬صحيحة‭ ‬ملفقة‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬تتعرض‭ ‬الصورة‭ ‬والصوت‭ ‬والوثيقة‭ ‬لفقدان‭ ‬تدريجي‭ ‬لوظيفتها‭ ‬بوصفها‭ ‬أدلة‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬التحدي‭ ‬اكتشاف‭ ‬المزيف‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬سلاسل‭ ‬موثوقة‭ ‬لأصل‭ ‬المحتوى‭ ‬وتاريخه‭ ‬وطريقة‭ ‬تعديله‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ليس‭ ‬أداة‭ ‬هجومية‭ ‬حصراً‭. ‬فالقدرات‭ ‬نفسها‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬الشبكات‭ ‬المنسقة،‭ ‬وتحليل‭ ‬السلوك‭ ‬غير‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ومقارنة‭ ‬الوسائط،‭ ‬وتحديد‭ ‬أنماط‭ ‬التضخيم،‭ ‬ودعم‭ ‬غرف‭ ‬العمليات‭. ‬وتتيح‭ ‬معايير‭ ‬إثبات‭ ‬المصدر‭ ‬مثل‭ ‬مواصفات‭ ‬C2PA‭ ‬ربط‭ ‬المحتوى‭ ‬ببيانات‭ ‬منشأ‭ ‬وتعديلات‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقق‭ ‬تشفيرياً،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تدعي‭ ‬أن‭ ‬المصدر‭ ‬الموثق‭ ‬يجعل‭ ‬مضمون‭ ‬المحتوى‭ ‬صحيحاً‭ ‬بالضرورة‭. ‬وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬جوهرية‭: ‬التقنية‭ ‬تستطيع‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬الأصل‭ ‬والسلامة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تحل‭ ‬وحدها‭ ‬سؤال‭ ‬المعنى‭ ‬أو‭ ‬الصدق‭ ‬أو‭ ‬النية‭.‬

ولهذا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تدمج‭ ‬حوكمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭. ‬فإطار‭ ‬إدارة‭ ‬مخاطر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬الأمريكي‭ ‬للمعايير‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تدار‭ ‬عبر‭ ‬دورة‭ ‬حياة‭ ‬النظام،‭ ‬من‭ ‬الحوكمة‭ ‬وتحديد‭ ‬السياق‭ ‬إلى‭ ‬القياس‭ ‬والتخفيف‭. ‬وفي‭ ‬المجال‭ ‬السيادي‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬ألا‭ ‬تتحول‭ ‬النماذج‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬معرفية‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للمراجعة،‭ ‬وأن‭ ‬تبقى‭ ‬مصادر‭ ‬البيانات‭ ‬والافتراضات‭ ‬وحدود‭ ‬الثقة‭ ‬قابلة‭ ‬للتدقيق‭. ‬فالاعتماد‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬غير‭ ‬مفهوم‭ ‬في‭ ‬التقدير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬قد‭ ‬ينشئ‭ ‬تبعية‭ ‬معرفية‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬خصم‭ ‬يتلاعب‭ ‬به‭ ‬مباشرة‭.‬

السيادة‭ ‬الإدراكية‭: ‬من‭ ‬حماية‭ ‬المعلومات‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬استقلال‭ ‬الحكم‭ ‬المعرفي‭ ‬والإدراكي

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬تستهدف‭ ‬شروط‭ ‬الحكم‭ ‬المعرفي‭ ‬والإدراكي،‭ ‬فإن‭ ‬الاستجابة‭ ‬المنطقية‭ ‬هي‭ ‬حماية‭ ‬تلك‭ ‬الشروط‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬تعريف‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬بأنها‭ ‬قدرة‭ ‬الفرد‭ ‬والمؤسسة‭ ‬والمجتمع‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬التقديرات‭ ‬والاختيارات‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة‭ ‬نسبياً،‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬بيئة‭ ‬معرفية‭ ‬تسمح‭ ‬بالتحقق‭ ‬والمراجعة‭ ‬والتعدد،‭ ‬مع‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬كشف‭ ‬التلاعب‭ ‬المنظم‭ ‬وامتصاص‭ ‬آثاره‭. ‬لا‭ ‬يفترض‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬وجود‭ ‬عقل‭ ‬وطني‭ ‬موحد،‭ ‬ولا‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬عزل‭ ‬المجتمع‭ ‬عن‭ ‬التأثير‭ ‬الخارجي‭. ‬فالإنسان‭ ‬يتكون‭ ‬دائماً‭ ‬داخل‭ ‬شبكات‭ ‬من‭ ‬التأثير‭. ‬المقصود‭ ‬هو‭ ‬ألا‭ ‬يتحول‭ ‬التأثير‭ ‬إلى‭ ‬هندسة‭ ‬خفية‭ ‬تعطل‭ ‬إمكان‭ ‬الوعي‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬مقاومته‭.‬

وهنا‭ ‬تتميز‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬والأمن‭ ‬المعلوماتي‭. ‬فالأول‭ ‬يحمي‭ ‬الأنظمة‭ ‬والشبكات‭ ‬والبيانات‭ ‬من‭ ‬الاختراق‭ ‬والتعطيل،‭ ‬والثاني‭ ‬يهتم‭ ‬بسلامة‭ ‬تدفقات‭ ‬المعلومات‭ ‬وموثوقيتها،‭ ‬أما‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬فتسأل‭ ‬عما‭ ‬يحدث‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬المعلومة‭: ‬كيف‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬معرفة؟‭ ‬من‭ ‬منحها‭ ‬الشرعية؟‭ ‬ما‭ ‬الافتراضات‭ ‬التي‭ ‬نظمت‭ ‬تفسيرها؟‭ ‬وهل‭ ‬كان‭ ‬القرار‭ ‬الناتج‭ ‬قابلاً‭ ‬للمراجعة؟‭ ‬إنها‭ ‬بذلك‭ ‬سيادة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬المعرفة‭ ‬نفسها،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬مخزون‭ ‬المعلومات‭ ‬فقط‭.‬

وتقوم‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬مترابطة‭. ‬الأول‭ ‬فردي،‭ ‬ويتعلق‭ ‬بقدرة‭ ‬الشخص‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬انتباهه،‭ ‬والتعرف‭ ‬إلى‭ ‬أساليب‭ ‬الاستدراج‭ ‬العاطفي‭ ‬والتلاعب،‭ ‬وتأجيل‭ ‬الاستجابة،‭ ‬ومقارنة‭ ‬المصادر‭ ‬قبل‭ ‬تكوين‭ ‬الحكم‭. ‬والثاني‭ ‬مؤسسي،‭ ‬ويتصل‭ ‬بجودة‭ ‬عمليات‭ ‬التقدير،‭ ‬وتنوع‭ ‬الخبرات،‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬التحليل‭ ‬والرغبة‭ ‬السياسية،‭ ‬والاستعانة‭ ‬بما‭ ‬يعرف‭ ‬بالفرق‭ ‬الحمراء‭ ‬لاختبار‭ ‬الافتراضات‭ ‬السائدة‭ ‬وكشف‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬والتحيزات‭ ‬المحتملة‭. ‬أما‭ ‬المستوى‭ ‬الثالث‭ ‬فمجتمعي،‭ ‬ويرتبط‭ ‬بوجود‭ ‬مجال‭ ‬معرفي‭ ‬مشترك‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬التعدد‭ ‬والاختلاف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتفكك‭ ‬إلى‭ ‬جزر‭ ‬معرفية‭ ‬مغلقة‭ ‬أو‭ ‬ينزلق‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الشك‭ ‬الشامل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مصدر‭. ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬أي‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬أن‭ ‬يعوض‭ ‬غياب‭ ‬الآخرين؛‭ ‬فالفرد‭ ‬الواعي‭ ‬يظل‭ ‬معرضاً‭ ‬للخطر‭ ‬داخل‭ ‬مؤسسة‭ ‬ضعيفة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المؤسسة‭ ‬الجيدة‭ ‬تظل‭ ‬هشة‭ ‬داخل‭ ‬مجتمع‭ ‬فقد‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭ ‬وفي‭ ‬إمكان‭ ‬بناء‭ ‬مرجعيات‭ ‬مشتركة‭.‬

نحو‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬لحماية‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية

تحويل‭ ‬المفهوم‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬عامة‭ ‬يقتضي‭ ‬استراتيجية‭ ‬متعددة‭ ‬الطبقات‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬مبدأ‭ ‬واحد‭: ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬قبل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الرد‭. ‬فالاستجابة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬تحول‭ ‬حملة‭ ‬التأثير‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬ثقة‭ ‬تكون‭ ‬متأخرة‭ ‬بطبيعتها‭. ‬ولذلك‭ ‬تحتاج‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬دائمة‭ ‬للرصد‭ ‬والإنذار‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬وتحليل‭ ‬البيانات،‭ ‬والعلوم‭ ‬السلوكية،‭ ‬والاستخبارات‭ ‬المفتوحة،‭ ‬والاتصال‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬ويقدم‭ ‬برنامج‭ ‬البحث‭ ‬التابع‭ ‬لمنظمة‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬الناتو‭ ‬أمثلة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬نشاطه‭ ‬المخصص‭ ‬لـ«مؤشرات‭ ‬وإنذارات‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬السيبراني‮»‬،‭ ‬وآخر‭ ‬لاستغلال‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬بيئة‭ ‬المعلومات،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬انتقال‭ ‬الإنذار‭ ‬المعرفي‭ ‬من‭ ‬التصور‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬بناء‭ ‬القدرات‭.‬

الطبقة‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬حماية‭ ‬بيئة‭ ‬القرار‭. ‬ويتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬بروتوكولات‭ ‬للتحقق‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الحساسة،‭ ‬ومسارات‭ ‬بديلة‭ ‬للمصادر،‭ ‬وتمارين‭ ‬دورية‭ ‬تحاكي‭ ‬التزييف‭ ‬العميق‭ ‬والتسريبات‭ ‬المصطنعة‭ ‬والإغراق‭ ‬المعلوماتي‭. ‬كما‭ ‬يتطلب‭ ‬مؤسسات‭ ‬تسمح‭ ‬بالاعتراض‭ ‬المنظم،‭ ‬وتستخدم‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالفرق‭ ‬الحمراء‭ ‬لاختبار‭ ‬الرواية‭ ‬المهيمنة،‭ ‬وتفصل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬نعرفه‭ ‬وما‭ ‬نفترضه‭ ‬وما‭ ‬نرجحه‭. ‬ويدرج‭ ‬برنامج‭ ‬الناتو‭ ‬البحثي‭ ‬مشروعاً‭ ‬للتدريب‭ ‬المعرفي‭ ‬وتقييم‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬لأفراد‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ (‬COGARMY‭)‬،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬انتقال‭ ‬حماية‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬التدريب‭ ‬المؤسسي‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬المعرفي‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭.‬

الطبقة‭ ‬الثالثة‭ ‬مجتمعية‭ ‬وتربوية‭. ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬نصائح‭ ‬عامة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬تحقق‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تشارك،‭ ‬بل‭ ‬تدريب‭ ‬عملي‭ ‬على‭ ‬التعرف‭ ‬إلى‭ ‬أنماط‭ ‬التلاعب‭: ‬الاستثارة‭ ‬العاطفية،‭ ‬والسلطة‭ ‬الزائفة،‭ ‬والاستقطاب‭ ‬الثنائي،‭ ‬والانتقاء‭ ‬الإحصائي،‭ ‬والتكرار،‭ ‬ونزع‭ ‬السياق،‭ ‬وصناعة‭ ‬الإجماع‭ ‬الوهمي‭. ‬وتدل‭ ‬أبحاث‭ ‬التضليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التلقيح‭ ‬المعرفي‭ ‬المسبق‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬مقاومة‭ ‬بعض‭ ‬أساليب‭ ‬الخداع؛‭ ‬لأن‭ ‬الفرد‭ ‬يتعلم‭ ‬التقنية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬الرسالة‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬هذا‭ ‬التدريب‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬والموظفين‭ ‬والإعلاميين‭ ‬وصناع‭ ‬القرار،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬اختلاف‭ ‬الفئات‭ ‬والمنصات‭.‬

الطبقة‭ ‬الرابعة‭ ‬تقنية‭ ‬وتنظيمية‭. ‬تحتاج‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحساسة‭ ‬إلى‭ ‬توقيع‭ ‬رقمي‭ ‬للمواد‭ ‬الرسمية،‭ ‬وسلاسل‭ ‬إثبات‭ ‬للمصدر،‭ ‬ومعايير‭ ‬واضحة‭ ‬لاستخدام‭ ‬المحتوى‭ ‬المولد،‭ ‬وشراكات‭ ‬مع‭ ‬المنصات‭ ‬والجامعات‭ ‬ومختبرات‭ ‬التحقق‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تخضع‭ ‬أنظمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬السيادية‭ ‬لتقييم‭ ‬مستقل،‭ ‬وتوثيق‭ ‬للمصادر‭ ‬والقيود،‭ ‬واختبارات‭ ‬ضغط،‭ ‬وقدرة‭ ‬بشرية‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬المخرجات‭. ‬ويتقاطع‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬نشاط‭ ‬للناتو‭ ‬حول‭ ‬المُمكّنات‭ ‬التقنية‭ ‬ومضاعفات‭ ‬القوة‭ ‬للحرب‭ ‬المعرفية،‭ ‬من‭ ‬الرصد‭ ‬والتقييم‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وأنظمة‭ ‬الأتمتة،‭ ‬بما‭ ‬يربط‭ ‬الدفاع‭ ‬التقني‭ ‬بالأداء‭ ‬العملياتي‭.‬

أما‭ ‬الطبقة‭ ‬الخامسة‭ ‬فهي‭ ‬قانونية‭ ‬وأخلاقية‭. ‬فمكافحة‭ ‬التضليل‭ ‬الإدراكي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬قانونية‭ ‬وتشريعية‭ ‬واضحة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬الأفعال‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬تلاعباً‭ ‬منظماً‭ ‬ومقصوداً،‭ ‬ووضع‭ ‬الأطر‭ ‬الناظمة‭ ‬للتدخل،‭ ‬وتحديد‭ ‬مسؤوليات‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمنصات‭ ‬والفاعلين‭ ‬التقنيين‭.‬

وتحتاج‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أخيراً‭ ‬إلى‭ ‬بعد‭ ‬بحثي‭ ‬ودولي‭. ‬فالحملات‭ ‬والمنصات‭ ‬وسلاسل‭ ‬البيانات‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬ولا‭ ‬تستطيع‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬امتلاك‭ ‬كل‭ ‬أدوات‭ ‬الإسناد‭ ‬والكشف‭. ‬ويقدم‭ ‬التقرير‭ ‬نفسه‭ ‬مثالاً‭ ‬لجدوى‭ ‬هذا‭ ‬التعاون؛‭ ‬فمنذ‭ ‬2022‭ ‬أطلقت‭ ‬منظمة‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬الناتو‭ ‬عشرين‭ ‬نشاطاً‭ ‬بحثياً‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالحرب‭ ‬المعرفية،‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مئتي‭ ‬خبير‭ ‬من‭ ‬ست‭ ‬وعشرين‭ ‬دولة‭ ‬حليفة‭ ‬وشريكة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التعاون‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬تبعية‭ ‬معرفية،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقترن‭ ‬ببناء‭ ‬قدرة‭ ‬وطنية‭ ‬مستقلة‭ ‬على‭ ‬التحليل‭ ‬والتقدير‭.‬

وتثير‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬مسألة‭ ‬القياس،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬نقاط‭ ‬المفهوم‭ ‬حساسية‭. ‬فالحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬دائماً‭ ‬أثراً‭ ‬مادياً‭ ‬مباشراً‭ ‬يمكن‭ ‬نسبه‭ ‬إلى‭ ‬فاعل‭ ‬بعينه،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬المواقف‭ ‬لا‭ ‬يثبت‭ ‬وحده‭ ‬وقوع‭ ‬تلاعب‭ ‬خارجي‭. ‬لذلك‭ ‬يجب‭ ‬تجنب‭ ‬بناء‭ ‬مؤشرات‭ ‬تقيس‭ ‬مضمون‭ ‬الرأي‭ ‬أو‭ ‬درجة‭ ‬توافقه‭ ‬مع‭ ‬السياسة‭ ‬الرسمية‭ ‬فقط‭. ‬الأجدى‭ ‬هو‭ ‬قياس‭ ‬خصائص‭ ‬العملية‭ ‬نفسها‭ ‬أيضاً‭: ‬وجود‭ ‬تنسيق‭ ‬غير‭ ‬أصيل،‭ ‬وسرعة‭ ‬تضخيم‭ ‬غير‭ ‬معتادة،‭ ‬وتطابق‭ ‬شبكات‭ ‬النشر،‭ ‬ومحاولات‭ ‬إخفاء‭ ‬المصدر،‭ ‬واستهداف‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬محددة،‭ ‬والتغير‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬الثقة‭ ‬أو‭ ‬القرار‭ ‬بعد‭ ‬التعرض‭. ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬المؤسسي‭ ‬يمكن‭ ‬قياس‭ ‬زمن‭ ‬التحقق،‭ ‬ونسبة‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬خضعت‭ ‬لمراجعة‭ ‬مستقلة،‭ ‬وتنوع‭ ‬المصادر‭ ‬المستخدمة،‭ ‬وقدرة‭ ‬الفرق‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬المعلومات‭ ‬المزروعة‭ ‬أثناء‭ ‬التمارين‭. ‬

خاتمة

تكشف‭ ‬الحرب‭ ‬المعرفية‭ ‬عن‭ ‬تحول‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬وفي‭ ‬طبيعة‭ ‬المجال‭ ‬الذي‭ ‬تمارس‭ ‬فيه‭. ‬فالمجال‭ ‬الحاسم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬والمياه‭ ‬والسماء،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬الشبكات‭ ‬وقواعد‭ ‬البيانات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬الحلقة‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬فيها‭ ‬المعلومة‭ ‬إلى‭ ‬معنى،‭ ‬والمعنى‭ ‬إلى‭ ‬تقدير،‭ ‬والتقدير‭ ‬إلى‭ ‬قرار‭. ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تحمي‭ ‬الدولة‭ ‬بنيتها‭ ‬الرقمية‭ ‬إذا‭ ‬ظلت‭ ‬مؤسساتها‭ ‬قابلة‭ ‬للاستدراج،‭ ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تصحح‭ ‬الأخبار‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬قد‭ ‬فقد‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬مشتركة،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تكشف‭ ‬التزييف‭ ‬إذا‭ ‬أصبح‭ ‬كل‭ ‬دليل‭ ‬حقيقي‭ ‬قابلاً‭ ‬للإنكار‭. ‬فجوهر‭ ‬التحدي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات‭ ‬أو‭ ‬سلامة‭ ‬الوسائط،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبح‭ ‬متصلاً‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬بحماية‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الفهم،‭ ‬وبناء‭ ‬التقدير،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتسع‭ ‬فيها‭ ‬إمكانات‭ ‬التأثير‭ ‬والتلاعب‭ ‬وتتزايد‭ ‬فيها‭ ‬صعوبة‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الحقيقي‭ ‬والمصطنع‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتحدد‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬لا‭ ‬بوصفها‭ ‬مشروعاً‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬العقول،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬مشروعاً‭ ‬لحماية‭ ‬شروط‭ ‬استقلالها‭. ‬وهي‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الفرد‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬الاستدراج‭ ‬والتلاعب،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بوجود‭ ‬مؤسسات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬نفسها،‭ ‬ومجال‭ ‬عام‭ ‬لا‭ ‬يسقط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬العدمية‭ ‬المعرفية،‭ ‬وبنية‭ ‬تقنية‭ ‬تجعل‭ ‬مصدر‭ ‬المحتوى‭ ‬ومسارات‭ ‬تعديله‭ ‬قابلين‭ ‬للتحقق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قواعد‭ ‬قانونية‭ ‬ومؤسسية‭ ‬تكفل‭ ‬حماية‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬والمعرفية‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬يصبح‭ ‬الأمن‭ ‬المعرفي‭ ‬والإدراكي‭ ‬امتداداً‭ ‬للأمن‭ ‬بمفهوميه‭ ‬التقليدي‭ ‬والحديث؛‭ ‬إذ‭ ‬يضيف‭ ‬إلى‭ ‬مهام‭ ‬حماية‭ ‬الإقليم‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والبنى‭ ‬التحتية‭ ‬والفضاء‭ ‬السيبراني‭ ‬مهمة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬القدرة‭ ‬الفردية‭ ‬والمؤسسية‭ ‬على‭ ‬الإدراك‭ ‬والفهم‭ ‬والتقدير‭ ‬وإصدار‭ ‬الحكم‭ ‬بصورة‭ ‬سديدة‭ ‬ومستقلة‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬الإدراكي‭ ‬والمعرفي‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬وظيفة‭ ‬أمنية‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الوظائف،‭ ‬بل‭ ‬تصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬مكملاً‭ ‬لها،‭ ‬وشرطاً‭ ‬متزايد‭ ‬الأهمية‭ ‬لصون‭ ‬استقلال‭ ‬القرار‭ ‬الفردي‭ ‬والمجتمعي‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتسع‭ ‬فيها‭ ‬إمكانات‭ ‬التأثير‭ ‬والتلاعب‭ ‬وتتداخل‭ ‬فيها‭ ‬مستويات‭ ‬القوة‭ ‬المادية‭ ‬والرقمية‭ ‬والمعرفية‭.‬

وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬بقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬كل‭ ‬تأثير‭ ‬خارجي،‭ ‬فهذا‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬مستحيلاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬معظم‭ ‬الدول،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬متى‭ ‬يجري‭ ‬التأثير‭ ‬عليها،‭ ‬وكيف‭ ‬يتم‭ ‬ذلك،‭ ‬وبأي‭ ‬أدوات،‭ ‬وعلى‭ ‬أي‭ ‬مستويات،‭ ‬ثم‭ ‬مواصلة‭ ‬إنتاج‭ ‬تقديراتها‭ ‬واتخاذ‭ ‬قراراتها‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة‭. ‬ولتحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬تتحول‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مصطلح‭ ‬إلى‭ ‬مبدأ‭ ‬تنظيمي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬التعليم‭ ‬والإعلام‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والدفاع‭ ‬والتحول‭ ‬الرقمي،‭ ‬ويربط‭ ‬بينها‭ ‬ضمن‭ ‬تصور‭ ‬أوسع‭ ‬للأمن‭ ‬الوطني‭. ‬فحماية‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬بأداة‭ ‬واحدة‭ ‬أو‭ ‬بمؤسسة‭ ‬منفردة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬بناء‭ ‬المناعة‭ ‬الفردية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬جودة‭ ‬التقدير‭ ‬المؤسسي،‭ ‬وصون‭ ‬المجال‭ ‬المعرفي‭ ‬المشترك،‭ ‬وتطوير‭ ‬الأدوات‭ ‬التقنية‭ ‬والقانونية‭ ‬اللازمة‭ ‬للكشف‭ ‬والتحقق‭ ‬والمساءلة‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تصبح‭ ‬حماية‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والتقدير‭ ‬الإدراكي‭ ‬والمعرفي،‭ ‬وصون‭ ‬القرار‭ ‬العقلاني‭ ‬المستنير،‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬العميقة‭ ‬للاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

خلاصة‭ ‬القول،‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الحرب‭ ‬يفرض‭ ‬تحولاً‭ ‬موازياً‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬ذاته‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬القوة‭ ‬المعاصرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ندرك‭ ‬بها‭ ‬الواقع‭ ‬ونفسره‭ ‬ونبني‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬قراراتنا،‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬السيادة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬الحدود‭ ‬والبنى‭ ‬التحتية‭ ‬والشبكات‭. ‬إنها‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬المعرفة‭ ‬ممكنة،‭ ‬والحكم‭ ‬مستقلاً،‭ ‬والقرار‭ ‬قابلاً‭ ‬للمراجعة،‭ ‬والاختلاف‭ ‬قابلاً‭ ‬للإدارة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬تفكك‭ ‬معرفي‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬السيادة‭ ‬الإدراكية‭ ‬هامشاً‭ ‬جديداً‭ ‬للأمن،‭ ‬بل‭ ‬أحد‭ ‬شروطه‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬وائل‭ ‬صالح‭  ‬مدير‭ ‬بمركز‭ ‬تريندز‭ ‬للبحوث‭ ‬والاستشارات‭ ‬بفرنسا‭ ‬وكندا‭

Instagram
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض