أصبحت الحرب المعاصرة تقاس أيضاً بقدرتها على التأثير في الكيفية التي يرى بها الأفراد والجماعات والمؤسسات الواقع، ويفسرون الوقائع، ويمنحون الثقة، ويقدرون المخاطر، ويتخذون القرار. ومن هذه الزاوية، تمثل الحرب المعرفية والإدراكية انتقالاً نوعياً من استهداف المعلومة إلى استهداف الشروط التي يتشكل من خلالها المعنى والحكم على الواقع.

فالمعلومة المضللة ليست غاية مستقلة، وإنما أداة ضمن منظومة أوسع تستهدف إرباك الإدراك، وتفكيك المرجعيات المشتركة، وإضعاف الثقة في المؤسسات، والتأثير في أنماط التقدير واتخاذ القرار، أو دفع الخصم إلى تبني قراءة للواقع تخدم الأهداف الاستراتيجية للفاعل المهاجم. لذلك، لا ينبغي اختزال الحرب المعرفية والإدراكية في الدعاية أو الأخبار الزائفة أو العمليات النفسية التقليدية، وإن كانت تتقاطع معها وتستفيد من أدواتها. فخصوصيتها تكمن في دمج علوم الإدراك والسلوك، وتحليل البيانات واسعة النطاق، والمنصات الرقمية، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، بهدف التأثير بصورة أكثر استمرارية ودقة في الانتباه، والتفضيلات، والثقة، وتقدير المخاطر، وأنماط اتخاذ القرار. وبذلك لا يعود الإنسان مجرد متلق للرسالة، وإنما تصبح آليات إدراكه ومعالجته للمعلومات وتكوينه للأحكام جزءاً من ميدان العمليات ذاته.
وتظهر الأدبيات الاستراتيجية الحديثة أن ميدان الصراع بات أكثر اتصالاً واستمرارية. فبدل الفصل الصارم بين السلم والأزمة والحرب، تتداخل المنافسة والضغط والهجوم داخل فضاء واحد تستطيع فيه العمليات المعرفية أن تعمل بصورة متواصلة، تحت عتبة النزاع المسلح وفي أوقات السلم والأزمات. ومن ثم تبدو الحرب المعرفية والإدراكية، بطبيعتها، صراعاً مستداماً وعابراً للمراحل والحدود التقليدية، ولا سيما في سياق دولي يتسم بالسيولة، وهشاشة التحالفات، وتصاعد اللايقين، وتراجع وضوح الحدود الفاصلة بين الخصومة والتعاون.
وفي هذا الفضاء لا يكون الهدف بالضرورة إقناع الافراد والمجتمع برواية محددة؛ فقد يكون الهدف الأكثر فاعلية زرع الشك في مختلف الروايات، أو رفع كلفة التمييز بين الحقيقي والمصطنع، أو استنزاف الانتباه، أو تضخيم الانقسامات القائمة، أو إضعاف الثقة في إمكان الوصول إلى حقيقة مشتركة. وعندئذٍ لا يقاس نجاح الهجوم المعرفي فقط بقدرته على فرض سردية بديلة، بل أيضاً بقدرته على تقليص قدرة المجتمع ومؤسساته على تكوين فهم منظم للواقع، والحفاظ على مرجعيات مشتركة، واتخاذ قرار مستقل في بيئة يزداد فيها الالتباس والتنافس على إنتاج المعنى.
ويقتضي استخدام المفهوم قدراً من الحذر. فالحرب المعرفية لا تزال مفهوماً في طور التشكل، وحدودها ليست مستقرة تماماً بين الأدبيات العسكرية والسياسية والنفسية. ولهذا تعتمد هذه الدراسة تعريفاً إجرائياً للحرب المعرفية بوصفها الاستخدام المنظم والمقصود لأدوات معلوماتية وتقنية ونفسية وسلوكية للتأثير في العمليات التي تتشكل من خلالها المعتقدات والانتباه والثقة والتقدير والقرار لدى مجتمع أو مؤسسة أو خصم مستهدف، على نحو يخدم غاية استراتيجية محددة.
ويستدعي هذا التحول من الحرب المعلوماتية إلى الحرب المعرفية انتقالاً موازياً في العقيدة الأمنية: من حماية الشبكات والبيانات والمعلومات إلى حماية القدرة البشرية والمؤسسية على الفهم والتقدير واتخاذ القرار. ومن هنا تقترح الدراسة مفهوم السيادة الإدراكية بوصفه قدرة المجتمع والدولة ومؤسساتها على صيانة استقلال الحكم في بيئة شديدة القابلية للهندسة، من دون الانغلاق على المعرفة أو مصادرة التعدد. فالسيادة الإدراكية ليست سيادة على الأفكار، بل على الشروط التي تجعل الحكم مستقلاً بدرجة معقولة؛ وليست حماية من التأثير في ذاته، بل من التلاعب المنظم الذي يعطل القدرة على التحقق والمراجعة والاختيار.
وفي هذا السياق، تسعى الدراسة إلى تفكيك التحول الجاري في ميدان الصراع المعرفي، وتحليل أدواته وآلياته، واستكشاف انعكاساته على مفهوم الأمن الوطني، ثم تحديد أبرز معالم إطار استراتيجي قادر على حماية السيادة الإدراكية وصونها.
من الحرب المعلوماتية إلى الحرب المعرفية: تحول ميدان الصراع
تكشف المقارنة بين الحرب المعلوماتية والحرب المعرفية أن التحول لا يتعلق بتغيير الوسائل فقط، بل بإعادة تعريف موضوع الصراع. ففي الحرب المعلوماتية يكون مركز الثقل هو المعلومة: الحصول عليها، حجبها، تشويهها، سرقتها، أو تعطيل قنواتها. أما في الحرب المعرفية فالمعلومة تصبح مدخلاً إلى هدف أعمق هو الطريقة التي تمنح بها المعلومة معنى داخل الذهن والمؤسسة. ولذلك ينتقل التركيز من صحة الرسالة وحدها إلى بنية التلقي: من يثق بمن؟ ما الذي يجذب الانتباه؟ كيف تتشكل الأولويات؟ كيف يتحول عدم اليقين إلى خوف أو غضب؟ ومتى يصبح تراكم الشك عجزاً عن الحكم بدل أن يكون شرطاً للنقد؟
هذا التحول يفسر اتساع ميدان العمليات من استهداف المنصة أو القناة إلى استهداف النظام المعرفي والاجتماعي برمته. فمثلاً، يتعامل التقرير الذي قدمه جيوردانو جيمس عام 2026 لحلف شمال الأطلسي حول الحرب المعرفية حيث يقدم هذه الحرب بوصفها صراعاً يتجاوز نقل الرسائل العدائية ليستهدف الإدراك، والتفسير والقرار والسلوك. وفي الاتجاه نفسه، يبرز التصور الاستراتيجي للحرب المعرفية انتقال مركز الثقل نحو تحقيق التفوق المعرفي، من خلال استهداف آليات العقلنة والحكم، واستثمار مواطن الضعف النفسية والاجتماعية وتحويلها إلى نقاط نفاذ عملياتية تؤثر في كيفية فهم الواقع والاستجابة له واتخاذ القرار بشأنه.
غير أن الجديد لا يلغي القديم. فالدعاية، والعمليات النفسية، والخداع العسكري، والتأثير السياسي، كلها سوابق تاريخية واضحة. الجديد هو تكاملها داخل بيئة رقمية قادرة على جمع البيانات، وقياس الاستجابة، وتعديل الرسالة، وإعادة توزيعها بصورة آنية وعلى نطاق واسع. ومن ثم تصبح الحرب المعرفية أقرب إلى منظومة تكيفية تتعلم من الجمهور بقدر ما تستهدفه. إنها لا ترسل الرسالة فقط، بل ترصد أثرها، وتعيد هندسة التوقيت والشكل والجمهور، وتستثمر البنية الخوارزمية للمنصات التي تكافئ الانفعال والانتشار والاحتفاظ بالانتباه.
ومن هذه الزاوية تصبح الاستمرارية خاصية أساسية. فالعملية المعرفية لا تحتاج إلى إعلان حرب، ولا إلى اختراق تقني ظاهر، ولا حتى إلى معلومة كاذبة بصورة كاملة. ويقدم تقرير جيوردانو جيمس مثالاً واضحاً على ذلك حين يشير إلى استخدام روسيا، قبل الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، سرديات متعارضة وعمليات “راية كاذبة” بهدف زعزعة الاستقرار والتأثير في القرارات. كما يستشهد بجائحة كوفيد-19 لإظهار كيف يمكن للمعلومات “المسلّحة” على وسائل التواصل الاجتماعي أن تهدد صنع القرار، بما يؤكد أن المجال المعرفي يعمل في الحرب والسلم والأزمات.
البنية العملياتية للحرب المعرفية والذكاء الاصطناعي: استهداف الإدراك والثقة والقرار
تعمل الحرب المعرفية من خلال الحلقة التي تربط بين المعلومة والمعنى والقرار. ويمكن فهم بنيتها عبر ثلاث دوائر مترابطة: فردية تمس الانتباه والعاطفة والتحيزات والذاكرة؛ واجتماعية تتعلق بالهوية والانتماء والاستقطاب والثقة؛ ومؤسسية تمس الشرعية وآليات التقدير وصنع القرار. ويتقاطع هذا البناء مع الشكل في تقرير كبير العلماء في الناتو، الذي يميز بين استهداف المواقف والقرار والسلوك على المستوى الفردي، وزعزعة الثقة وصناعة الاستقطاب على مستوى الجماعات، والمس بالقيم وسيادة القانون والعقد الاجتماعي على المستوى المجتمعي، بما يوضح انتقال التأثير من الفرد إلى البنية الاجتماعية الأوسع.
يوضح الشكل التالي الأبعاد الرئيسية للحرب المعرفية بصورة مبسطة ومترابطة. وينطلق من أن الفاعل المعادي لا يستهدف مجرد نقل رسائل دعائية أو معلومات مضللة، بل يسعى إلى التأثير في الإدراك والسلوك وصنع القرار عبر ثلاثة مستويات متداخلة: المستوى الفردي، من خلال التأثير في الاتجاهات والإدراك واتخاذ القرار؛ والمستوى الجماعي، عبر زعزعة الثقة وتعميق الاستقطاب وإضعاف التماسك بين الجماعات؛ والمستوى المجتمعي، من خلال التأثير في القيم العامة والعقد الاجتماعي والثقة بالمؤسسات والقواعد الديمقراطية. كما يبين الشكل أن هذه التأثيرات تتعزز بفعل مجموعة من العوامل الممكنة، من بينها التكنولوجيا الرقمية، والمنصات والشبكات، والترابط بين الأفراد، والذكاء الاصطناعي والتزييف العميق. وفي المقابل، يبرز الشكل أن مواجهة الحرب المعرفية تقتضي ثلاث استجابات أساسية: إضعاف قدرات الخصم، وتعزيز الصمود والقدرة على التحمل، وتحسين الإدراك البشري والتكنولوجي. وبذلك تصبح حماية الإدراك والثقة والقدرة على اتخاذ القرار جزءاً أساسياً من متطلبات الأمن الوطني المعاصر.
في المستوى الفردي، تستثمر العملية محدودية الانتباه والحاجة إلى الاتساق والانحياز إلى ما يؤكد المعتقدات السابقة والحساسية الأعلى للمحتوى المثير للخوف أو الغضب. وهذه ليست عيوباً استثنائية في الإنسان، بل خصائص عادية في الاقتصاد المعرفي للذهن. غير أن الفاعل المهاجم يستطيع هندسة البيئة التي تفعّلها عبر التكرار والانتقاء والتوقيت والإغراق وصناعة الانطباع بالانتشار. وتبين البحوث النفسية أن المعلومة الخاطئة قد تستمر في التأثير حتى بعد تصحيحها، وأن الانتماء والهوية والعاطفة تؤثر في قابلية الاعتقاد وفي مقاومة التصحيح. ولذلك تصبح الوقاية السابقة، وتفسير تقنيات التلاعب، أهم من افتراض أن التصحيح اللاحق يمحو الأثر تلقائياً.
أما في المستوى الاجتماعي فتصبح الثقة رأسمال استراتيجياً. فالمجتمع لا يتعامل مع الوقائع منفصلة عن مصادرها، بل يقرر أيضاً من يملك أهلية الكلام ومن يستحق التصديق. وإذا نجحت عملية ما في إقناع قطاعات واسعة بأن المؤسسات كلها تكذب، وأن كل صورة قابلة للتلفيق، وأن كل خبير تابع لجهة خفية، فإنها لا تحتاج إلى فرض رواية موحدة. يكفي أن تضعف المجال المشترك الذي يسمح بالجدل العقلاني والتسوية. ومن ثم فإن العدمية المعرفية قد تكون أكثر نفعاً للمهاجم من الدعاية الصريحة، لأن المجتمع الذي لا يثق بشيء يصبح أبطأ في التنسيق وأكثر قابلية للانقسام.
وفي المستوى المؤسسي تنتقل المعركة إلى دورة القرار نفسها. قد يكون الهدف زرع تقدير خاطئ لنية الخصم، أو تضخيم تهديد ثانوي، أو إغراق القيادة في مؤشرات متعارضة، أو منح مصدر مخترق ثقة زائفة، أو خلق ضغط زمني يدفع إلى تجاوز إجراءات التحقق. ويشير تقرير كبير العلماء في الناتو إلى أن الخصوم يستغلون مواطن الضعف في حلقة الملاحظة والتوجيه والقرار والفعل (OODA)، بما يجعل الإدراك مدخلاً للتأثير في القيادة. ويمكن أن تكون النتيجة تأخير القرار، أو سوء ترتيب الأولويات، أو تشتيت الموارد، ولذلك تبدأ حماية القرار منذ جمع البيانات وتصنيف المصادر وصياغة الفرضيات.
أدخل الذكاء الاصطناعي الحرب المعرفية في طور جديد، لأنه غيّر اقتصاد التأثير. فقد خفض كلفة إنتاج النص والصوت والصورة والفيديو، ورفع سرعة الترجمة والتخصيص، وسمح بتوليد نسخ متعددة من الرسالة بما يلائم جماعات مختلفة. والخطر هنا لا يقتصر على أن المحتوى المصطنع أصبح أكثر إقناعاً، بل في أن العملية كلها أصبحت قابلة للأتمتة: الإنتاج، والاختبار، والقياس، والتعديل، وإعادة الاستهداف. وهكذا تنتقل الحملات من نموذج الرسالة الجماهيرية الواحدة إلى نموذج الهندسة الدقيقة، حيث يمكن لكل شريحة أن تتلقى سردية مصممة، وفق حساسياتها، ومخاوفها ولغتها.
وتزداد الخطورة عندما يقترن التوليد بالبيانات السلوكية. فالمنصات راكمت على مدى سنوات آثارا رقمية تسمح ببناء نماذج تقريبية للاهتمامات والعلاقات وأنماط التفاعل. وعندما تستخدم هذه المؤشرات في استهداف الرسائل، يصبح التأثير أقل ظهوراً للمجال العام: لا توجد بالضرورة حملة واحدة يمكن للجميع رؤيتها ومناقشتها، بل نسخ متعددة من الواقع موزعة على جماعات مختلفة. وعندئذٍ يتآكل الشرط الذي يقوم عليه النقاش العام، أي وجود حد أدنى من الوقائع والرسائل المشتركة التي يمكن الاعتراض عليها بصورة علنية.
كما يغير الذكاء الاصطناعي البنية الإثباتية. فالتزييف العميق لا يجعل المادة الكاذبة أكثر واقعية فحسب، بل يمنح المادة الحقيقية قابلية أكبر للإنكار. وقد وصفت الأدبيات هذه الظاهرة بعائد الكاذب: حين يصبح مجرد وجود تقنيات التزييف مبرراً لادعاء أن تسجيلات صحيحة ملفقة. وفي هذه البيئة تتعرض الصورة والصوت والوثيقة لفقدان تدريجي لوظيفتها بوصفها أدلة. ومن ثم لا يصبح التحدي اكتشاف المزيف فقط، بل إعادة بناء سلاسل موثوقة لأصل المحتوى وتاريخه وطريقة تعديله.
غير أن الذكاء الاصطناعي ليس أداة هجومية حصراً. فالقدرات نفسها تستخدم في اكتشاف الشبكات المنسقة، وتحليل السلوك غير الطبيعي، ومقارنة الوسائط، وتحديد أنماط التضخيم، ودعم غرف العمليات. وتتيح معايير إثبات المصدر مثل مواصفات C2PA ربط المحتوى ببيانات منشأ وتعديلات قابلة للتحقق تشفيرياً، من دون أن تدعي أن المصدر الموثق يجعل مضمون المحتوى صحيحاً بالضرورة. وهذه نقطة جوهرية: التقنية تستطيع المساعدة في إثبات الأصل والسلامة، لكنها لا تحل وحدها سؤال المعنى أو الصدق أو النية.
ولهذا ينبغي أن تدمج حوكمة الذكاء الاصطناعي في استراتيجية السيادة الإدراكية. فإطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي الصادر عن المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا يؤكد أن المخاطر يجب أن تدار عبر دورة حياة النظام، من الحوكمة وتحديد السياق إلى القياس والتخفيف. وفي المجال السيادي يعني ذلك ألا تتحول النماذج إلى سلطة معرفية غير قابلة للمراجعة، وأن تبقى مصادر البيانات والافتراضات وحدود الثقة قابلة للتدقيق. فالاعتماد على نظام غير مفهوم في التقدير الاستراتيجي قد ينشئ تبعية معرفية حتى من دون وجود خصم يتلاعب به مباشرة.

السيادة الإدراكية: من حماية المعلومات إلى حماية استقلال الحكم المعرفي والإدراكي
إذا كانت الحرب المعرفية تستهدف شروط الحكم المعرفي والإدراكي، فإن الاستجابة المنطقية هي حماية تلك الشروط. ومن هنا يمكن تعريف السيادة الإدراكية بأنها قدرة الفرد والمؤسسة والمجتمع على تكوين التقديرات والاختيارات بصورة مستقلة نسبياً، اعتماداً على بيئة معرفية تسمح بالتحقق والمراجعة والتعدد، مع امتلاك القدرة على كشف التلاعب المنظم وامتصاص آثاره. لا يفترض هذا التعريف وجود عقل وطني موحد، ولا يدعو إلى عزل المجتمع عن التأثير الخارجي. فالإنسان يتكون دائماً داخل شبكات من التأثير. المقصود هو ألا يتحول التأثير إلى هندسة خفية تعطل إمكان الوعي به أو مقاومته.
وهنا تتميز السيادة الإدراكية عن الأمن السيبراني والأمن المعلوماتي. فالأول يحمي الأنظمة والشبكات والبيانات من الاختراق والتعطيل، والثاني يهتم بسلامة تدفقات المعلومات وموثوقيتها، أما السيادة الإدراكية فتسأل عما يحدث بعد وصول المعلومة: كيف تحولت إلى معرفة؟ من منحها الشرعية؟ ما الافتراضات التي نظمت تفسيرها؟ وهل كان القرار الناتج قابلاً للمراجعة؟ إنها بذلك سيادة في عملية المعرفة نفسها، لا في مخزون المعلومات فقط.
وتقوم السيادة الإدراكية على ثلاثة مستويات مترابطة. الأول فردي، ويتعلق بقدرة الشخص على إدارة انتباهه، والتعرف إلى أساليب الاستدراج العاطفي والتلاعب، وتأجيل الاستجابة، ومقارنة المصادر قبل تكوين الحكم. والثاني مؤسسي، ويتصل بجودة عمليات التقدير، وتنوع الخبرات، والتمييز بين التحليل والرغبة السياسية، والاستعانة بما يعرف بالفرق الحمراء لاختبار الافتراضات السائدة وكشف نقاط الضعف والتحيزات المحتملة. أما المستوى الثالث فمجتمعي، ويرتبط بوجود مجال معرفي مشترك قادر على استيعاب التعدد والاختلاف من دون أن يتفكك إلى جزر معرفية مغلقة أو ينزلق إلى حالة من الشك الشامل في كل مصدر. ولا يستطيع أي مستوى من هذه المستويات أن يعوض غياب الآخرين؛ فالفرد الواعي يظل معرضاً للخطر داخل مؤسسة ضعيفة، كما أن المؤسسة الجيدة تظل هشة داخل مجتمع فقد الثقة في مصادر المعرفة وفي إمكان بناء مرجعيات مشتركة.
نحو استراتيجية وطنية لحماية السيادة الإدراكية
تحويل المفهوم إلى سياسة عامة يقتضي استراتيجية متعددة الطبقات تبدأ من مبدأ واحد: القدرة على الفهم قبل القدرة على الرد. فالاستجابة التي لا تبدأ إلا بعد تحول حملة التأثير إلى أزمة ثقة تكون متأخرة بطبيعتها. ولذلك تحتاج الدولة إلى قدرة دائمة للرصد والإنذار تجمع بين الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والعلوم السلوكية، والاستخبارات المفتوحة، والاتصال الاستراتيجي. ويقدم برنامج البحث التابع لمنظمة العلوم والتكنولوجيا في الناتو أمثلة على هذا الاتجاه، من بينها نشاطه المخصص لـ«مؤشرات وإنذارات الحرب المعرفية في الفضاء السيبراني»، وآخر لاستغلال وسائل التواصل الاجتماعي في عمليات بيئة المعلومات، بما يعكس انتقال الإنذار المعرفي من التصور النظري إلى مجال بناء القدرات.
الطبقة الثانية هي حماية بيئة القرار. ويتطلب ذلك بروتوكولات للتحقق من المواد الحساسة، ومسارات بديلة للمصادر، وتمارين دورية تحاكي التزييف العميق والتسريبات المصطنعة والإغراق المعلوماتي. كما يتطلب مؤسسات تسمح بالاعتراض المنظم، وتستخدم ما يسمى بالفرق الحمراء لاختبار الرواية المهيمنة، وتفصل بين ما نعرفه وما نفترضه وما نرجحه. ويدرج برنامج الناتو البحثي مشروعاً للتدريب المعرفي وتقييم العمل الجماعي لأفراد القوات البرية (COGARMY)، بما يعكس انتقال حماية القرار من الوعي النظري إلى التدريب المؤسسي على الأداء المعرفي تحت الضغط.
الطبقة الثالثة مجتمعية وتربوية. المطلوب ليس نصائح عامة من نوع تحقق قبل أن تشارك، بل تدريب عملي على التعرف إلى أنماط التلاعب: الاستثارة العاطفية، والسلطة الزائفة، والاستقطاب الثنائي، والانتقاء الإحصائي، والتكرار، ونزع السياق، وصناعة الإجماع الوهمي. وتدل أبحاث التضليل على أن التلقيح المعرفي المسبق يمكن أن يرفع مقاومة بعض أساليب الخداع؛ لأن الفرد يتعلم التقنية قبل أن يواجه الرسالة. ويجب أن يمتد هذا التدريب إلى المدارس والجامعات والموظفين والإعلاميين وصناع القرار، مع مراعاة اختلاف الفئات والمنصات.
الطبقة الرابعة تقنية وتنظيمية. تحتاج المؤسسات الحساسة إلى توقيع رقمي للمواد الرسمية، وسلاسل إثبات للمصدر، ومعايير واضحة لاستخدام المحتوى المولد، وشراكات مع المنصات والجامعات ومختبرات التحقق. كما يجب أن تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في المجالات السيادية لتقييم مستقل، وتوثيق للمصادر والقيود، واختبارات ضغط، وقدرة بشرية على تجاوز المخرجات. ويتقاطع ذلك مع نشاط للناتو حول المُمكّنات التقنية ومضاعفات القوة للحرب المعرفية، من الرصد والتقييم إلى مساعدة الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأتمتة، بما يربط الدفاع التقني بالأداء العملياتي.
أما الطبقة الخامسة فهي قانونية وأخلاقية. فمكافحة التضليل الإدراكي تحتاج إلى منظومة قانونية وتشريعية واضحة، قادرة على تحديد الأفعال التي تشكل تلاعباً منظماً ومقصوداً، ووضع الأطر الناظمة للتدخل، وتحديد مسؤوليات المؤسسات والمنصات والفاعلين التقنيين.
وتحتاج الاستراتيجية أخيراً إلى بعد بحثي ودولي. فالحملات والمنصات وسلاسل البيانات عابرة للحدود، ولا تستطيع دولة واحدة امتلاك كل أدوات الإسناد والكشف. ويقدم التقرير نفسه مثالاً لجدوى هذا التعاون؛ فمنذ 2022 أطلقت منظمة العلوم والتكنولوجيا في الناتو عشرين نشاطاً بحثياً مرتبطاً بالحرب المعرفية، شارك فيها أكثر من مئتي خبير من ست وعشرين دولة حليفة وشريكة. غير أن التعاون ينبغي ألا يتحول إلى تبعية معرفية، بل يجب أن يقترن ببناء قدرة وطنية مستقلة على التحليل والتقدير.
وتثير هذه المقاربة مسألة القياس، وهي من أكثر نقاط المفهوم حساسية. فالحرب المعرفية لا تترك دائماً أثراً مادياً مباشراً يمكن نسبه إلى فاعل بعينه، كما أن تغير المواقف لا يثبت وحده وقوع تلاعب خارجي. لذلك يجب تجنب بناء مؤشرات تقيس مضمون الرأي أو درجة توافقه مع السياسة الرسمية فقط. الأجدى هو قياس خصائص العملية نفسها أيضاً: وجود تنسيق غير أصيل، وسرعة تضخيم غير معتادة، وتطابق شبكات النشر، ومحاولات إخفاء المصدر، واستهداف نقاط ضعف محددة، والتغير في أنماط الثقة أو القرار بعد التعرض. وعلى المستوى المؤسسي يمكن قياس زمن التحقق، ونسبة القرارات التي خضعت لمراجعة مستقلة، وتنوع المصادر المستخدمة، وقدرة الفرق على اكتشاف المعلومات المزروعة أثناء التمارين.
خاتمة
تكشف الحرب المعرفية عن تحول عميق في منطق القوة وفي طبيعة المجال الذي تمارس فيه. فالمجال الحاسم لم يعد مقتصراً على الأرض والمياه والسماء، ولا على الشبكات وقواعد البيانات وحدها، بل امتد إلى الحلقة التي تتحول فيها المعلومة إلى معنى، والمعنى إلى تقدير، والتقدير إلى قرار. ولهذا لا يكفي أن تحمي الدولة بنيتها الرقمية إذا ظلت مؤسساتها قابلة للاستدراج، ولا يكفي أن تصحح الأخبار إذا كان المجتمع قد فقد الثقة في إمكان الوصول إلى حقيقة مشتركة، كما لا يكفي أن تكشف التزييف إذا أصبح كل دليل حقيقي قابلاً للإنكار. فجوهر التحدي لم يعد محصوراً في حماية تدفق المعلومات أو سلامة الوسائط، وإنما أصبح متصلاً بصورة مباشرة بحماية القدرة على الفهم، وبناء التقدير، واتخاذ القرار في بيئة تتسع فيها إمكانات التأثير والتلاعب وتتزايد فيها صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع.
ومن هنا تتحدد السيادة الإدراكية لا بوصفها مشروعاً للسيطرة على العقول، بل بوصفها مشروعاً لحماية شروط استقلالها. وهي تبدأ من الفرد القادر على مقاومة الاستدراج والتلاعب، لكنها لا تكتمل إلا بوجود مؤسسات قادرة على مراجعة نفسها، ومجال عام لا يسقط في فخ العدمية المعرفية، وبنية تقنية تجعل مصدر المحتوى ومسارات تعديله قابلين للتحقق، إلى جانب قواعد قانونية ومؤسسية تكفل حماية السيادة الإدراكية والمعرفية. وبهذا المعنى يصبح الأمن المعرفي والإدراكي امتداداً للأمن بمفهوميه التقليدي والحديث؛ إذ يضيف إلى مهام حماية الإقليم والمؤسسات والبنى التحتية والفضاء السيبراني مهمة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في حماية القدرة الفردية والمؤسسية على الإدراك والفهم والتقدير وإصدار الحكم بصورة سديدة ومستقلة. ومن ثم فإن حماية القدرة على الحكم الإدراكي والمعرفي لا تمثل وظيفة أمنية منفصلة عن بقية الوظائف، بل تصبح جزءاً مكملاً لها، وشرطاً متزايد الأهمية لصون استقلال القرار الفردي والمجتمعي في بيئة تتسع فيها إمكانات التأثير والتلاعب وتتداخل فيها مستويات القوة المادية والرقمية والمعرفية.
وعلى هذا الأساس، لا تقاس السيادة الإدراكية بقدرة الدولة على منع كل تأثير خارجي، فهذا يكاد يكون مستحيلاً بالنسبة إلى معظم الدول، وإنما بقدرتها على معرفة متى يجري التأثير عليها، وكيف يتم ذلك، وبأي أدوات، وعلى أي مستويات، ثم مواصلة إنتاج تقديراتها واتخاذ قراراتها بصورة مستقلة. ولتحقيق ذلك، تتحول السيادة الإدراكية من مجرد مصطلح إلى مبدأ تنظيمي يجمع بين التعليم والإعلام والبحث العلمي والدفاع والتحول الرقمي، ويربط بينها ضمن تصور أوسع للأمن الوطني. فحماية السيادة الإدراكية لا تتحقق بأداة واحدة أو بمؤسسة منفردة، بل من خلال منظومة متكاملة تجمع بين بناء المناعة الفردية، وتعزيز جودة التقدير المؤسسي، وصون المجال المعرفي المشترك، وتطوير الأدوات التقنية والقانونية اللازمة للكشف والتحقق والمساءلة. وبهذا المعنى، تصبح حماية القدرة على الفهم والتقدير الإدراكي والمعرفي، وصون القرار العقلاني المستنير، جزءاً من البنية العميقة للاستقلال الاستراتيجي.
خلاصة القول، أن التحول في طبيعة الحرب يفرض تحولاً موازياً في مفهوم الأمن ذاته. فإذا كانت القوة المعاصرة قادرة على استهداف الطريقة التي ندرك بها الواقع ونفسره ونبني على أساسها قراراتنا، فإن حماية السيادة لا يمكن أن تظل محصورة في الحدود والبنى التحتية والشبكات. إنها تمتد إلى حماية الشروط التي تجعل المعرفة ممكنة، والحكم مستقلاً، والقرار قابلاً للمراجعة، والاختلاف قابلاً للإدارة من دون أن يتحول إلى تفكك معرفي. ومن هذه الزاوية، لا تمثل السيادة الإدراكية هامشاً جديداً للأمن، بل أحد شروطه المتقدمة في القرن الحادي والعشرين.
الأستاذ الدكتور وائل صالح مدير بمركز تريندز للبحوث والاستشارات بفرنسا وكندا









