الابتكار 3

هل يساهم الابتكار العسكري في حسم الحروب؟

يلعب‭ ‬الابتكار‭ ‬العسكري‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬الحروب،‭ ‬إذ‭ ‬يعتقد‭ ‬معظم‭ ‬المنظّرين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدراسات‭ ‬العسكرية‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬قوة‭ ‬الجيش‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نصرٍ‭ ‬حاسم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافه‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬خصومه‭. ‬ويزداد‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬وجود‭ ‬تكنولوجيات‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬مثل‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة،‭ ‬وانتشار‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬الرقابة‭ ‬والرصد‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬رؤية‭ ‬مغايرة‭ ‬ترى‭ ‬أنه‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬قدرة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬الفارق،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬إخفاق‭ ‬عسكري،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬أنصار‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬أن‭ ‬التطورات‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬لا‭ ‬تُعدّ‭ ‬ثوريةً‭ ‬بالمعنى‭ ‬الكامل‭ ‬للكلمة،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تُحدث‭ ‬تغييراً‭ ‬جوهرياً‭ ‬في‭ ‬الأساليب‭ ‬التقليدية‭ ‬للحرب‭ ‬الهجومية‭ ‬والدفاعية‭. ‬

صحيح‭ ‬أنها‭ ‬جعلت‭ ‬الحروب‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وفرضت‭ ‬على‭ ‬الوحدات‭ ‬العسكرية‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬عملياتي‭ ‬جديد،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬العسكري‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقه‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬التفوق‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وحده‭. ‬فالحسم‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬تكامل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مع‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬التخطيط‭ ‬العملياتي،‭ ‬والقيادة،‭ ‬والمناورة،‭ ‬والتنسيق‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأفرع‭ ‬العسكرية‭. ‬ويسعى‭ ‬التحليل‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية،‭ ‬وبيان‭ ‬مدى‭ ‬وجهاتها‭ ‬بالتطبيق‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الحرب‭ ‬الأذربيجانية‭ ‬–‭ ‬الأرمينية‭. ‬

التكنولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬العامل‭ ‬الوحيد

يجادل‭ ‬‮«‬بيدل‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬المعارك،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬عامل‭ ‬مهم‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬إغفاله،‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الحديث‭ ‬لكيفية‭ ‬توظيف‭ ‬القوات‮»‬‭. ‬ووفقاً‭ ‬له،‭ ‬فإنه‭ ‬لكي‭ ‬يتمكن‭ ‬جيش‭ ‬من‭ ‬تنفيذ‭ ‬مهامه‭ ‬العسكرية،‭ ‬يتعيّن‭ ‬عليه‭ ‬الحدّ‭ ‬من‭ ‬مدى‭ ‬تعرّضه‭ ‬للنيران‭ ‬المعادية،‭ ‬وتتمثل‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأساسية‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬هي‭ ‬كيفية‭  ‬‮«‬توظيف‭ ‬القوات‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬متكاملة‭ ‬شديدة‭ ‬الترابط‭ ‬تضمّ‭: ‬التحصين‭ ‬والاحتماء،‭ ‬والتمويه،‭ ‬والانتشار‭ (‬التشتيت‭ ‬المكاني‭ ‬للقوات‭)‬،‭ ‬والقمع‭ ‬النيراني،‭ ‬والمناورة‭ ‬المستقلة‭ ‬للوحدات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬والقتال‭ ‬المشترك‭ ‬للأسلحة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬التكتيكي؛‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬العمق‭ ‬العملياتي،‭ ‬والاحتياطيات،‭ ‬والتركيز‭ ‬المتباين‭ ‬للقوات‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العملياتي‭ ‬للحرب‭. ‬وعند‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬مجتمعة،‭ ‬فإنها‭ ‬تقلّص‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬قابلية‭ ‬التعرّض‭ ‬حتى‭ ‬لأسلحة‭ ‬ومستشعرات‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬وحيثما‭ ‬تُطبَّق‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬تطبيقاً‭ ‬كاملاً،‭ ‬فإنها‭ ‬تخفف‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬التغير‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وتعزل‭ ‬مستخدميها‭ ‬عن‭ ‬كامل‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬أسلحة‭ ‬خصومهم‭.‬

ويجادل‭ ‬بيدل‭ ‬بأن‭ ‬إتقان‭  ‬‮«‬توظيف‭ ‬القوات‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬متاحاً‭ ‬للجميع،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد،‭ ‬وتفرض‭ ‬مقايضات‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مؤلمة‭. ‬وبينما‭ ‬تمكنت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬والقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬وتطبيقها‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة،‭ ‬أخفقت‭ ‬أطراف‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬أما‭ ‬الجيوش‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭  ‬‮«‬توظيف‭ ‬القوات‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬مكشوفة‭ ‬بالكامل‭ ‬أمام‭ ‬قوة‭ ‬النيران‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬الأسلحة‭ ‬الحديثة،‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬خطورة‭ ‬العواقب‭ ‬كلما‭ ‬اتسع‭ ‬مدى‭ ‬تلك‭ ‬الأسلحة‭ ‬وازدادت‭ ‬قدرتها‭ ‬التدميرية‭. ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الفعلية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭  ‬‮«‬توظيف‭ ‬القوات‮»‬‭ ‬وتلك‭ ‬العاجزة‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬حدوث‭ ‬قدر‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬التغير‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬المواجهات‭ ‬بين‭ ‬الخصوم‭ ‬الذين‭ ‬يطبق‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهم‭  ‬‮«‬توظيف‭ ‬القوات‮»‬‭. ‬

ويرى‭ ‬بيدل‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬يعد‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬المعارك،‭ ‬مقارنة‭ ‬بعوامل‭ ‬مثل‭ ‬توظيف‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة،‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬القوات‭. ‬وبالنسبة‭ ‬للنقطة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فإن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المنظرين‭ ‬العسكريين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬العدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬والتي‭ ‬تتمتع‭ ‬بقدرات‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكبر،‭ ‬وبجيوش‭ ‬ضخمة،‭ ‬أو‭ ‬إنفاق‭ ‬عسكري‭ ‬ضخم،‭ ‬سوف‭ ‬تسود‭ ‬حتماً‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬المعايير‭ ‬السابقة‭. ‬وبالتبعية،‭ ‬يضع‭ ‬البعض‭ ‬قواعد‭ ‬مثل‭ ‬أن‭ ‬الهجوم‭ ‬الناجح‭ ‬يتطلب‭ ‬زيادة‭ ‬عددية‭ ‬للطرف‭ ‬المهاجم‭ ‬بحوالي‭ ‬ثلاثة‭ ‬أضعاف‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمدافع،‭ ‬بينما‭ ‬تشترط‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬توافر‭ ‬أفضلية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات‭ ‬بأكمله‭ ‬بنسبة‭ ‬1‭.‬5‭ ‬إلى‭ ‬1‭.‬

الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية‭ ‬

أعادت‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية‭ ‬إحياء‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتأثيرها‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الحروب‭ ‬وسير‭ ‬العمليات‭ ‬القتالية‭. ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬من‭ ‬التوظيف‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬للأنظمة‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والذخائر‭ ‬الموجهة‭ ‬بدقة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬لصالح‭ ‬الجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬أو‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬حسم‭ ‬الحرب‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة،‭ ‬وفقاً‭ ‬لما‭ ‬توقعه‭ ‬المحللون‭ ‬العسكريون‭. ‬عوضاً‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬أفرزت‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة؛‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الاستخدام‭ ‬المكثف‭ ‬للطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬وقدرات‭ ‬الاستخبارات‭ ‬والمراقبة‭ ‬والاستطلاع‭ ‬المدعومة‭ ‬بالأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬والضربات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬لم‭ ‬يؤد‭ ‬سوى‭ ‬إلى‭ ‬تطور‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬ومرتفعة‭ ‬التكلفة‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬حقيقة‭ ‬أخرى،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬شبكات‭ ‬كثيفة‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة،‭ ‬والدعم‭ ‬المقدم‭ ‬من‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التجارية،‭ ‬والضربات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬واحدة‭ ‬متكاملة‭ ‬تؤازر‭ ‬بعضها‭ ‬بعضاً‭ ‬تعايشت‭ ‬مع‭ ‬التعبئة‭ ‬العسكرية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬والخنادق،‭ ‬والاستخدام‭ ‬المكثف‭ ‬للمدفعية‭.‬

وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الأخر،‭ ‬فإن‭ ‬بعض‭ ‬الأسلحة‭ ‬عالية‭ ‬التقنية‭ ‬التي‭ ‬استخدمتها‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬إبطال‭ ‬مفعولها‭ ‬بسبب‭ ‬القدرات‭ ‬التقنية‭ ‬الروسية‭ ‬المتطورة،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬وظفت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأقمار‭ ‬الاصطناعية‭ ‬لتوفير‭ ‬معلومات‭ ‬استخباراتية‭ ‬دقيقة‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬عن‭ ‬مواقع‭ ‬الأهداف،‭ ‬ووسائل‭ ‬الملاحة‭ ‬اللازمة‭ ‬لضمان‭ ‬دقة‭ ‬الضربة،‭ ‬والتوقيت‭ ‬الدقيق،‭ ‬حتى‭ ‬تُمَكِّن‭ ‬كييف‭ ‬من‭ ‬تنفيذ‭ ‬ضربات‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬تمكن‭ ‬الأوكرانيون،‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬قادة‭ ‬روس‭ ‬كبار‭ ‬واستهداف‭ ‬أهداف‭ ‬عالية‭ ‬القيمة،‭ ‬مثل‭ ‬السفن‭ ‬البحرية‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭.  ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الهجمات‭ ‬استخدام‭ ‬الصواريخ‭ ‬المطلَقة‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬هيمارس‭ (‬HIMARS‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬ملاحة‭ ‬بالقصور‭ ‬الذاتي‭ ‬مدعوم‭ ‬بنظام‭ ‬تحديد‭ ‬المواقع‭ ‬العالمي‭ ‬لتحقيق‭ ‬الدقة‭ ‬النهائية‭ ‬عند‭ ‬إصابة‭ ‬الهدف‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬حققت‭ ‬نجاحاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬توظيفها،‭ ‬فإن‭ ‬التدابير‭ ‬المضادة‭ ‬الروسية‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬فعالية‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬التسليحي‭ ‬عبر‭ ‬التشويش‭ ‬على‭ ‬إشارات‭ ‬نظام‭ ‬تحديد‭ ‬المواقع‭ ‬العالمي،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انحراف‭ ‬الصواريخ‭ ‬عن‭ ‬أهدافها‭ ‬المقصودة‭. ‬

ويعد‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬ميزة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تدوم‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬طالما‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تطويرها‭ ‬باستمرار‭. ‬ولتوضيح‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أسطول‭ ‬أوكرانيا‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬بيرقدار‭ ‬تي‭ ‬بي‭ ‬2‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬اعتُبر‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬يغيّر‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬فقد‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬فعاليته‭ ‬مع‭ ‬تحسّن‭ ‬قدرات‭ ‬الدفاعات‭ ‬الروسية‭. ‬ويوضح‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬التحدي‭ ‬المستمر‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬التكيّف‭ ‬المضاد،‭ ‬والحاجة‭ ‬الدائمة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬تدابير‭ ‬مضادة‭ ‬للتكيّف‭ ‬المضاد‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬القتالية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬القاعدة‭ ‬السابقة‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬كذلك،‭ ‬فقد‭ ‬طوّرت‭ ‬روسيا‭ ‬الطائرة‭ ‬المسيرة‭ ‬‮«‬جيران‮»‬،‭ ‬وأنتجت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬عدة‭ ‬طرز‭ ‬تتراوح‭ ‬من‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬الثالث‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تتسم‭ ‬بالبطء،‭ ‬وتمكنت‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬نظم‭ ‬دفاع‭ ‬جوي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إسقاطها‭ ‬بتكلفة‭ ‬رخيصة‭ ‬نسبياً،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬عمدت‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬منها،‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬جيران‭ ‬5‮»‬‭ ‬مزودة‭ ‬بمحركات‭ ‬نفاثة،‭ ‬والتي‭ ‬تمثل‭ ‬نوعاً‭ ‬هجيناً‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الطائرة‭ ‬المسيرة‭ ‬والصاروخ‭ ‬المجنح،‭ ‬إذ‭ ‬تصل‭ ‬سرعتها‭ ‬إلى‭ ‬450‭ ‬–‭ ‬650‭ ‬كيلومتراً‭ ‬في‭ ‬الساعة،‭ ‬ويتراوح‭ ‬ارتفاع‭ ‬طيرانها‭ ‬بين‭ ‬100‭ ‬و6‭ ‬آلاف‭ ‬متر،‭ ‬فيما‭ ‬يتراوح‭ ‬مداها‭ ‬بين‭ ‬600‭ ‬و900‭ ‬كيلومتر‭. ‬ويلاحظ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬الجديدة‭ ‬تفوق‭ ‬سرعة‭ ‬الطائرات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬الاعتراضية‭ ‬المسيرة‭. ‬وقد‭ ‬سبب‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬أزمة‭ ‬كبيرة‭ ‬للدفاعات‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنها‭ ‬جاءت‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬الأوكراني‭ ‬ضد‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‭ ‬الروسية،‭ ‬مثل‭ ‬مصافي‭ ‬النفط،‭ ‬والمنشآت‭ ‬التجارية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬موسكو‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬انتقامية‭ ‬مقابلة،‭ ‬والتي‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تعاني‭ ‬فيها‭ ‬أوكرانيا‭ ‬تراجع‭ ‬الذخيرة‭ ‬الغربية،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬باتريوت‭ ‬وغيرها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬أغلب‭ ‬الضربات‭ ‬الروسية‭ ‬باستخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬الحديثة‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬إصابة‭ ‬أهدافها‭ ‬دون‭ ‬صعوبة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الحلول‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬طوّرتها‭ ‬أوكرانيا‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬اعتراض‭ ‬النماذج‭ ‬الجديدة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬استخدمت‭ ‬نظام‭ ‬ستارلينك‭ ‬لأغراض‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وكذلك‭ ‬لتوجيه‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬المحمّلة‭ ‬بالمتفجرات‭ ‬نحو‭ ‬أهدافها‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬مئات‭ ‬الكيلومترات،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬العام‭ ‬2026،‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الجيشين‭ ‬الروسي‭ ‬والأوكراني‭ ‬يستخدمان‭ ‬نفس‭ ‬النظام،‭ ‬ولتحقيق‭ ‬نفس‭ ‬الأهداف،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬قامت‭ ‬الشركة‭ ‬بتقييد‭ ‬الوصول‭ ‬الروسي‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قصر‭ ‬الخدمة‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الأجهزة‭ ‬المدرجة‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬معتمدة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الأوكرانية‭. ‬تسبب‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬القتالي‭ ‬الروسي‭ ‬على‭ ‬الفور؛‭ ‬إذ‭ ‬انخفض‭ ‬عدد‭ ‬الهجمات‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬القوات‭ ‬الروسية،‭ ‬كما‭ ‬ربط‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬البنتاغون‭ ‬بين‭ ‬فقدان‭ ‬روسيا‭ ‬لاتصالاتها‭ ‬عبر‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬وتمكن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬من‭ ‬استعادة‭ ‬مئات‭ ‬الكيلومترات‭ ‬المربعة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تمكنت‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬التكيف،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬بديلة‭ ‬لستارلينك‭ ‬ممثلة‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬راسفيت‮»‬‭ ‬المطوّر‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬مكتب‭ ‬1440‮»‬‭ ‬الروسية‭ ‬الخاصة‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصناعات‭ ‬الفضائية،‭ ‬والتي‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2020،‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬إكس‭ ‬هولدينغ‮»‬‭. ‬وصمم‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬راسفيت‮»‬‭ ‬للأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬المدار‭ ‬الأرضي‭ ‬المنخفض،‭ ‬بهدف‭ ‬توفير‭ ‬نقل‭ ‬بيانات‭ ‬عريض‭ ‬النطاق‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الأرض‭. ‬وأطلقت‭ ‬الشركة‭ ‬بنجاح‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬مارس‭ ‬أول‭ ‬16‭ ‬قمراً‭ ‬اصطناعياً‭ ‬ضمن‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬راسفيت‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬المدار‭ ‬الأرضي‭ ‬المنخفض‭. ‬ويتميز‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬راسفيت‮»‬‭ ‬عن‭ ‬نظيره‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬ستارلينك‮»‬‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬قناة‭ ‬الاتصال‭ ‬بين‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الليزر،‭ ‬ما‭ ‬يوفر‭ ‬إنترنت‭ ‬عريض‭ ‬النطاق،‭ ‬وسرعة‭ ‬أعلى‭ ‬وجودة‭ ‬أفضل‭ ‬لنقل‭ ‬المعلومات‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ«ستارلينك‮»‬،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الأخيرة‭ ‬ستعتمد‭ ‬قريبا‭ ‬تقنية‭ ‬مماثلة‭. ‬كما‭ ‬قامت‭ ‬روسيا‭ ‬باستخدام‭ ‬نظام‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭  ‬‮«‬فولنا‭ ‬كوبول‭ ‬غارانت‮»‬‭ ‬للتشويش‭ ‬على‭ ‬محطات‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التابعة‭ ‬لشبكة‭ ‬ستارلينك،‭ ‬وفقاً‭ ‬لمسؤول‭ ‬رفيع‭ ‬في‭ ‬مديرية‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والسيبرانية‭ ‬التابعة‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬كما‭ ‬أعلنت‭ ‬موسكو‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬أنها‭ ‬بدأت‭ ‬الإنتاج‭ ‬الكمي‭ ‬لهذه‭ ‬المنظومة‭. ‬ويكشف‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬التكنولوجي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬الصراعات،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬عامل‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عنه‭ ‬أهمية،‭ ‬وهو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأقلم‭.‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬غاب‭ ‬عن‭ ‬إدراك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬صُنّاع‭ ‬السياسات‭ ‬والاستراتيجيين‭ ‬هو‭ ‬مدى‭ ‬تعلّم‭ ‬موسكو‭ ‬من‭ ‬إخفاقاتها‭ ‬وتكييفها‭ ‬لاستراتيجيتها‭ ‬ونهجها‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أو‭ ‬خارجها‭. ‬فمنذ‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬وكنتيجة‭ ‬لحربها‭ ‬مع‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬أطلقت‭ ‬روسيا‭ ‬جهداً‭ ‬منهجياً‭ ‬لدراسة‭ ‬خبراتها‭ ‬القتالية،‭ ‬واستخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬منها،‭ ‬وتعميم‭ ‬تلك‭ ‬الدروس‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬فروع‭ ‬قواتها‭ ‬المسلحة‭. ‬وبحلول‭ ‬أوائل‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬كانت‭ ‬موسكو‭ ‬قد‭ ‬أنشأت‭ ‬بهدوء‭ ‬منظومة‭ ‬معقّدة‭ ‬للتعلّم‭ ‬المؤسسي‭ ‬تضم‭ ‬القاعدة‭ ‬الصناعية‭ ‬الدفاعية،‭ ‬والجامعات،‭ ‬والعسكريين‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬سلسلة‭ ‬القيادة‭. ‬واليوم،‭ ‬تعمل‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬معارفها‭ ‬وخبراتها‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬مؤسسية،‭ ‬وإعادة‭ ‬مواءمة‭ ‬شركات‭ ‬الصناعات‭ ‬الدفاعية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬لديها‭ ‬لتلبية‭ ‬متطلبات‭ ‬زمن‭ ‬الحرب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ربط‭ ‬الشركات‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬التكنولوجي‭ ‬بالموارد‭ ‬والإمكانات‭ ‬التي‭ ‬توفّرها‭ ‬الدولة‭.‬

ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬عامل‭ ‬آخر،‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الروسية،‭ ‬وهي‭ ‬قدرة‭ ‬موسكو‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الأسلحة‭ ‬بكميات‭ ‬كبيرة،‭ ‬مقارنة‭ ‬بأوكرانيا،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إذ‭ ‬تقوم‭ ‬موسكو‭ ‬بإنتاج‭ ‬أسلحة‭ ‬جديدة‭ ‬ورخيصة‭ ‬نسبياً،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬تقوم‭ ‬بتعديل‭ ‬نماذجها‭ ‬القديمة‭ ‬من‭ ‬الأسلحة،‭ ‬وتقوم‭ ‬بتجريبها‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬ثم‭ ‬تقوم‭ ‬بالإنتاج‭ ‬الكثيف‭ ‬الحجم‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاءها‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬يعانون‭ ‬في‭ ‬محاولتهم‭ ‬لزيادة‭ ‬إنتاجهم‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬المهمة،‭ ‬مثل‭ ‬صواريخ‭ ‬باتريوت‭ ‬الاعتراضية،‭ ‬كما‭ ‬تعاني‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تسريع‭ ‬تحويل‭ ‬الابتكارات‭ ‬إلى‭ ‬أسلحة‭ ‬يتم‭ ‬إنتاجها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭.‬

وإجمالاً،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬روسيا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬انتصاراتها‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وحده،‭ ‬ولكن‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الأسلحة‭ ‬المبتكرة‭ ‬بسرعة‭ ‬وكميات‭ ‬كبيرة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬توظيف‭ ‬القوات‭. ‬

الحرب‭ ‬الأذربيجانية‭ ‬–‭ ‬الأرمينية‭ ‬

إن‭ ‬تطوير‭ ‬أحد‭ ‬طرفي‭ ‬الحرب‭ ‬لقدراته‭ ‬العسكرية‭ ‬مقابل‭ ‬تخلف‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬تفوق‭ ‬الطرف‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ومنحه‭ ‬ميزة‭ ‬استراتيجية‭ ‬أكبر،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يحسن‭ ‬الطرف‭ ‬الأضعف‭ ‬تحسين‭ ‬كيفية‭ ‬توظيفه‭ ‬للقوات‭. ‬وليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬أرمينيا‭ ‬وأذربيجان،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬ناغورنو‭ ‬كاراباخ‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬44‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬2020،‭ ‬حققت‭ ‬أذربيجان‭ ‬تفوقاً‭ ‬كبيراً،‭ ‬إذ‭ ‬استعادت‭ ‬معظم‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬فقدتها‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬ناغورنو‭ ‬كاراباخ‭ ‬الأولى‭ (‬1988‭ ‬–‭ ‬1994‭). ‬وقد‭ ‬تحقق‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬بسبب‭ ‬توظيف‭ ‬أذربيجان‭ ‬للطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬والذخائر‭ ‬الجوالة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬مكنّها‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬التكتيكي‭ ‬والعملياتي،‭ ‬وأكسبها‭ ‬ميزة‭ ‬ميدانية‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬أرمينيا‭.‬

مهام‭ ‬الاستطلاع

فقد‭ ‬دمجت‭ ‬أذربيجان‭ ‬طائرات‭ ‬بيرقدار‭ ‬المسيّرة‭ ‬التركية‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬تي‭ ‬بي‭ ‬2‮»‬،‭ ‬وهاروب،‭ ‬وأوربيتر،‭ ‬وهيرميس‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬مهام‭ ‬الاستطلاع،‭ ‬وتوجيه‭ ‬نيران‭ ‬المدفعية،‭ ‬وتقييم‭ ‬أضرار‭ ‬المعركة،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬الضربات‭ ‬المباشرة،‭ ‬مما‭ ‬مكّن‭ ‬أذربيجان‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬نظم‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الأرمينية‭ ‬على‭ ‬اختلافها‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬إس‭ ‬–‭ ‬300‮»‬،‭ ‬و«تور‮»‬،‭ ‬وغيرهما،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تهديد‭ ‬ممرات‭ ‬الإمداد‭ ‬الحيوية‭ ‬فيه‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ظلت‭ ‬المكاسب‭ ‬العملياتية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التنسيق‭ ‬المحكم‭ ‬بين‭ ‬النيران‭ ‬الدقيقة‭ ‬وقدرة‭ ‬الوحدات‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬المناورة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬لعبت‭ ‬دوراً‭ ‬تمكينياً‭ ‬داعماً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬بمفردها‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬النصر،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬تقدّم‭ ‬القوات‭ ‬الأذربيجانية‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬التضاريس‭ ‬الجبلية‭ ‬والغابات‭ ‬الكثيفة‭ ‬في‭ ‬ناغورنو‭ ‬كاراباخ‭ ‬تراجعت‭ ‬فعالية‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬القوات‭ ‬الأرمينية‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬مواقع‭ ‬دفاعية‭ ‬أكثر‭ ‬تمويهاً‭ ‬وإخفاءً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أبطئ‭ ‬تقدم‭ ‬القوات‭ ‬الأذربيجانية‭. ‬ولذلك‭ ‬غيرت‭ ‬الأخيرة‭ ‬تكتيكاتها،‭ ‬وقامت‭ ‬بنشر‭ ‬وحدات‭ ‬النخبة‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬الخاصة،‭ ‬مدعومةً‭ ‬بالطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬الانتحارية‭ ‬وبالنيران‭ ‬الدقيقة،‭ ‬إذ‭ ‬اضطلعت‭ ‬قوات‭ ‬العمليات‭ ‬الخاصة‭ ‬بدور‭ ‬المراقبين‭ ‬الأماميين،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تحدد‭ ‬الأهداف‭ ‬للطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والمدفعية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬استغلال‭ ‬حالة‭ ‬الإرباك‭ ‬التي‭ ‬أحدثتها‭ ‬ضربات‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬القوات‭ ‬المعادية‭. ‬

ضعف‭ ‬الجاهزية

في‭ ‬المقابل،‭ ‬كانت‭ ‬المقاتلات‭ ‬الأرمينية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬العمليات‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬الجاهزية‭ ‬ونقص‭ ‬الصواريخ‭ ‬المناسبة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬قدرات‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬لأرمينيا‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬قصوراً‭ ‬واضحاً‭. ‬وتُظهر‭ ‬تسجيلات‭ ‬القتال‭ ‬أن‭ ‬التشكيلات‭ ‬المدرعة‭ ‬الأرمينية‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬أهملت‭ ‬الإجراءات‭ ‬العملياتية‭ ‬الأساسية،‭ ‬مثل‭ ‬نشر‭ ‬الوحدات‭ ‬وتوزيعها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭ ‬أو‭ ‬إخفاء‭ ‬مواقع‭ ‬إطلاق‭ ‬النيران‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تسجيلات‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬مراراً‭ ‬دباباتٍ‭ ‬متجمعة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مكشوفة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تمويه،‭ ‬مما‭ ‬جعلها‭ ‬أهدافًا‭ ‬سهلة‭ ‬للاستهداف‭.‬

الختام‭ ‬

تكشف‭ ‬الحالات‭ ‬السابقة‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وحدها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الانتصار‭ ‬العسكري،‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬الطرفين‭ ‬تمكنا‭ ‬من‭ ‬توظيفها،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬استطاعا‭ ‬التأقلم‭ ‬معها،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬تداعياتها‭. ‬ففي‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬تمكن‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين‭ ‬من‭ ‬توظيف‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة،‭ ‬مثل‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬روسيا‭ ‬قد‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬العسكري‭ ‬واسع‭ ‬الحجم،‭ ‬وقامت‭ ‬بتطوير‭ ‬أسلحتها،‭ ‬وإنتاجها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬بصورة‭ ‬فاقت‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بذلك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وضح‭ ‬من‭ ‬هجماتها‭ ‬المكثفة‭ ‬على‭ ‬كييف‭ ‬منذ‭ ‬سبتمبر‭ ‬2026،‭ ‬والتي‭ ‬جاءت‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬مصافي‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬حالة‭ ‬الحرب‭ ‬الأذربيجانية‭ ‬–‭ ‬الأرمينية‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قصوراً‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬أرمينيا‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬قواتها‭ ‬وتحديثها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬لهزيمة‭ ‬أرمينيا‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية،‭ ‬مثل‭ ‬كيفية‭ ‬توظيف‭ ‬القوات،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تمويه‭ ‬نظم‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬بشكل‭ ‬جيد،‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأمور،‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬تمت‭ ‬الإشارة‭ ‬إليها‭.‬

شادي‭ ‬عبدالوهاب‭  ‬‭‬أستاذ‭ ‬مشارك‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭

Instagram
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض