يلعب الابتكار العسكري دوراً مهماً في الانتصار في الحروب، إذ يعتقد معظم المنظّرين في مجال الدراسات العسكرية أن التكنولوجيا هي العامل الحاسم في تحديد قوة الجيش وقدرته على تحقيق نصرٍ حاسم، وبالتالي تحقيق أهدافه السياسية في مواجهة خصومه. ويزداد هذا الاعتقاد في ضوء وجود تكنولوجيات تساهم في تعزيز هذا الاعتقاد مثل الطائرات المسيرة، وانتشار تكنولوجيا الرقابة والرصد. وفي المقابل، فإن هناك رؤية مغايرة ترى أنه عادة ما يتم المبالغة في تقدير قدرة التكنولوجيا على إحداث الفارق، وهو ما يترتب عليه إخفاق عسكري، إذ يرى أنصار هذا الاتجاه أن التطورات التكنولوجية، حتى الآن، لا تُعدّ ثوريةً بالمعنى الكامل للكلمة، إذ إنها لم تُحدث تغييراً جوهرياً في الأساليب التقليدية للحرب الهجومية والدفاعية.

صحيح أنها جعلت الحروب أكثر تعقيداً وفرضت على الوحدات العسكرية التكيف مع واقع عملياتي جديد، إلا أن النجاح العسكري لا يمكن تحقيقه بالاعتماد على التفوق التكنولوجي وحده. فالحسم في ساحة المعركة لا يزال يعتمد على تكامل التكنولوجيا مع عوامل أخرى، مثل التخطيط العملياتي، والقيادة، والمناورة، والتنسيق بين مختلف الأفرع العسكرية. ويسعى التحليل إلى معالجة هذه الفرضية، وبيان مدى وجهاتها بالتطبيق على الحرب الروسية – الأوكرانية، وكذلك الحرب الأذربيجانية – الأرمينية.
التكنولوجيا ليست العامل الوحيد
يجادل «بيدل» بأن التكنولوجيا ليست العامل الحاسم في تفسير الانتصار في المعارك، بل هناك عامل مهم لا ينبغي إغفاله، وهو «النظام الحديث لكيفية توظيف القوات». ووفقاً له، فإنه لكي يتمكن جيش من تنفيذ مهامه العسكرية، يتعيّن عليه الحدّ من مدى تعرّضه للنيران المعادية، وتتمثل الوسيلة الأساسية لتحقيق ذلك هي كيفية «توظيف القوات»، والتي تتمثل في بنية متكاملة شديدة الترابط تضمّ: التحصين والاحتماء، والتمويه، والانتشار (التشتيت المكاني للقوات)، والقمع النيراني، والمناورة المستقلة للوحدات الصغيرة، والقتال المشترك للأسلحة على المستوى التكتيكي؛ إضافة إلى العمق العملياتي، والاحتياطيات، والتركيز المتباين للقوات على المستوى العملياتي للحرب. وعند تطبيق هذه الأساليب مجتمعة، فإنها تقلّص بدرجة كبيرة من قابلية التعرّض حتى لأسلحة ومستشعرات القرن الحادي والعشرين. وحيثما تُطبَّق هذه المنظومة تطبيقاً كاملاً، فإنها تخفف من آثار التغير التكنولوجي وتعزل مستخدميها عن كامل الدمار الذي تتمتع به أسلحة خصومهم.
ويجادل بيدل بأن إتقان «توظيف القوات» ليس متاحاً للجميع، إذ إن هذه العملية شديدة التعقيد، وتفرض مقايضات سياسية واجتماعية مؤلمة. وبينما تمكنت بعض الدول والقوات المسلحة من تجاوز هذه التحديات وتطبيقها بصورة كاملة، أخفقت أطراف أخرى في ذلك. أما الجيوش التي لم تنجح في تطبيق «توظيف القوات»، فقد وجدت نفسها مكشوفة بالكامل أمام قوة النيران التي توفرها الأسلحة الحديثة، مع تزايد خطورة العواقب كلما اتسع مدى تلك الأسلحة وازدادت قدرتها التدميرية. وكانت النتيجة النهائية اتساع الفجوة تدريجياً في القوة العسكرية الفعلية بين الدول القادرة على تطبيق «توظيف القوات» وتلك العاجزة عن ذلك، في مقابل حدوث قدر محدود من التغير في نتائج المواجهات بين الخصوم الذين يطبق كلٌّ منهم «توظيف القوات».
ويرى بيدل أن هذا العامل يعد أكثر أهمية في تفسير الانتصار في المعارك، مقارنة بعوامل مثل توظيف التكنولوجيا المتقدمة، أو حجم القوات. وبالنسبة للنقطة الأخيرة، فإن الكثير من المنظرين العسكريين يعتقدون أن الدول ذات العدد الكبير من السكان، والتي تتمتع بقدرات اقتصادية أكبر، وبجيوش ضخمة، أو إنفاق عسكري ضخم، سوف تسود حتماً في الحرب مقارنة بالدول الأخرى، التي تفتقر إلى ذات التفوق في المعايير السابقة. وبالتبعية، يضع البعض قواعد مثل أن الهجوم الناجح يتطلب زيادة عددية للطرف المهاجم بحوالي ثلاثة أضعاف مقارنة بالمدافع، بينما تشترط بعض التقديرات توافر أفضلية على مستوى مسرح العمليات بأكمله بنسبة 1.5 إلى 1.
الحرب الروسية – الأوكرانية
أعادت الحرب الروسية – الأوكرانية إحياء النقاش من جديد حول دور التكنولوجيا وتأثيرها في إدارة الحروب وسير العمليات القتالية. وكان أول الاستنتاجات من التوظيف واسع النطاق للأنظمة غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، والذخائر الموجهة بدقة أنها لم تنجح في إعادة تشكيل ساحة المعركة لصالح الجهات الفاعلة الأكثر قدرة على تطبيق التكنولوجيا، أو تنجح في حسم الحرب بسرعة كبيرة، وفقاً لما توقعه المحللون العسكريون. عوضاً عن ذلك، أفرزت الحرب الروسية – الأوكرانية مفارقة لافتة؛ وهي أن الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة، وقدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المدعومة بالأقمار الصناعية، والضربات الدقيقة، لم يؤد سوى إلى تطور الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، ومرتفعة التكلفة. ويضاف إلى ما سبق حقيقة أخرى، وهي أن استخدام شبكات كثيفة من الطائرات المسيرة، والدعم المقدم من الأقمار الصناعية التجارية، والضربات الدقيقة، ضمن منظومة واحدة متكاملة تؤازر بعضها بعضاً تعايشت مع التعبئة العسكرية واسعة النطاق، والخنادق، والاستخدام المكثف للمدفعية.
وعلى الجانب الأخر، فإن بعض الأسلحة عالية التقنية التي استخدمتها أوكرانيا في الحرب قد تم إبطال مفعولها بسبب القدرات التقنية الروسية المتطورة، ومن ذلك على سبيل المثال، وظفت الولايات المتحدة الأقمار الاصطناعية لتوفير معلومات استخباراتية دقيقة لأوكرانيا عن مواقع الأهداف، ووسائل الملاحة اللازمة لضمان دقة الضربة، والتوقيت الدقيق، حتى تُمَكِّن كييف من تنفيذ ضربات بعيدة المدى، كما في تمكن الأوكرانيون، في بداية الحرب، من قتل قادة روس كبار واستهداف أهداف عالية القيمة، مثل السفن البحرية الروسية في البحر الأسود. ومن الأمثلة على هذا النوع من الهجمات استخدام الصواريخ المطلَقة من منظومة هيمارس (HIMARS)، التي اعتمدت على نظام ملاحة بالقصور الذاتي مدعوم بنظام تحديد المواقع العالمي لتحقيق الدقة النهائية عند إصابة الهدف. وعلى الرغم من أن هذه المنظومة حققت نجاحاً ملحوظاً خلال السنة الأولى من توظيفها، فإن التدابير المضادة الروسية تمكنت من الحد من فعالية هذا النظام التسليحي عبر التشويش على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي، مما أدى إلى انحراف الصواريخ عن أهدافها المقصودة.
ويعد هذا الأمر من الدروس المستفادة في الحرب الروسية – الأوكرانية، وهو أن أي ميزة تكنولوجية في الحرب لا تدوم إلى الأبد طالما لا يتم تطويرها باستمرار. ولتوضيح هذه الحقيقة، يمكن الإشارة إلى أسطول أوكرانيا من الطائرات المسيّرة من طراز «بيرقدار تي بي 2»، والذي اعتُبر في البداية عاملاً حاسماً يغيّر قواعد اللعبة، إذ أنه سرعان ما فقد جزءاً كبيراً من فعاليته مع تحسّن قدرات الدفاعات الروسية. ويوضح ما سبق التحدي المستمر المتمثل في التكيّف المضاد، والحاجة الدائمة إلى تطوير تدابير مضادة للتكيّف المضاد في البيئات القتالية.
وفي المقابل، فإن القاعدة السابقة تنطبق على روسيا كذلك، فقد طوّرت روسيا الطائرة المسيرة «جيران»، وأنتجت في هذا الإطار عدة طرز تتراوح من الأول إلى الثالث والتي كانت تتسم بالبطء، وتمكنت أوكرانيا بعد فترة من الوقت من تطوير نظم دفاع جوي قادرة على إسقاطها بتكلفة رخيصة نسبياً، غير أن روسيا عمدت إلى تطوير جيل جديد منها، وهي «جيران 5» مزودة بمحركات نفاثة، والتي تمثل نوعاً هجيناً يجمع بين الطائرة المسيرة والصاروخ المجنح، إذ تصل سرعتها إلى 450 – 650 كيلومتراً في الساعة، ويتراوح ارتفاع طيرانها بين 100 و6 آلاف متر، فيما يتراوح مداها بين 600 و900 كيلومتر. ويلاحظ أن هذه النماذج الجديدة تفوق سرعة الطائرات الأوكرانية الاعتراضية المسيرة. وقد سبب هذا الأمر أزمة كبيرة للدفاعات الأوكرانية، خاصة وأنها جاءت بعد فترة من التصعيد الأوكراني ضد البنية التحتية المدنية الروسية، مثل مصافي النفط، والمنشآت التجارية، وهو ما دفع موسكو إلى تنفيذ عمليات انتقامية مقابلة، والتي جاءت في وقت تعاني فيها أوكرانيا تراجع الذخيرة الغربية، خاصة من باتريوت وغيرها، وهو ما جعل أغلب الضربات الروسية باستخدام الطائرات المسيرة الحديثة تتمكن من إصابة أهدافها دون صعوبة، خاصة وأن الحلول المحلية التي طوّرتها أوكرانيا تعجز عن اعتراض النماذج الجديدة.
وفي المقابل، فإن أوكرانيا استخدمت نظام ستارلينك لأغراض القيادة والسيطرة على الأرض، وكذلك لتوجيه الطائرات المسيّرة المحمّلة بالمتفجرات نحو أهدافها الواقعة على بُعد مئات الكيلومترات، غير أنه حتى مطلع العام 2026، كان كل من الجيشين الروسي والأوكراني يستخدمان نفس النظام، ولتحقيق نفس الأهداف، وذلك حتى قامت الشركة بتقييد الوصول الروسي إليها من خلال قصر الخدمة على تلك الأجهزة المدرجة ضمن قائمة معتمدة من قبل وزارة الدفاع الأوكرانية. تسبب هذا الأمر في التأثير على الأداء القتالي الروسي على الفور؛ إذ انخفض عدد الهجمات التي أطلقتها القوات الروسية، كما ربط تقرير صادر عن البنتاغون بين فقدان روسيا لاتصالاتها عبر الأقمار الصناعية وتمكن أوكرانيا من استعادة مئات الكيلومترات المربعة من الأراضي في وقت سابق من العام الحالي. وعلى الرغم من ذلك، تمكنت روسيا من التكيف، وذلك عبر تطوير منظومة بديلة لستارلينك ممثلة في نظام «راسفيت» المطوّر من جانب شركة «مكتب 1440» الروسية الخاصة العاملة في مجال الصناعات الفضائية، والتي تأسست في ديسمبر 2020، كجزء من مجموعة «إكس هولدينغ». وصمم نظام «راسفيت» للأقمار الصناعية الموجودة في المدار الأرضي المنخفض، بهدف توفير نقل بيانات عريض النطاق إلى أي مكان على سطح الأرض. وأطلقت الشركة بنجاح في نهاية مارس أول 16 قمراً اصطناعياً ضمن مجموعة «راسفيت» إلى المدار الأرضي المنخفض. ويتميز نظام «راسفيت» عن نظيره الأمريكي «ستارلينك» في أن قناة الاتصال بين الأقمار الصناعية تعتمد على الليزر، ما يوفر إنترنت عريض النطاق، وسرعة أعلى وجودة أفضل لنقل المعلومات مقارنة بـ«ستارلينك»، وإن كانت الأخيرة ستعتمد قريبا تقنية مماثلة. كما قامت روسيا باستخدام نظام الحرب الإلكترونية «فولنا كوبول غارانت» للتشويش على محطات الأقمار الصناعية التابعة لشبكة ستارلينك، وفقاً لمسؤول رفيع في مديرية الحرب الإلكترونية والسيبرانية التابعة للقوات المسلحة الأوكرانية، كما أعلنت موسكو في 28 أغسطس 2026، أنها بدأت الإنتاج الكمي لهذه المنظومة. ويكشف ما سبق أن الصراع التكنولوجي لا يمثل عاملاً حاسماً في الصراعات، ولكن هناك عامل آخر لا يقل عنه أهمية، وهو القدرة على التأقلم.
ولعل ما غاب عن إدراك العديد من صُنّاع السياسات والاستراتيجيين هو مدى تعلّم موسكو من إخفاقاتها وتكييفها لاستراتيجيتها ونهجها في الحرب، سواء في أوكرانيا أو خارجها. فمنذ عام 2022، وكنتيجة لحربها مع أوكرانيا، أطلقت روسيا جهداً منهجياً لدراسة خبراتها القتالية، واستخلاص الدروس المستفادة منها، وتعميم تلك الدروس على مختلف فروع قواتها المسلحة. وبحلول أوائل عام 2023، كانت موسكو قد أنشأت بهدوء منظومة معقّدة للتعلّم المؤسسي تضم القاعدة الصناعية الدفاعية، والجامعات، والعسكريين على امتداد سلسلة القيادة. واليوم، تعمل المؤسسة العسكرية على ترسيخ معارفها وخبراتها ضمن أطر مؤسسية، وإعادة مواءمة شركات الصناعات الدفاعية ومؤسسات البحث والتطوير لديها لتلبية متطلبات زمن الحرب، إلى جانب ربط الشركات الناشئة في المجال التكنولوجي بالموارد والإمكانات التي توفّرها الدولة.
ويضاف إلى ما سبق عامل آخر، في الحالة الروسية، وهي قدرة موسكو على إنتاج الأسلحة بكميات كبيرة، مقارنة بأوكرانيا، أو حتى الولايات المتحدة، إذ تقوم موسكو بإنتاج أسلحة جديدة ورخيصة نسبياً، إذ إنها تقوم بتعديل نماذجها القديمة من الأسلحة، وتقوم بتجريبها في الحرب، ثم تقوم بالإنتاج الكثيف الحجم. في المقابل، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها في الدول الغربية يعانون في محاولتهم لزيادة إنتاجهم من الأسلحة المهمة، مثل صواريخ باتريوت الاعتراضية، كما تعاني الدول الغربية كذلك في مجال تسريع تحويل الابتكارات إلى أسلحة يتم إنتاجها على نطاق واسع.
وإجمالاً، فإن ما يجعل روسيا قادرة على مواصلة انتصاراتها في أوكرانيا لا يعود فقط إلى قدرتها على الابتكار التكنولوجي وحده، ولكن كذلك إلى قدرتها على إنتاج الأسلحة المبتكرة بسرعة وكميات كبيرة، فضلاً عن توظيف القوات.

الحرب الأذربيجانية – الأرمينية
إن تطوير أحد طرفي الحرب لقدراته العسكرية مقابل تخلف الطرف الآخر عن ذلك يفضي إلى تعزيز تفوق الطرف القادر على توظيف التكنولوجيا ومنحه ميزة استراتيجية أكبر، خاصة إذا لم يحسن الطرف الأضعف تحسين كيفية توظيفه للقوات. وليس أدل على ذلك الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، إذ أنه خلال حرب ناغورنو كاراباخ الثانية التي استمرت 44 يوماً في خريف 2020، حققت أذربيجان تفوقاً كبيراً، إذ استعادت معظم الأراضي التي فقدتها خلال حرب ناغورنو كاراباخ الأولى (1988 – 1994). وقد تحقق هذا الأمر بسبب توظيف أذربيجان للطائرات المسيّرة، والذخائر الجوالة، وهو ما مكنّها من تحقيق التفوق التكتيكي والعملياتي، وأكسبها ميزة ميدانية واضحة على أرمينيا.
مهام الاستطلاع
فقد دمجت أذربيجان طائرات بيرقدار المسيّرة التركية من طراز «تي بي 2»، وهاروب، وأوربيتر، وهيرميس الإسرائيلية في مهام الاستطلاع، وتوجيه نيران المدفعية، وتقييم أضرار المعركة، وتنفيذ الضربات المباشرة، مما مكّن أذربيجان من تدمير نظم الدفاع الجوي الأرمينية على اختلافها من طراز «إس – 300»، و«تور»، وغيرهما، فضلاً عن تهديد ممرات الإمداد الحيوية فيه. ومع ذلك، ظلت المكاسب العملياتية تعتمد على التنسيق المحكم بين النيران الدقيقة وقدرة الوحدات العسكرية على المناورة، وهو ما يؤكد أن الطائرات المسيّرة لعبت دوراً تمكينياً داعماً أكثر من كونها عاملاً حاسماً بمفردها في تحقيق النصر، إذ أنه مع تقدّم القوات الأذربيجانية إلى داخل التضاريس الجبلية والغابات الكثيفة في ناغورنو كاراباخ تراجعت فعالية الطائرات المسيّرة، خاصة مع اعتماد القوات الأرمينية على استغلال مواقع دفاعية أكثر تمويهاً وإخفاءً، وهو ما أبطئ تقدم القوات الأذربيجانية. ولذلك غيرت الأخيرة تكتيكاتها، وقامت بنشر وحدات النخبة من القوات الخاصة، مدعومةً بالطائرات المسيّرة الانتحارية وبالنيران الدقيقة، إذ اضطلعت قوات العمليات الخاصة بدور المراقبين الأماميين، حيث كانت تحدد الأهداف للطائرات المسيّرة والمدفعية، بالتوازي مع استغلال حالة الإرباك التي أحدثتها ضربات الطائرات المسيّرة في صفوف القوات المعادية.
ضعف الجاهزية
في المقابل، كانت المقاتلات الأرمينية إلى حد كبير خارج نطاق العمليات بسبب ضعف الجاهزية ونقص الصواريخ المناسبة، كما أن قدرات الحرب الإلكترونية لأرمينيا كانت تعاني قصوراً واضحاً. وتُظهر تسجيلات القتال أن التشكيلات المدرعة الأرمينية كثيراً ما أهملت الإجراءات العملياتية الأساسية، مثل نشر الوحدات وتوزيعها على نطاق أوسع أو إخفاء مواقع إطلاق النيران. فقد أظهرت تسجيلات الطائرات المسيّرة مراراً دباباتٍ متجمعة في مناطق مكشوفة من دون تمويه، مما جعلها أهدافًا سهلة للاستهداف.
الختام
تكشف الحالات السابقة أن التكنولوجيا وحدها لم تكن عاملاً حاسماً في معادلة الانتصار العسكري، طالما أن الطرفين تمكنا من توظيفها، أو على الأقل استطاعا التأقلم معها، والحد من تداعياتها. ففي الحرب الروسية – الأوكرانية، تمكن كلا الطرفين من توظيف التكنولوجيا المتقدمة، مثل الطائرات المسيرة. ومع ذلك، فإن روسيا قد تمكنت من الاستفادة من قدرتها على الإنتاج العسكري واسع الحجم، وقامت بتطوير أسلحتها، وإنتاجها على نطاق واسع، بصورة فاقت قدرة الدول الغربية على القيام بذلك، وهو ما وضح من هجماتها المكثفة على كييف منذ سبتمبر 2026، والتي جاءت رداً على استهداف أوكرانيا بعضاً من مصافي النفط الروسي. وفي المقابل، فإن حالة الحرب الأذربيجانية – الأرمينية تكشف عن أن هناك قصوراً من جانب أرمينيا في تطوير قواتها وتحديثها من خلال استخدام الطائرات المسيرة. ومع ذلك، فإن هذا العامل لم يكن العامل الحاسم، بل كانت هناك عوامل أخرى لهزيمة أرمينيا لا تقل أهمية، مثل كيفية توظيف القوات، إذ كان من الواضح أنه لم يتم تمويه نظم الدفاع الجوي بشكل جيد، أو غيرها من الأمور، التي سبق وأن تمت الإشارة إليها.
شادي عبدالوهاب أستاذ مشارك في كلية الدفاع الوطني









