في بيئة الصراع المعاصر، تتداخل المجالات التقليدية وغير التقليدية بسرعة غير مسبوقة، مما يستلزم إعادة النظر في كيفية تصميم القدرات العسكرية شاملة قدرات المكون البشري وإدارة الموارد البشرية. يظهر هذا بوضوح في تجربة الولايات المتحدة لدى التعرف على ما سمّاه المحللون بـ “النقاط العمياء في بيئة متعددة المجالات” (Multi-Domain Blind Spot)، وهي فجوة عملياتية قد تنشأ نتيجة لعدم تحقيق درجة التكامل المطلوبة بين مجالي الفضاء والمجال السيبراني، وذلك على الرغم من الارتباط التنظيمي للمجالين في سياق التحديات الأمنية المعاصرة.

في دراسة تحليلية نُشرت على موقع غرفة الحرب (War Room) التابعة لكلية الحرب للجيش الأمريكي، أُشير إلى أن الخصوم في بيئة الصراع المعاصرة يتعاملون مع مجالي الفضاء والسيبراني بوصفهما مجالاً عملياتياً مترابطاً، في حين لا تزال كثير من الأطر التنظيمية والتخطيطية – بما في ذلك في الولايات المتحدة – تتعامل معهما باعتبارهما مجالين منفصلين مؤسسياً وتنظيمياً. ويُفضي هذا التباين إلى نشوء ثغرات عملياتية واستراتيجية قابلة للاستغلال في المراحل التي تسبق الصدام العسكري التقليدي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في سياق مراجعة القدرات، إذ إن من أبرز أهدافها الكشف عن الفجوات التي تحد من قدرة المؤسسة على تحقيق التكامل العملياتي، سواء كانت فجوات تنظيمية أو تقنية أو بشرية، بما يتيح معالجتها قبل أن تتحول إلى نقاط ضعف يستغلها الخصم.
الكوادر الهجينة (T-Shaped Professionals) كركيزة للتحول في مراجعة القدرات
بيّنت الدراسة أن معالجة الفجوات في بيئة العمليات متعددة المجالات تستلزم إعادة النظر في بناء الموارد البشرية، وهو ما ينسجم مع مفهوم الكوادر الهجينة (T-shaped Professionals)، وهو مصطلح يُستخدم على نطاق واسع في مجالات الابتكار والتفكير التصميمي (Design Thinking) لوصف نمط من الكفاءات البشرية يجمع بين العمق التخصصي في مجال محدد والقدرة على التكامل والعمل عبر مجالات أخرى. ويستند إلى تمثيل بصري للحرف اللاتيني (T)، حيث يرمز الخط العمودي إلى المعرفة التخصصية العميقة والخبرة العملية في مجال بعينه، بينما يرمز الخط الأفقي إلى القدرة على التواصل والتنسيق وربط المعارف والجهود بين تخصصات مختلفة. ولا يعني هذا النموذج الاكتفاء بمعرفة سطحية في عدة مجالات، بل يقوم على الجمع بين التخصص العميق والإلمام الكافي بالمجالات المرتبطة، بما يمكّن صاحبه من العمل بفاعلية ضمن فرق متعددة التخصصات، وترجمة احتياجات الخبراء، وبناء التكامل بين القدرات المختلفة لتحقيق أثر عملياتي مشترك.
وتبرز أهمية هذا النموذج بصورة خاصة في بيئة العمليات متعددة المجالات، مدار الدراسة آنفة الذكر، إذ تشير التحليلات إلى أن التفوق التقني في مجالات مثل الفضاء أو الأمن السيبراني لا يكفي، ما لم يصاحبه عنصر بشري قادر على الربط بين هذه المجالات وتحويلها إلى قدرة عملياتية متكاملة. فالفصل المؤسسي والثقافي بين التخصصات يؤدي إلى نشوء ما يشبه الجزر التخصصية – أو ما يطلق عليه في الأدبيات الأجنبية Specialized Silos- التي تعمل بمعزل عن بعضها بعضاً، وهو أمرٌ يَحُدُّ من تبادل المعلومات والمعرفة، ويقوِّض التكامل العملياتي، كما يُبطِّئ عملية صنع القرار في أوقات الأزمات. ومن هنا، تمثل الكوادر الهجينة أحد أهم المخرجات التي ينبغي أن تستهدفها مراجعة القدرات الحديثة، لأنها تعزز القدرة على العمل العابر للمجالات، وتُسهم في سد الفجوات التي تكشفها عملية المراجعة.
ويجب التأكيد على أن عملية مراجعة القدرات لا يمكن أن تقتصر على تحليل الفجوات التقنية أو المادية فحسب، بل يجب أن تشمل تحليل الموارد البشرية التنظيمية والثقافية (يقصد بها ثقافة العمل المؤسسية). يعني هذا الانتقال من مراجعات تقليدية تركز على تحديث الأنظمة وإعادة ترتيب الهياكل، إلى مراجعات شاملة تربط القدرات بالمهارات البشرية والكفاءات القابلة للتكامل.
مراجعة القدرات وتنمية الموارد البشرية: مساران متلازمان
تُشكّل عملية مراجعة القدرات أداة حيوية لفهم نقاط القوة والضعف في منظومة القدرات العسكرية الوطنية، وعادة ما يتم اجراؤها للتحقق من مدى ملاءمة القدرات العسكرية لتحقيق المهام الاستراتيجية، تحليل وتحديد الفجوات في الهياكل التنظيمية والتقنيات والمهارات، وتحديد كيفية توجيه الاستثمار لتعزيز الاستعداد وقدرات الردع. إن الدرس المستفاد من تحليل الوضع الراهن واستشراف العمليات المستقبلية يتمثل في أن التفوق الفردي، مهما بلغ من عمق تخصصي، لا يكفي وحده لسد الفجوات الناشئة في بيئات الصراع متعددة المجالات، إذ تبرز الحاجة إلى كوادر قادرة على التفاعل العابر للمجالات بوصفها عاملاً حاسماً في إغلاق الفجوة متعددة المجالات. فكما تقدم، لا تقتصر قيمة الكوادر الهجينة على امتلاك المعرفة المتخصصة، بل تتجلى أهميتها في قدرتها على الربط بين المجالات، وترجمة المتطلبات العملياتية، وتوليد أثر متكامل يتجاوز حدود التخصص الضيق. تتجلى أهم قيمة للكوادر الهجينة في قدرتها على فهم الاعتماد المتبادل بين المجالين السيبراني والفضائي، بوصفهما منظومة واحدة لا مجالين منفصلين. فالعمليات السيبرانية باتت تعتمد بصورة مباشرة على البنى الفضائية في مجالات الاتصالات، الملاحة وجمع البيانات، في حين تمثل الأنظمة الفضائية أهدافاً حساسة ووسائط تمكين للعمليات السيبرانية في آنٍ واحد. ويتيح هذا الفهم المتكامل إدراك طبيعة التأثيرات المتبادلة، وتوقّع الآثار المتسلسلة لأي هجوم أو تعطيل في أحد المجالين، بما يمنع التعامل مع التهديدات باعتبارها أحداثاً منفصلة، ويُسهم في تقليص الفجوات الإدراكية التي يستغلها الخصوم.
من المتوقع أن تُساهم الكوادر الهجينة في بناء وعي (إلمام) موحّد بالموقف بما يتيح معالجة التهديدات المتقاربة Converging threats، من خلال قدرتها على دمج البيانات والمؤشرات القادمة من مجالات مختلفة ضمن صورة تشغيلية واحدة. ففي بيئة تتسم بالتشويش المعلوماتي وتعدد مصادر البيانات وتسارع إيقاع العمليات، يصبح تجميع الإشارات المتفرقة وتحويلها إلى فهم ذي دلالة عملياتية أمراً حاسماً. وتمكّن الكوادر العابرة للمجالات القيادات من تجاوز الوعي الجزئي أو المجزأ، وتوفير تقدير موقف أكثر شمولاً، يدعم اتخاذ القرار في الزمن المناسب، ويحدّ من مخاطر المفاجأة الاستراتيجية أو التشغيلية.
أما على المستوى الاستراتيجي والعملياتي، فتبرز أهمية هذه الكوادر في تخطيط وتنفيذ استراتيجيات شاملة تتجاوز حواجز التخصص. إذ لا يقتصر دورها على التنسيق بين الخبراء، بل يمتد إلى صياغة مقاربات عمل تدمج الأدوات السيبرانية والفضائية ضمن مسار واحد لتحقيق غايات سياسية وعسكرية محددة. ويُفضي هذا الدور إلى الانتقال من منطق «إدارة المجالات Domain Management» إلى منطق «إدارة التأثيرات Effects Management»، حيث تُصمَّم العمليات بناءً على النتائج المطلوبة لا على حدود الاختصاصات المؤسسية. وبهذا، تمثل الكوادر الهجينة ركيزة أساسية لبناء قدرة حقيقية على العمل متعدد المجالات، لا باعتباره شعاراً تنظيميًا، بل ممارسة عملياتية قابلة للتنفيذ والاستدامة.

توصيات تطبيقية
بناء على ما تقدم، يمكن استخلاص مجموعة من التوصيات العملية القابلة للتطبيق لتعزيز المنهجيات المستخدمة في عملية المراجعة الشاملة للقدرات وبناء الموارد البشرية الفاعلة. يأتي تضمين تحليل الموارد البشرية داخل مراجعات القدرات في مقدمة تلك التوصيات.
• من الضروري أن يتضمن إطار مراجعة القدرات تقييماً صريحاً لقدرة المؤسسة على العمل عبر المجالات، بما في ذلك تحديد ما إذا كانت القوى العاملة تملك المعرفة اللازمة للتنسيق بين التخصصات المختلفة.
• بعد ذلك يأتي تصميم برامج تدريب عابر للتخصصات. يكون ذلك بالعمل على إعداد برامج تعليمية وتدريبية توفّر فهماً تكاملياً للفضاء، المجال السيبراني، الاستخبارات وإدارة وقيادة العمليات، وليس تدريباً معزولاً لكل تخصص على حدة.
• كما يمكن دراسة إنشاء خلايا وظيفية لتحقيق التكامل المتعدد المجالات. بتشكيل فرق تتكوّن من مختصين في مختلف المجالات تعمل ضمن مراكز قيادة أو سيطرة مشتركة لتعزيز التفكير متعدد الأبعاد في التخطيط واتخاذ القرار.
• وأخيراً، تعزيز التدريب المشترك والتمارين متعددة المجالات. إن تنفيذ تمارين عملية تحاكي هجمات متزامنة في أكثر من مجال – البرّي، البحري، الجوي، السيبراني، والفضائي – بهدف تعزيز قدرة العاملين على الاستجابة الموحدة واتخاذ القرار تحت الضغط، يُعدّ أمراً بالغ الأهمية. يسهم هذا النهج في اختبار جاهزية منظومات القيادة والسيطرة، ورفع مستوى التكامل بين الوحدات والجهات المختلفة، وتحسين قابلية التشغيل البيني، بما يضمن انتقالاً سلساً من التخطيط إلى التنفيذ ويعزّز فعالية الأداء العملياتي في بيئات تهديد معقّدة وديناميكية.
خاتمة
في عصر تتقاطع فيه التهديدات وتختلط فيه الحدود بين المجالات، لم تعد مراجعة القدرات مهمة تحليلية بحتة لترتيب القدرات، بل أصبحت أداة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل العنصر البشري التنظيمي. وبناء كوادر هجينة قادرة على فهم ودمج التخصصات المختلفة هو شرط حاسم لتجاوز الفجوات في البيئة المتعددة المجالات وتحويل المراجعة إلى قوة فاعلة في مواجهة التحديات المعاصرة.●
إعداد: اللواء م/ خالد علي السميطي









