الكوادر الهجينة ومراجعة القدرات

الكوادر الهجينة ومراجعة القدرات درس مستفاد من تكامل مجالي الفضاء والسيبراني

في‭ ‬بيئة‭ ‬الصراع‭ ‬المعاصر،‭ ‬تتداخل‭ ‬المجالات‭ ‬التقليدية‭ ‬وغير‭ ‬التقليدية‭ ‬بسرعة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬مما‭ ‬يستلزم‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تصميم‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬شاملة‭ ‬قدرات‭ ‬المكون‭ ‬البشري‭ ‬وإدارة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭. ‬يظهر‭ ‬هذا‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لدى‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سمّاه‭ ‬المحللون‭ ‬بـ‭ “‬النقاط‭ ‬العمياء‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭” (‬Multi-Domain Blind Spot‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬فجوة‭ ‬عملياتية‭ ‬قد‭ ‬تنشأ‭ ‬نتيجة‭ ‬لعدم‭ ‬تحقيق‭ ‬درجة‭ ‬التكامل‭ ‬المطلوبة‭ ‬بين‭ ‬مجالي‭ ‬الفضاء‭ ‬والمجال‭ ‬السيبراني،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الارتباط‭ ‬التنظيمي‭ ‬للمجالين‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬المعاصرة‭.‬

في‭ ‬دراسة‭ ‬تحليلية‭ ‬نُشرت‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬غرفة‭ ‬الحرب‭ (‬War Room‭) ‬التابعة‭ ‬لكلية‭ ‬الحرب‭ ‬للجيش‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أُشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الخصوم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الصراع‭ ‬المعاصرة‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬مجالي‭ ‬الفضاء‭ ‬والسيبراني‭ ‬بوصفهما‭ ‬مجالاً‭ ‬عملياتياً‭ ‬مترابطاً،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬والتخطيطية‭ ‬–‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬–‭ ‬تتعامل‭ ‬معهما‭ ‬باعتبارهما‭ ‬مجالين‭ ‬منفصلين‭ ‬مؤسسياً‭ ‬وتنظيمياً‭. ‬ويُفضي‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬ثغرات‭ ‬عملياتية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬قابلة‭ ‬للاستغلال‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬الصدام‭ ‬العسكري‭ ‬التقليدي‭. ‬وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الملاحظة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مراجعة‭ ‬القدرات،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أهدافها‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الفجوات‭ ‬التي‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التكامل‭ ‬العملياتي،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬فجوات‭ ‬تنظيمية‭ ‬أو‭ ‬تقنية‭ ‬أو‭ ‬بشرية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬معالجتها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬يستغلها‭ ‬الخصم‭.‬

الكوادر‭ ‬الهجينة‭ (‬T-Shaped Professionals‭) ‬كركيزة‭ ‬للتحول‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬القدرات

بيّنت‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬الفجوات‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمليات‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭ ‬تستلزم‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬مفهوم‭ ‬الكوادر‭ ‬الهجينة‭ (‬T-shaped Professionals‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬مصطلح‭ ‬يُستخدم‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الابتكار‭ ‬والتفكير‭ ‬التصميمي‭ (‬Design Thinking‭) ‬لوصف‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬الكفاءات‭ ‬البشرية‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬العمق‭ ‬التخصصي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬محدد‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التكامل‭ ‬والعمل‭ ‬عبر‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى‭. ‬ويستند‭ ‬إلى‭ ‬تمثيل‭ ‬بصري‭ ‬للحرف‭ ‬اللاتيني‭ (‬T‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يرمز‭ ‬الخط‭ ‬العمودي‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭ ‬التخصصية‭ ‬العميقة‭ ‬والخبرة‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬بعينه،‭ ‬بينما‭ ‬يرمز‭ ‬الخط‭ ‬الأفقي‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬والتنسيق‭ ‬وربط‭ ‬المعارف‭ ‬والجهود‭ ‬بين‭ ‬تخصصات‭ ‬مختلفة‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بمعرفة‭ ‬سطحية‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مجالات،‭ ‬بل‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬التخصص‭ ‬العميق‭ ‬والإلمام‭ ‬الكافي‭ ‬بالمجالات‭ ‬المرتبطة،‭ ‬بما‭ ‬يمكّن‭ ‬صاحبه‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬بفاعلية‭ ‬ضمن‭ ‬فرق‭ ‬متعددة‭ ‬التخصصات،‭ ‬وترجمة‭ ‬احتياجات‭ ‬الخبراء،‭ ‬وبناء‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬القدرات‭ ‬المختلفة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أثر‭ ‬عملياتي‭ ‬مشترك‭.‬

وتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬بصورة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمليات‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات،‭ ‬مدار‭ ‬الدراسة‭ ‬آنفة‭ ‬الذكر،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬التحليلات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬التقني‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مثل‭ ‬الفضاء‭ ‬أو‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يصاحبه‭ ‬عنصر‭ ‬بشري‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬عملياتية‭ ‬متكاملة‭. ‬فالفصل‭ ‬المؤسسي‭ ‬والثقافي‭ ‬بين‭ ‬التخصصات‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الجزر‭ ‬التخصصية‭ – ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬الأجنبية‭  ‬Specialized Silos‭- ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬بعضاً،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬يَحُدُّ‭ ‬من‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬والمعرفة،‭ ‬ويقوِّض‭ ‬التكامل‭ ‬العملياتي،‭ ‬كما‭ ‬يُبطِّئ‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تمثل‭ ‬الكوادر‭ ‬الهجينة‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المخرجات‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تستهدفها‭ ‬مراجعة‭ ‬القدرات‭ ‬الحديثة،‭ ‬لأنها‭ ‬تعزز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬العابر‭ ‬للمجالات،‭ ‬وتُسهم‭ ‬في‭ ‬سد‭ ‬الفجوات‭ ‬التي‭ ‬تكشفها‭ ‬عملية‭ ‬المراجعة‭.‬

ويجب‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬مراجعة‭ ‬القدرات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬الفجوات‭ ‬التقنية‭ ‬أو‭ ‬المادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تشمل‭ ‬تحليل‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬التنظيمية‭ ‬والثقافية‭ (‬يقصد‭ ‬بها‭ ‬ثقافة‭ ‬العمل‭ ‬المؤسسية‭). ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مراجعات‭ ‬تقليدية‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬تحديث‭ ‬الأنظمة‭ ‬وإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الهياكل،‭ ‬إلى‭ ‬مراجعات‭ ‬شاملة‭ ‬تربط‭ ‬القدرات‭ ‬بالمهارات‭ ‬البشرية‭ ‬والكفاءات‭ ‬القابلة‭ ‬للتكامل‭.‬

مراجعة‭ ‬القدرات‭ ‬وتنمية‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭: ‬مساران‭ ‬متلازمان

تُشكّل‭ ‬عملية‭ ‬مراجعة‭ ‬القدرات‭ ‬أداة‭ ‬حيوية‭ ‬لفهم‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬والضعف‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬الوطنية،‭ ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬اجراؤها‭ ‬للتحقق‭ ‬من‭ ‬مدى‭ ‬ملاءمة‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬لتحقيق‭ ‬المهام‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬تحليل‭ ‬وتحديد‭ ‬الفجوات‭ ‬في‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية‭ ‬والتقنيات‭ ‬والمهارات،‭ ‬وتحديد‭ ‬كيفية‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمار‭ ‬لتعزيز‭ ‬الاستعداد‭ ‬وقدرات‭ ‬الردع‭. ‬إن‭ ‬الدرس‭ ‬المستفاد‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬الوضع‭ ‬الراهن‭ ‬واستشراف‭ ‬العمليات‭ ‬المستقبلية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬الفردي،‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬تخصصي،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لسد‭ ‬الفجوات‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬الصراع‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات،‭ ‬إذ‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬كوادر‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬العابر‭ ‬للمجالات‭ ‬بوصفها‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬إغلاق‭ ‬الفجوة‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭. ‬فكما‭ ‬تقدم،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬قيمة‭ ‬الكوادر‭ ‬الهجينة‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬المعرفة‭ ‬المتخصصة،‭ ‬بل‭ ‬تتجلى‭ ‬أهميتها‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المجالات،‭ ‬وترجمة‭ ‬المتطلبات‭ ‬العملياتية،‭ ‬وتوليد‭ ‬أثر‭ ‬متكامل‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬التخصص‭ ‬الضيق‭. ‬تتجلى‭ ‬أهم‭ ‬قيمة‭ ‬للكوادر‭ ‬الهجينة‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬المجالين‭ ‬السيبراني‭ ‬والفضائي،‭ ‬بوصفهما‭ ‬منظومة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬مجالين‭ ‬منفصلين‭. ‬فالعمليات‭ ‬السيبرانية‭ ‬باتت‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬البنى‭ ‬الفضائية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاتصالات،‭ ‬الملاحة‭ ‬وجمع‭ ‬البيانات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تمثل‭ ‬الأنظمة‭ ‬الفضائية‭ ‬أهدافاً‭ ‬حساسة‭ ‬ووسائط‭ ‬تمكين‭ ‬للعمليات‭ ‬السيبرانية‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭. ‬ويتيح‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬المتكامل‭ ‬إدراك‭ ‬طبيعة‭ ‬التأثيرات‭ ‬المتبادلة،‭ ‬وتوقّع‭ ‬الآثار‭ ‬المتسلسلة‭ ‬لأي‭ ‬هجوم‭ ‬أو‭ ‬تعطيل‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المجالين،‭ ‬بما‭ ‬يمنع‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التهديدات‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحداثاً‭ ‬منفصلة،‭ ‬ويُسهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوات‭ ‬الإدراكية‭ ‬التي‭ ‬يستغلها‭ ‬الخصوم‭.‬

من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تُساهم‭ ‬الكوادر‭ ‬الهجينة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وعي‭ (‬إلمام‭) ‬موحّد‭ ‬بالموقف‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬معالجة‭ ‬التهديدات‭ ‬المتقاربة‭ ‬Converging threats،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬دمج‭ ‬البيانات‭ ‬والمؤشرات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬مختلفة‭ ‬ضمن‭ ‬صورة‭ ‬تشغيلية‭ ‬واحدة‭. ‬ففي‭ ‬بيئة‭ ‬تتسم‭ ‬بالتشويش‭ ‬المعلوماتي‭ ‬وتعدد‭ ‬مصادر‭ ‬البيانات‭ ‬وتسارع‭ ‬إيقاع‭ ‬العمليات،‭ ‬يصبح‭ ‬تجميع‭ ‬الإشارات‭ ‬المتفرقة‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬ذي‭ ‬دلالة‭ ‬عملياتية‭ ‬أمراً‭ ‬حاسماً‭. ‬وتمكّن‭ ‬الكوادر‭ ‬العابرة‭ ‬للمجالات‭ ‬القيادات‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬الوعي‭ ‬الجزئي‭ ‬أو‭ ‬المجزأ،‭ ‬وتوفير‭ ‬تقدير‭ ‬موقف‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً،‭ ‬يدعم‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬المناسب،‭ ‬ويحدّ‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬المفاجأة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أو‭ ‬التشغيلية‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والعملياتي،‭ ‬فتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الكوادر‭ ‬في‭ ‬تخطيط‭ ‬وتنفيذ‭ ‬استراتيجيات‭ ‬شاملة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حواجز‭ ‬التخصص‭. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬دورها‭ ‬على‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الخبراء،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬مقاربات‭ ‬عمل‭ ‬تدمج‭ ‬الأدوات‭ ‬السيبرانية‭ ‬والفضائية‭ ‬ضمن‭ ‬مسار‭ ‬واحد‭ ‬لتحقيق‭ ‬غايات‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬محددة‭. ‬ويُفضي‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬المجالات‭ ‬Domain Management‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬التأثيرات‭ ‬Effects Management‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تُصمَّم‭ ‬العمليات‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬المطلوبة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬الاختصاصات‭ ‬المؤسسية‭. ‬وبهذا،‭ ‬تمثل‭ ‬الكوادر‭ ‬الهجينة‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لبناء‭ ‬قدرة‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬متعدد‭ ‬المجالات،‭ ‬لا‭ ‬باعتباره‭ ‬شعاراً‭ ‬تنظيميًا،‭ ‬بل‭ ‬ممارسة‭ ‬عملياتية‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬والاستدامة‭.‬

توصيات‭ ‬تطبيقية

بناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬يمكن‭ ‬استخلاص‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التوصيات‭ ‬العملية‭ ‬القابلة‭ ‬للتطبيق‭ ‬لتعزيز‭ ‬المنهجيات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬المراجعة‭ ‬الشاملة‭ ‬للقدرات‭ ‬وبناء‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬الفاعلة‭. ‬يأتي‭ ‬تضمين‭ ‬تحليل‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬داخل‭ ‬مراجعات‭ ‬القدرات‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬تلك‭ ‬التوصيات‭.‬

• من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يتضمن‭ ‬إطار‭ ‬مراجعة‭ ‬القدرات‭ ‬تقييماً‭ ‬صريحاً‭ ‬لقدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬عبر‭ ‬المجالات،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬تملك‭ ‬المعرفة‭ ‬اللازمة‭ ‬للتنسيق‭ ‬بين‭ ‬التخصصات‭ ‬المختلفة‭. ‬

• بعد‭ ‬ذلك‭ ‬يأتي‭ ‬تصميم‭ ‬برامج‭ ‬تدريب‭ ‬عابر‭ ‬للتخصصات‭. ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬بالعمل‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬برامج‭ ‬تعليمية‭ ‬وتدريبية‭ ‬توفّر‭ ‬فهماً‭ ‬تكاملياً‭ ‬للفضاء،‭ ‬المجال‭ ‬السيبراني،‭ ‬الاستخبارات‭ ‬وإدارة‭ ‬وقيادة‭ ‬العمليات،‭ ‬وليس‭ ‬تدريباً‭ ‬معزولاً‭ ‬لكل‭ ‬تخصص‭ ‬على‭ ‬حدة‭.‬

• كما‭ ‬يمكن‭ ‬دراسة‭ ‬إنشاء‭ ‬خلايا‭ ‬وظيفية‭ ‬لتحقيق‭ ‬التكامل‭ ‬المتعدد‭ ‬المجالات‭. ‬بتشكيل‭ ‬فرق‭ ‬تتكوّن‭ ‬من‭ ‬مختصين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬تعمل‭ ‬ضمن‭ ‬مراكز‭ ‬قيادة‭ ‬أو‭ ‬سيطرة‭ ‬مشتركة‭ ‬لتعزيز‭ ‬التفكير‭ ‬متعدد‭ ‬الأبعاد‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭.‬

• وأخيراً،‭ ‬تعزيز‭ ‬التدريب‭ ‬المشترك‭ ‬والتمارين‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭. ‬إن‭ ‬تنفيذ‭ ‬تمارين‭ ‬عملية‭ ‬تحاكي‭ ‬هجمات‭ ‬متزامنة‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجال‭ – ‬البرّي،‭ ‬البحري،‭ ‬الجوي،‭ ‬السيبراني،‭ ‬والفضائي‭ – ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬العاملين‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬الموحدة‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬يُعدّ‭ ‬أمراً‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭. ‬يسهم‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬جاهزية‭ ‬منظومات‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬الوحدات‭ ‬والجهات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وتحسين‭ ‬قابلية‭ ‬التشغيل‭ ‬البيني،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬انتقالاً‭ ‬سلساً‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬إلى‭ ‬التنفيذ‭ ‬ويعزّز‭ ‬فعالية‭ ‬الأداء‭ ‬العملياتي‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬تهديد‭ ‬معقّدة‭ ‬وديناميكية‭.‬

خاتمة

في‭ ‬عصر‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬التهديدات‭ ‬وتختلط‭ ‬فيه‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬المجالات،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مراجعة‭ ‬القدرات‭ ‬مهمة‭ ‬تحليلية‭ ‬بحتة‭ ‬لترتيب‭ ‬القدرات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭ ‬تشمل‭ ‬العنصر‭ ‬البشري‭ ‬التنظيمي‭. ‬وبناء‭ ‬كوادر‭ ‬هجينة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ودمج‭ ‬التخصصات‭ ‬المختلفة‭ ‬هو‭ ‬شرط‭ ‬حاسم‭ ‬لتجاوز‭ ‬الفجوات‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬المتعددة‭ ‬المجالات‭ ‬وتحويل‭ ‬المراجعة‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬المعاصرة‭.‬●

إعداد‭: ‬اللواء‭ ‬م‭/ ‬خالد‭ ‬علي‭ ‬السميطي‭

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض