لا تُقاس صحة الرجل بمجرد غياب الألم أو الأعراض المرضية، فهناك العديد من المشكلات الصحية التي قد تتطور بصمت على مدى سنوات، دون أن تترك مؤشرات واضحة في مراحلها المبكرة، فمثلاً: ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات سكر الدم، وارتفاع مستويات الكوليسترول، وبعض أمراض القلب والسرطانات قد لا تصاحبها أعراض ملحوظة في بداياتها، مما يجعل الكشف المبكر والمتابعة الصحية المنتظمة ضرورة للحفاظ على الصحة والحد من المضاعفات.
الوقاية من الأمراض المزمنة
تُعد الأمراض المزمنة من أبرز التحديات الصحية التي تواجه الرجال، خاصة مع التقدم في العمر وتراكم عوامل الخطورة المرتبطة بنمط الحياة، وتكمن خطورة بعضها في أنها قد تتطور تدريجياً دون أعراض واضحة، فقد يعيش الرجل سنوات وهو يعاني ارتفاع ضغط الدم أو اضطراب مستويات الكوليسترول أو السكر دون أن يدرك تأثيرها المتراكم في صحة القلب والأوعية الدموية.
ولا ترتبط هذه الأمراض بالتقدم في العمر وحده، بل تتأثر أيضاً بالعوامل الوراثية والعادات اليومية، فالتدخين وقلة الحركة والإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة والملح والسكريات المضافة، إلى جانب السمنة، خصوصاً تراكم الدهون في منطقة البطن، جميعها عوامل تزيد احتمالية الإصابة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني.
ومن المهم الانتباه إلى مرحلة ما قبل السكري التي ترتفع فيها مستويات السكر عن المعدلات الطبيعية، دون أن تصل إلى الحدود التشخيصية للسكري، إذ تمثل فرصة مهمة للتدخل المبكر من خلال تحسين نمط الحياة بما يسهم في الوقاية من المرض أو تأخير ظهوره.
ولهذا فإن قياس ضغط الدم، وتقييم مستويات السكر والكوليسترول وفق العمر وعوامل الخطورة، والمحافظة على وزن صحي ليست مجرد إجراءات روتينية بل خطوات وقائية قد تحول دون الإصابة بمضاعفات صحية خطيرة مستقبلاً.
الكشف المبكر عن السرطان
يُعد السرطان أحد التحديات الصحية المهمة التي تواجه صحة الرجل، وتختلف أنواعه وعوامل الخطورة المرتبطة به تبعاً للعمر والتاريخ العائلي والاستعداد الوراثي ونمط الحياة، ووفقاً لبيانات السجل الوطني للسرطان في دولة الإمارات يتصدر سرطان القولون والمستقيم قائمة السرطانات الأكثر شيوعاً بين الرجال، يليه سرطان البروستاتا، فيما يُعد سرطان الرئة من أبرز أسباب الوفيات الناجمة عن السرطان لدى الرجال.
وتبرز أهمية الكشف المبكر عن السرطان في إمكانية اكتشاف بعض أنواعه قبل ظهور الأعراض، مما يسهم في تحسين فرص العلاج ، كما تتيح بعض الفحوصات مثل: تنظير القولون واكتشاف الزوائد اللحمية التي قد تتحول إلى أورام سرطانية وإزالتها قبل تطورها ، لذا يوصى ببدء فحوصات الكشف المبكر عن سرطان القولون والمستقيم من عمر 40 عاماً مع إمكانية البدء في سن أصغر لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للمرض أو عوامل خطورة تستدعي ذلك، أما الكشف المبكر عن سرطان البروستاتا باستخدام تحليل المستضد النوعي للبروستاتا (PSA) فيعتمد على التقييم الطبي الفردي مع مراعاة العمر والتاريخ العائلي وعوامل الخطورة.
ويبقى الامتناع عن التدخين من أهم التدخلات الوقائية نظراً لارتباط التدخين بسرطان الرئة والعديد من السرطانات الأخرى فضلاً عن أمراض القلب والجهاز التنفسي.
الصحة النفسية للرجل
غالباً ما ينصب الحديث عن صحة الرجل على الأمراض الجسدية، في حين لا تحظى الصحة النفسية بالقدر نفسه من الاهتمام، رغم تأثيرها المباشر في جودة الحياة والعلاقات الأسرية والأداء المهني.
وقد تسهم الضغوط المرتبطة بالعمل والمسؤوليات الأسرية والاجتماعية في زيادة مستويات التوتر والقلق، بينما قد تدفع بعض التصورات الاجتماعية المرتبطة بالقوة والتحمل الرجال إلى تجنب التعبير عن مشاعرهم أو طلب المساعدة النفسية.
ولا يظهر الاكتئاب دائماً في صورة حزن واضح، فقد يتجلى لدى بعض الرجال في صورة عصبية متكررة، أو اضطرابات في النوم، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، أو الانسحاب الاجتماعي، أو تغيرات ملحوظة في السلوك.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الوعي بالصحة النفسية وتشجيع الرجال على طلب الاستشارة المتخصصة عند الحاجة، فطلب المساعدة ليس دليلاً على الضعف بل خطوة واعية نحو الحفاظ على التوازن النفسي والصحي.
الصحة الجنسية والإنجابية
تُعد الصحة الجنسية والإنجابية جانباً أساسياً من الصحة العامة للرجل، إلا أن الحرج الاجتماعي قد يدفع البعض إلى تجاهل المشكلات المرتبطة بها أو تأخير استشارة الطبيب.
ومن المهم إدراك أن بعض الاضطرابات الجنسية مثل ضعف الانتصاب قد ترتبط بأمراض مزمنة كالسُّكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض الأوعية الدموية، وقد تمثل في بعض الحالات مؤشراً مبكراً يستدعي تقييم صحة القلب والدورة الدموية.
كما تتأثر الخصوبة لدى الرجال بعوامل متعددة تشمل: التدخين والسمنة وبعض الاضطرابات الهرمونية والأمراض المزمنة، ولذلك فإن الاهتمام بالصحة الجنسية والإنجابية ينبغي أن يكون جزءاً من الرعاية الصحية الشاملة مع تجنب استخدام الأدوية أو المستحضرات غير الموثوقة دون استشارة طبية.
صحة الرجل في بيئة العمل
يقضي الرجل جزءاً كبيراً من يومه في بيئة العمل، مما يجعلها أحد العوامل المؤثرة في صحته الجسدية والنفسية، وقد تسهم ساعات العمل الطويلة، وقلة الحركة، والضغوط المهنية، واضطرابات النوم المرتبطة بنظام المناوبات في زيادة بعض المخاطر الصحية.
وتكتسب الصحة المهنية أهمية خاصة لدى العاملين في المهن العسكرية والميدانية، حيث تتطلب طبيعة العمل مجهوداً بدنياً مرتفعاً، أو التعرض لدرجات حرارة عالية وما يرتبط بها من مخاطر الإجهاد الحراري والجفاف، أو العمل في ظروف تستدعي اليقظة والتركيز لفترات طويلة، ولذلك فإن تعزيز الصحة في بيئة العمل لا يقتصر على الوقاية من الإصابات المهنية بل يشمل أيضاً الفحوصات الصحية المناسبة لطبيعة العمل، والتوعية بالتغذية والنشاط البدني، وإدارة الإجهاد، وتوفير الدعم النفسي عند الحاجة.
فالاستثمار في صحة العاملين لا تقتصر فوائده على الفرد بل يمتد أثره إلى تحسين السلامة والإنتاجية والجاهزية المهنية.
متى ينبغي للرجل مراجعة الطبيب؟
لا توجد مجموعة واحدة من الفحوصات الطبية تناسب جميع الرجال، إذ تختلف الاحتياجات الصحية بحسب العمر والتاريخ المرضي والعائلي وعوامل الخطورة، ولذلك فإن المتابعة الطبية المنتظمة حتى في غياب الأعراض تمثل خطوة أساسية في الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض.
وتشمل الرعاية الوقائية قياس ضغط الدم، وتقييم مستويات السكر والكوليسترول وفقاً للعمر وعوامل الخطورة، ومراقبة الوزن ومحيط الخصر، إلى جانب إجراء الفحوصات الموصى بها للكشف المبكر عن بعض السرطانات، ومراجعة حالة التطعيمات، والاهتمام بالصحة النفسية، كما ينبغي عدم تجاهل الأعراض المستمرة أو التغيرات الجسدية غير المعتادة وطلب الاستشارة الطبية عند الحاجة.
وأخيراً، علينا أن ندرك أن العناية بصحة الرجل لا تبدأ عند ظهور المرض، بل من الوعي بأهمية الوقاية وتبنّي نمط حياة صحي في مختلف المراحل العمرية، فمن منظور الصحة العامة يُعد الاستثمار في صحة الرجل استثماراً يتجاوز الفرد ليشمل أسرته ومجتمعه، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز قدرته على العمل والعطاء.
الدكتورة بدرية الحرمي – استشارية الصحة العامة










