كيف تنتهي2

مقاربة تاريخية واستشرافية كيف تنتهي الحروب؟

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الحرب‭ ‬المعاصرة‭ ‬على‭ ‬تطور‭ ‬أدوات‭ ‬القتال،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬بها‭ ‬الحروب‭. ‬فمنذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬تراجعت‭ ‬مركزية‭ ‬النصر‭ ‬العسكري‭ ‬الحاسم،‭ ‬مقابل‭ ‬تصاعد‭ ‬أدوار‭ ‬الهدنة‭ ‬والتفاوض‭ ‬والوساطة‭ ‬والتسويات‭ ‬المدعومة‭ ‬دولياً،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬وغير‭ ‬النظامية‭ ‬والنزاعات‭ ‬المدعومة‭ ‬خارجياً‭. ‬وأدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬السؤال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تحديد‭ ‬المنتصر‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يصبح‭ ‬فيها‭ ‬استمرار‭ ‬القتال‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الغايات‭ ‬السياسية،‭ ‬وكيف‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬القناعة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬للعنف‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭.‬

تقدم‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬قراءة‭ ‬تاريخية‭ ‬واستشرافية‭ ‬لديناميكيات‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬وتنطلق‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬أن‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬حدثاً‭ ‬منفرداً،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬متعددة‭ ‬المراحل‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬قبل‭ ‬توقف‭ ‬القتال‭ ‬وتمتد‭ ‬آثارها‭ ‬بعده‭. ‬كما‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬النصر‭ ‬ليس‭ ‬حقيقة‭ ‬عسكرية‭ ‬محضة،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬سياسية‭ ‬وإدراكية‭ ‬تتحدد‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الغاية‭ ‬السياسية،‭ ‬وبإدراك‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭ ‬أو‭ ‬كليهما‭ ‬أن‭ ‬مواصلة‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجدية‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬تفسير‭ ‬نهاية‭ ‬الحروب‭ ‬يقتضي‭ ‬تحليل‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬ميزان‭ ‬القوى،‭ ‬وكلفة‭ ‬الاستمرار،‭ ‬وتغير‭ ‬الغايات،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الفاعلين،‭ ‬والتدخل‭ ‬الخارجي،‭ ‬وإمكانات‭ ‬التفاوض‭ ‬والوساطة،‭ ‬وترتيبات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬القتال‭. ‬فهذه‭ ‬العوامل‭ ‬تحدد‭ ‬إمكان‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬وتوقيت‭ ‬هذا‭ ‬الخروج،‭ ‬والشكل‭ ‬الذي‭ ‬تتخذه‭ ‬النهاية‭. ‬وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬أهمية‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬وتسوية‭ ‬الصراع؛‭ ‬فالأول‭ ‬يتعلق‭ ‬بوقف‭ ‬الاستخدام‭ ‬المنظم‭ ‬للقوة،‭ ‬بينما‭ ‬تتجاوز‭ ‬الثانية‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬البنى‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬باستمرار‭ ‬النزاع‭ ‬أو‭ ‬تجدد‭ ‬العنف‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬قد‭ ‬تتوقف‭ ‬المعارك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬الصراع،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬عملية‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬تتمحور‭ ‬الدراسة‭ ‬حول‭ ‬السؤال‭ ‬الآتي‭: ‬ما‭ ‬الديناميكيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬إمكان‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬وتوقيت‭ ‬هذا‭ ‬الخروج،‭ ‬والشكل‭ ‬الذي‭ ‬تتخذه‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب؟‭ ‬وينظم‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تحليل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحسم‭ ‬العسكري‭ ‬والغاية‭ ‬السياسية،‭ ‬وأثر‭ ‬الاستنزاف‭ ‬والتدخل‭ ‬الخارجي‭ ‬وتغير‭ ‬حسابات‭ ‬المتحاربين،‭ ‬ثم‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬تُترجم‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬للقتال،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬انتقال‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬نهايتها‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعدها‭.‬

أولاً‭: ‬ديناميكيات‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب

مثّلت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬الذروة‭ ‬التاريخية‭ ‬لفكرة‭ ‬النصر‭ ‬العسكري‭ ‬الكامل،‭ ‬إذ‭ ‬انتهت‭ ‬باستسلام‭ ‬غير‭ ‬مشروط‭ ‬لألمانيا‭ ‬النازية‭ ‬واليابان‭.‬‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانتصار‭ ‬الشامل‭ ‬أسهم،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬في‭ ‬تقويض‭ ‬قابلية‭ ‬تكرار‭ ‬نموذجه‭. ‬فقد‭ ‬جعلت‭ ‬الكلفة‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬الهائلة‭ ‬للحرب،‭ ‬ثم‭ ‬ظهور‭ ‬السلاح‭ ‬النووي،‭ ‬من‭ ‬الانتصار‭ ‬الكامل‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬احتمالاً‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬كلفته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬المتوقعة‭ ‬منه‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬انتقل‭ ‬التفكير‭ ‬العسكري‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬مركزية‭ ‬الحسم‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬التصعيد‭ ‬والردع،‭ ‬وأصبح‭ ‬منع‭ ‬الحرب‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬وظيفة‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬اختفاء‭ ‬النصر‭ ‬العسكري،‭ ‬وإنما‭ ‬إعادة‭ ‬تعريفه‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الغايات‭ ‬السياسية‭ ‬والكلفة‭ ‬المقبولة‭.‬

وتقدم‭ ‬الحرب‭ ‬الكورية‭ ‬نموذجاً‭ ‬مبكراً‭ ‬لهذا‭ ‬التحول‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬تبدل‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬أدى‭ ‬التدخل‭ ‬الصيني،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الدعم‭ ‬السوفييتي،‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬تحول‭ ‬التفوق‭ ‬الأمريكي‭ ‬والكوري‭ ‬الجنوبي‭ ‬إلى‭ ‬نصر‭ ‬حاسم،‭ ‬وانتهى‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬1953‭ ‬بهدنة‭ ‬أعادت‭ ‬الطرفين‭ ‬تقريباً‭ ‬إلى‭ ‬خطوط‭ ‬البداية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معاهدة‭ ‬سلام‭ ‬نهائية‭. ‬وتكشف‭ ‬الحالة‭ ‬الكورية‭ ‬أن‭ ‬تدويل‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يغير‭ ‬موازينها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يقيد‭ ‬إمكان‭ ‬الحسم‭ ‬ذاته،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬التسوية‭ ‬الجزئية‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للتحقق‭ ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬نصر‭ ‬كامل‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬النصر‭ ‬العسكري‭ ‬والنجاح‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ضرورياً‭ ‬لفهم‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬حروب‭ ‬إنهاء‭ ‬الاستعمار،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الحالة‭ ‬الجزائرية،‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬بلوغ‭ ‬الغاية‭ ‬السياسية‭. ‬فلم‭ ‬تحقق‭ ‬جبهة‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‭ ‬هزيمة‭ ‬عسكرية‭ ‬تقليدية‭ ‬للجيش‭ ‬الفرنسي،‭ ‬لكنها‭ ‬استطاعت‭ ‬جعل‭ ‬كلفة‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬والوجود‭ ‬الفرنسي‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الجدوى‭ ‬السياسية‭ ‬للاستمرار،‭ ‬فانتهى‭ ‬الصراع‭ ‬باتفاقيات‭ ‬إيفيان‭ ‬والاستقلال‭. ‬وبذلك‭ ‬لا‭ ‬يتحدد‭ ‬النصر‭ ‬بنتيجة‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬بمدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬إرادة‭ ‬الخصم‭ ‬وربط‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬بالغاية‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬أجلها‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تستعيد‭ ‬المعركة‭ ‬موقعها‭ ‬داخل‭ ‬الاستراتيجية؛‭ ‬فهي‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الغاية‭ ‬وليست‭ ‬غاية‭ ‬مستقلة‭. ‬وقد‭ ‬كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬حدود‭ ‬التصور‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬المعركة‭ ‬الفاصلة‭ ‬مركز‭ ‬الحسم،‭ ‬إذ‭ ‬خاضت‭ ‬الأطراف‭ ‬مواجهات‭ ‬كبرى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنفرد‭ ‬معركة‭ ‬واحدة‭ ‬بإنهاء‭ ‬الحرب‭. ‬وتأكد‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬في‭ ‬فيتنام،‭ ‬حيث‭ ‬تزامن‭ ‬الضغط‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬مع‭ ‬مفاوضات‭ ‬باريس،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬تغير‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬وتراجع‭ ‬الرعاية‭ ‬الخارجية‭ ‬إلى‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬ثم‭ ‬سقوط‭ ‬جنوب‭ ‬فيتنام‭ ‬عام‭ ‬1975‭. ‬وبذلك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬النهاية‭ ‬حصيلة‭ ‬معركة‭ ‬منفردة،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬تفاعل‭ ‬بين‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬والإرادة‭ ‬السياسية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬والدعم‭ ‬الخارجي‭.‬

وتقدم‭ ‬أفغانستان‭ ‬بدورها‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الانسحاب‭ ‬وإنهاء‭ ‬الحرب‭. ‬فقد‭ ‬انسحب‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬عام‭ ‬1989،‭ ‬ثم‭ ‬انهار‭ ‬نظام‭ ‬محمد‭ ‬نجيب‭ ‬الله‭ ‬لاحقاً‭ ‬بعد‭ ‬تراجع‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي،‭ ‬كما‭ ‬أعقب‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬تغير‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬السيطرة‭ ‬لمصلحة‭ ‬طالبان‭. ‬وتوضح‭ ‬الحالتان‭ ‬أن‭ ‬انتهاء‭ ‬مشاركة‭ ‬قوة‭ ‬خارجية‭ ‬لا‭ ‬يساوي‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحقق‭ ‬الغايات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬أجلها‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬استراتيجية‭ ‬الخروج‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بالانسحاب‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬وإنما‭ ‬بالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬شروط‭ ‬الانسحاب‭ ‬والنتيجة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تعقبها‭.‬

كما‭ ‬تكشف‭ ‬الحالة‭ ‬الأفغانية‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬تصنيف‭ ‬الخصم‭ ‬وحدود‭ ‬إدماجه‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬سياسية‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬النزاع‭ ‬وفرص‭ ‬إنهائه‭. ‬فكلما‭ ‬ضاقت‭ ‬إمكانات‭ ‬إنتاج‭ ‬مخرج‭ ‬سياسي‭ ‬مقبول‭ ‬للأطراف‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬القتال،‭ ‬زادت‭ ‬احتمالات‭ ‬استمرار‭ ‬المواجهة‭. ‬ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬ذلك‭ ‬بمنح‭ ‬شرعية‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬قانونية‭ ‬مسبقة‭ ‬لأي‭ ‬طرف،‭ ‬وإنما‭ ‬بكيفية‭ ‬تأثير‭ ‬بنية‭ ‬الخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬الاستمرار‭ ‬أو‭ ‬التوقف‭.‬

وتتعقد‭ ‬ديناميكيات‭ ‬الخروج‭ ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تنفذ‭ ‬أهدافاً‭ ‬سياسية‭ ‬ثابتة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيلها‭ ‬أيضاً‭. ‬فمع‭ ‬امتداد‭ ‬الزمن،‭ ‬وارتفاع‭ ‬الكلفة،‭ ‬ودخول‭ ‬فاعلين‭ ‬جدد،‭ ‬وتغير‭ ‬موازين‭ ‬القوى،‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬الغايات‭ ‬الأصلية‭ ‬أقل‭ ‬قابلية‭ ‬للتحقق،‭ ‬أو‭ ‬تتسع‭ ‬أو‭ ‬تنكمش‭. ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قياس‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب‭ ‬بمقارنة‭ ‬التسوية‭ ‬النهائية‭ ‬بالأهداف‭ ‬المعلنة‭ ‬عند‭ ‬بدايتها‭ ‬وحدها؛‭ ‬إذ‭ ‬تتمثل‭ ‬إحدى‭ ‬وظائف‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الغايات‭ ‬والوسائل‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬أنتجته‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭.‬

ويترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المرونة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الغايات‭ ‬تصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الحرب‭ ‬ونهايتها‭. ‬فحين‭ ‬تتغير‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬الأهداف‭ ‬الأصلية‭ ‬ثابتة،‭ ‬قد‭ ‬تتسع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تسعى‭ ‬إليه‭ ‬القيادة‭ ‬وما‭ ‬تستطيع‭ ‬الوسائل‭ ‬العسكرية‭ ‬تحقيقه‭. ‬وعند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬يصبح‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬مرتبطاً‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بميزان‭ ‬القوى،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بقدرة‭ ‬القيادة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬نتيجة‭ ‬مقبولة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬شروط‭ ‬الصراع‭ ‬المتغيرة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬يكتسب‭ ‬العامل‭ ‬الخارجي‭ ‬وزناً‭ ‬حاسماً‭. ‬فمنذ‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬سمحت‭ ‬شبكات‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬والعسكري‭ ‬والسياسي‭ ‬لأطراف‭ ‬أضعف‭ ‬بالاستمرار‭ ‬في‭ ‬القتال‭ ‬رغم‭ ‬اختلال‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬المحلية‭. ‬وتوضح‭ ‬نيكاراغوا‭ ‬ذلك؛‭ ‬إذ‭ ‬أدى‭ ‬الدعم‭ ‬الأمريكي‭ ‬لقوات‭ ‬الكونترا‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬انتصار‭ ‬الساندينيين‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬مضادة‭ ‬طويلة‭. ‬فالدعم‭ ‬الخارجي‭ ‬لا‭ ‬يضيف‭ ‬موارد‭ ‬إلى‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يغير‭ ‬أيضاً‭ ‬الأفق‭ ‬الزمني‭ ‬للحرب،‭ ‬ويمنح‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متاحة‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬مواردها‭ ‬الداخلية‭ ‬وحدها‭. ‬ويعمل‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬المقابل‭ ‬أيضاً؛‭ ‬فتراجع‭ ‬الرعاية‭ ‬الخارجية‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬ميزان‭ ‬الحرب‭ ‬ويقرب‭ ‬نهايتها،‭ ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬تجربتا‭ ‬فيتنام‭ ‬وأفغانستان‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬شروط‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬المعاصرة‭ ‬لا‭ ‬تتحدد‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬القتال‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬تتأثر‭ ‬كذلك‭ ‬بقرارات‭ ‬القوى‭ ‬الداعمة،‭ ‬وبمدى‭ ‬استعدادها‭ ‬للاستمرار‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬الكلفة‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للصراع‭.‬

ولا‭ ‬يقل‭ ‬الاستنزاف‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬العسكري‭. ‬فالحروب‭ ‬الطويلة‭ ‬تختبر‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمجتمع‭ ‬والتحالفات‭ ‬الخارجية‭ ‬على‭ ‬إدامة‭ ‬المجهود‭ ‬الحربي،‭ ‬لا‭ ‬قدرة‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬وحدها‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتآكل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬الجيش‭ ‬قدرته‭ ‬الميدانية‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يصبح‭ ‬الاستنزاف‭ ‬أحد‭ ‬المسارات‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬جدوى‭ ‬الاستمرار،‭ ‬وتفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الحسم‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مخرج‭ ‬سياسي‭. ‬وبذلك‭ ‬يتسع‭ ‬مفهوم‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬نفسه‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬القوات‭ ‬أو‭ ‬الأسلحة‭ ‬أو‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬القدرة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والتماسك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتحمل‭ ‬الخسائر،‭ ‬واستمرار‭ ‬الرعاية‭ ‬الخارجية،‭ ‬والزمن‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬البقاء‭ ‬خلاله‭ ‬في‭ ‬الحرب‭. ‬وفي‭ ‬النزاعات‭ ‬الممتدة،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬من‭ ‬التفوق‭ ‬العملياتي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬محددة‭.‬

وتزداد‭ ‬هذه‭ ‬المعضلات‭ ‬حدة‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية،‭ ‬لأن‭ ‬المتحاربين‭ ‬لا‭ ‬يتنازعون‭ ‬حدوداً‭ ‬أو‭ ‬أراضي‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬يتنافسون‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬والسلطة‭ ‬والتمثيل‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭. ‬ولهذا‭ ‬يصعب‭ ‬فيها‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬إنهاء‭ ‬القتال‭ ‬وتسوية‭ ‬النزاع‭. ‬وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬المعروضة‭ ‬للفترة‭ ‬1946–2021‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬40‭ % ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬انتهت‭ ‬بانخفاض‭ ‬شدة‭ ‬القتال،‭ ‬ونحو‭ ‬30‭ % ‬بانتصار،‭ ‬و13‭ % ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬و13‭ % ‬باتفاق‭ ‬سلام،‭ ‬ونحو‭ ‬4‭ ‬‭% ‬باختفاء‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭.‬

وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬النسب‭ ‬أن‭ ‬النصر‭ ‬العسكري‭ ‬ليس‭ ‬الطريق‭ ‬الوحيد‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب،‭ ‬وأن‭ ‬نسبة‭ ‬معتبرة‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بحسم‭ ‬سياسي‭ ‬واضح،‭ ‬بل‭ ‬بانخفاض‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬العنف،‭ ‬أو‭ ‬بوقف‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار،‭ ‬أو‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬الجمود‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬طيفاً‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬الممكنة،‭ ‬لا‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭ ‬تفصل‭ ‬بصورة‭ ‬قاطعة‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬والسلام‭.‬

ثانياً‭: ‬من‭ ‬قابلية‭ ‬الخروج‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬القتال

إذا‭ ‬كانت‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬والكلفة‭ ‬والاستنزاف‭ ‬والتدخل‭ ‬الخارجي‭ ‬تحدد‭ ‬متى‭ ‬تصبح‭ ‬الحرب‭ ‬قابلة‭ ‬للإنهاء،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭ ‬يتعلق‭ ‬بالآليات‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬فعلي‭ ‬للقتال‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬الهدنة‭ ‬والتفاوض‭ ‬والوساطة‭ ‬بوصفها‭ ‬أدوات‭ ‬تعمل‭ ‬داخل‭ ‬منطق‭ ‬الحرب‭ ‬وحساباتها،‭ ‬لا‭ ‬خارجهما‭.‬

يُعد‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬حضوراً،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬سلاماً‭ ‬في‭ ‬ذاته‭. ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬تعليق‭ ‬للعمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬أسباب‭ ‬النزاع،‭ ‬كما‭ ‬توضح‭ ‬الحالة‭ ‬الكورية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1953‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬‮«‬نهاية‭ ‬عملية‮»‬‭ ‬للحرب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نهاية‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬قانونية‭ ‬لها‭.‬

وقد‭ ‬تعزز‭ ‬دور‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬المعنية‭ ‬بإدارة‭ ‬النزاعات‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬ترتيباً‭ ‬لتنظيم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬وقد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬نحو‭ ‬التسوية،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬لتجميد‭ ‬الصراع‭. ‬ولذلك‭ ‬تتحدد‭ ‬دلالته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بما‭ ‬يترتب‭ ‬عليه،‭ ‬لا‭ ‬بمجرد‭ ‬توقف‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭.‬

أما‭ ‬التفاوض،‭ ‬فلا‭ ‬يبدأ‭ ‬عادة‭ ‬لأن‭ ‬الأطراف‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬تتغير‭ ‬حسابات‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭. ‬فالمتحارب‭ ‬الذي‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الحسم‭ ‬العسكري‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬ممكناً‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬دافعاً‭ ‬قوياً‭ ‬لتعديل‭ ‬موقفه‭. ‬وتوضح‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬العراقية‭ ‬هذه‭ ‬المسألة؛‭ ‬إذ‭ ‬رفضت‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬مقترحات‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬حين‭ ‬اعتقدت‭ ‬أن‭ ‬النصر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬المتناول،‭ ‬ثم‭ ‬قبلت‭ ‬القرار‭ ‬598‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1988‭ ‬بعد‭ ‬تغير‭ ‬ميزان‭ ‬العمليات‭ ‬وتصاعد‭ ‬الكلفة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬لحظة‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬لا‭ ‬تتطلب‭ ‬بالضرورة‭ ‬اقتراب‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭. ‬فقد‭ ‬تنشأ‭ ‬حين‭ ‬يدرك‭ ‬الطرفان‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭ ‬عبر‭ ‬التسوية‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬اتساقاً‭ ‬مع‭ ‬حساباتهما‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬استمرار‭ ‬القتال‭. ‬وحتى‭ ‬الطرف‭ ‬المتفوق‭ ‬عسكرياً‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تقدير‭ ‬الكلفة‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحويل‭ ‬تفوقه‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬سياسية،‭ ‬بينما‭ ‬يعيد‭ ‬الطرف‭ ‬الأضعف‭ ‬تقييم‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬الميزان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستمرار‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬تحتوي‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬الكبير،‭ ‬على‭ ‬عنصر‭ ‬يتعلق‭ ‬بتحديد‭ ‬شروط‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭. ‬فالمسألة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬مقدار‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬كل‭ ‬طرف،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬استمرار‭ ‬استخدامها‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬نتيجة‭ ‬سياسية‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬عبر‭ ‬التفاوض‭. ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬القتال‭ ‬والتفاوض‭ ‬باعتبارهما‭ ‬مرحلتين‭ ‬متعاقبتين‭ ‬بالضرورة‭. ‬فقد‭ ‬تستخدم‭ ‬القوة‭ ‬لتحسين‭ ‬الموقع‭ ‬التفاوضي،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تُفتح‭ ‬قنوات‭ ‬التفاوض‭ ‬لاختبار‭ ‬شروط‭ ‬التسوية‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬التحالفات‭ ‬أو‭ ‬إدارة‭ ‬الزمن‭. ‬وبذلك‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬المساران‭ ‬بالتوازي،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬نفسه‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬فيها‭ ‬المفاوضات‭.‬

وتكشف‭ ‬أزمة‭ ‬السويس‭ ‬عام‭ ‬1956‭ ‬جانباً‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التفاعل؛‭ ‬إذ‭ ‬أسهم‭ ‬تغير‭ ‬موقف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واستخدامها‭ ‬أدوات‭ ‬الضغط‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬حسابات‭ ‬فرنسا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ودفعها‭ ‬إلى‭ ‬قبول‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬والانسحاب‭. ‬وتوضح‭ ‬الحالة‭ ‬أن‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬أو‭ ‬التوقف‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬دائماً‭ ‬نتيجة‭ ‬تغير‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬داخل‭ ‬ساحة‭ ‬العمليات،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬ينشأ‭ ‬عن‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬حليف‭ ‬أو‭ ‬راعٍ‭ ‬خارجي‭.‬

كما‭ ‬قد‭ ‬تسبق‭ ‬المفاوضات‭ ‬الرسمية‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬تتعلق‭ ‬بـ«التفاوض‭ ‬حول‭ ‬التفاوض‮»‬‭: ‬من‭ ‬يشارك؟‭ ‬وما‭ ‬جدول‭ ‬الأعمال؟‭ ‬وأين‭ ‬تُجرى‭ ‬المحادثات؟‭ ‬وهل‭ ‬يسبقها‭ ‬وقف‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار؟‭ ‬وما‭ ‬الضمانات‭ ‬المطلوبة؟‭ ‬وهي‭ ‬مسائل‭ ‬تبدو‭ ‬إجرائية،‭ ‬لكنها‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بموازين‭ ‬القوى‭ ‬والاعتراف‭ ‬السياسي‭ ‬وحدود‭ ‬التنازل‭ ‬الممكن‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬بين‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬وإمكان‭ ‬تسويتها‭ ‬تبرز‭ ‬وظيفة‭ ‬الوساطة‭. ‬فالوسيط‭ ‬قد‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الرسائل،‭ ‬وبناء‭ ‬الثقة،‭ ‬وصياغة‭ ‬الحلول‭ ‬الوسط،‭ ‬وترتيب‭ ‬ملفات‭ ‬الأسرى‭ ‬والحدود‭ ‬والسلاح‭ ‬واللاجئين‭. ‬وقد‭ ‬اتسعت‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬لتشمل‭ ‬دولاً‭ ‬ومنظمات‭ ‬دولية‭ ‬وإقليمية‭ ‬وهيئات‭ ‬إنسانية‭ ‬ومراكز‭ ‬متخصصة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬قنوات‭ ‬الاتصال‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬المتحاربين‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬مكلفة‭ ‬سياسياً‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الوساطة‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬البنية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للنزاع‭. ‬ففاعليتها‭ ‬ترتبط‭ ‬بمدى‭ ‬استعداد‭ ‬الأطراف‭ ‬أصلاً‭ ‬لتعديل‭ ‬حساباتها،‭ ‬وببلوغ‭ ‬الصراع‭ ‬مرحلة‭ ‬تصبح‭ ‬عندها‭ ‬كلفة‭ ‬مواصلة‭ ‬القتال‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬المنافع‭ ‬المتوقعة‭ ‬منه‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يرتبط‭ ‬نجاح‭ ‬الوساطة‭ ‬بما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬تسوية‭ ‬النزاعات‭ ‬بـ«نضج‮»‬‭ ‬الصراع،‭ ‬أي‭ ‬توافر‭ ‬ظروف‭ ‬تجعل‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مخرج‭ ‬تفاوضي‭ ‬أكثر‭ ‬احتمالاً‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬بفعل‭ ‬أداة‭ ‬واحدة،‭ ‬وإنما‭ ‬نتيجة‭ ‬التقاء‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬آلية‭ ‬سياسية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ترجمة‭ ‬هذا‭ ‬التغير‭. ‬فالهدنة‭ ‬والتفاوض‭ ‬والوساطة‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬عندما‭ ‬تتغير‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يتوقع‭ ‬المتحاربون‭ ‬تحقيقه‭ ‬بالقوة‭ ‬وما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحصلوا‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التسوية‭. ‬وبذلك‭ ‬تمثل‭ ‬نهاية‭ ‬القتال‭ ‬نقطة‭ ‬التقاء‭ ‬بين‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬ميزان‭ ‬الحرب‭ ‬وبين‭ ‬الصيغة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬استيعابها‭.‬

ثالثاً‭: ‬من‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬الفعلي‭ ‬من‭ ‬الحرب

لا‭ ‬تنتهي‭ ‬الحرب‭ ‬بالضرورة‭ ‬عندما‭ ‬تتوقف‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬المنظمة‭. ‬فقد‭ ‬يستمر‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬الانتقام‭ ‬والاغتيالات‭ ‬والميليشيات‭ ‬والجريمة‭ ‬المنظمة‭ ‬والتمردات‭ ‬المتبقية،‭ ‬وقد‭ ‬تنتهي‭ ‬حرب‭ ‬دولية‭ ‬لتبدأ‭ ‬مكانها‭ ‬حرب‭ ‬داخلية‭. ‬ولهذا‭ ‬يبدو‭ ‬مفهوم‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعاً‭ ‬من‭ ‬الفصل‭ ‬الحاد‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الحرب‮»‬‭ ‬و«ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‮»‬،‭ ‬لأنه‭ ‬يلتقط‭ ‬المنطقة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬تتراجع‭ ‬فيها‭ ‬العمليات‭ ‬الكبرى‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬بعض‭ ‬بنيات‭ ‬العنف‭ ‬قائمة‭.‬

وقد‭ ‬كشفت‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬أن‭ ‬وقف‭ ‬المعارك‭ ‬لم‭ ‬يؤد‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬العنف؛‭ ‬إذ‭ ‬استمرت‭ ‬أعمال‭ ‬الانتقام‭ ‬والتهجير‭ ‬والاضطرابات‭ ‬السياسية،‭ ‬وفي‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬فتح‭ ‬انهيار‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬حروب‭ ‬استقلال‭ ‬وصراعات‭ ‬أهلية‭ ‬جديدة‭. ‬وتوضح‭ ‬هذه‭ ‬الخبرة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬توقف‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬بالضرورة‭ ‬قطيعة‭ ‬كاملة‭ ‬مع‭ ‬ديناميكيات‭ ‬الحرب‭.‬

وقد‭ ‬ينشأ‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يوصف‭ ‬بـ«السلام‭ ‬العنيف‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬غياب‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬أشكال‭ ‬من‭ ‬الإكراه‭ ‬والقتل‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬انخفاض‭ ‬مستوى‭ ‬العنف‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لتحديد‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬انتقل‭ ‬فيها‭ ‬المجتمع‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬السلام،‭ ‬لأن‭ ‬بعض‭ ‬البنى‭ ‬والعلاقات‭ ‬التي‭ ‬شكلتها‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬تستمر‭ ‬بعد‭ ‬توقف‭ ‬المعارك‭.‬

ولهذا‭ ‬يتضمن‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬تفكيكاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬للبنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمؤسسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭. ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬نزع‭ ‬السلاح،‭ ‬وتسريح‭ ‬المقاتلين‭ ‬وإعادة‭ ‬دمجهم،‭ ‬وتبادل‭ ‬الأسرى،‭ ‬وإعادة‭ ‬اللاجئين،‭ ‬وإزالة‭ ‬الألغام،‭ ‬وضبط‭ ‬الحدود،‭ ‬وإصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأمنية،‭ ‬واستعادة‭ ‬احتكار‭ ‬الدولة‭ ‬المشروع‭ ‬لاستخدام‭ ‬القوة‭. ‬وقد‭ ‬طورت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض‭ ‬برامج‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬والتسريح‭ ‬وإعادة‭ ‬الإدماج،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عمليات‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬والمراقبة‭ ‬الدولية‭.‬

وتؤدي‭ ‬التدابير‭ ‬الأمنية‭ ‬والجغرافية‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬وقف‭ ‬القتال،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬منزوعة‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الكورية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬لا‭ ‬تعالج‭ ‬أصل‭ ‬الصراع‭ ‬بالضرورة؛‭ ‬فهي‭ ‬تقلل‭ ‬فرص‭ ‬الاحتكاك‭ ‬المباشر‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬العودة‭ ‬السريعة‭ ‬إلى‭ ‬العمليات‭ ‬الواسعة،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬تجميد‭ ‬النزاع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تسويته‭ ‬سياسياً‭.‬

كما‭ ‬قد‭ ‬تنتج‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها‭ ‬أشكالاً‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬إذا‭ ‬رأت‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬أن‭ ‬الترتيبات‭ ‬الناشئة‭ ‬تهدد‭ ‬مواقعها‭ ‬أو‭ ‬مصالحها‭. ‬فقد‭ ‬تستخدم‭ ‬الأطراف‭ ‬الرافضة‭ ‬للتسوية‭ ‬خروقات‭ ‬محدودة‭ ‬لاختبار‭ ‬التزام‭ ‬الخصوم‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭. ‬ولذلك‭ ‬تحتاج‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭ ‬إلى‭ ‬آليات‭ ‬للمراقبة‭ ‬والتحقق‭ ‬وإدارة‭ ‬الخروقات،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بالتمييز‭ ‬بين‭ ‬انتهاكات‭ ‬محدودة‭ ‬وبين‭ ‬انهيار‭ ‬كامل‭ ‬لترتيبات‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭.‬

ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬عملية‭ ‬الخروج‭ ‬عند‭ ‬المؤسسات‭ ‬والسلاح،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬والرمزي‭. ‬فالنتيجة‭ ‬العسكرية‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬دائماً‭ ‬مع‭ ‬تعريف‭ ‬المجتمع‭ ‬للنصر‭ ‬أو‭ ‬الهزيمة‭. ‬فقد‭ ‬تحقق‭ ‬دولة‭ ‬مكاسب‭ ‬ميدانية‭ ‬واسعة،‭ ‬لكن‭ ‬معنى‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬يظل‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالكلفة‭ ‬التي‭ ‬تحملتها‭ ‬وبمدى‭ ‬تحقق‭ ‬الغايات‭ ‬السياسية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬انسحاب‭ ‬قوة‭ ‬أكبر‭ ‬إلى‭ ‬نجاح‭ ‬سياسي‭ ‬لطرف‭ ‬أضعف‭ ‬إذا‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬وفرض‭ ‬نفسه‭ ‬فاعلاً‭ ‬في‭ ‬الترتيبات‭ ‬اللاحقة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تدخل‭ ‬السرديات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالنصر‭ ‬والهزيمة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭. ‬فالكيفية‭ ‬التي‭ ‬تفهم‭ ‬بها‭ ‬الأطراف‭ ‬نتيجة‭ ‬الصراع‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬سلوكها‭ ‬تجاه‭ ‬الترتيبات‭ ‬الجديدة،‭ ‬وفي‭ ‬مدى‭ ‬اعتبارها‭ ‬تلك‭ ‬الترتيبات‭ ‬نهاية‭ ‬للصراع‭ ‬أو‭ ‬مرحلة‭ ‬مؤقتة‭ ‬فيه‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬السردية‭ ‬تحل‭ ‬محل‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تصبح‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تتفاعل‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬استمرارية‭ ‬النتيجة‭ ‬السياسية‭.‬

وتشير‭ ‬خبرة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬1945‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المسائل‭ ‬ستظل‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬حروب‭ ‬المستقبل‭. ‬فكلما‭ ‬تعدد‭ ‬الفاعلون،‭ ‬وازداد‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي،‭ ‬وارتبطت‭ ‬النزاعات‭ ‬بانقسامات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬إثنية‭ ‬عميقة،‭ ‬أصبحت‭ ‬إمكانية‭ ‬إنتاج‭ ‬حسم‭ ‬واحد‭ ‬ونهائي‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬وازدادت‭ ‬أهمية‭ ‬إدارة‭ ‬مراحل‭ ‬الخروج‭ ‬المتعددة‭.‬

وسيستمر‭ ‬الرعاة‭ ‬الخارجيون‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬بقدر‭ ‬تأثيرهم‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬القتال،‭ ‬فإن‭ ‬تعديله‭ ‬أو‭ ‬وقفه‭ ‬أو‭ ‬ربطه‭ ‬بترتيبات‭ ‬سياسية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬شروط‭ ‬الخروج‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬قد‭ ‬تحتاج‭ ‬مفاوضات‭ ‬إنهاء‭ ‬النزاعات‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬مستويين‭ ‬متوازيين‭: ‬بين‭ ‬المتحاربين‭ ‬داخل‭ ‬ساحة‭ ‬الصراع،‭ ‬وبين‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭.‬

كما‭ ‬ستظل‭ ‬اتفاقات‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬أداة‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الانتقال،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تحدد‭ ‬بمفردها‭ ‬طبيعة‭ ‬النهاية‭. ‬فقد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬لاحقة،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬تجميد‭ ‬طويل‭ ‬للصراع،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تعاد‭ ‬خلالها‭ ‬صياغة‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭. ‬ولذلك‭ ‬يتعين‭ ‬التمييز‭ ‬تحليلياً‭ ‬بين‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭ ‬بوصفه‭ ‬حدثاً‭ ‬عسكرياً،‭ ‬وبين‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬بوصفه‭ ‬عملية‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ممتدة‭.‬

وتصبح‭ ‬إدارة‭ ‬الزمن،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬النهاية‭ ‬نفسها‭. ‬فالحرب‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة؛‭ ‬قد‭ ‬تنخفض‭ ‬شدتها،‭ ‬ثم‭ ‬تتصاعد‭ ‬مجدداً،‭ ‬أو‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬نظامية‭ ‬إلى‭ ‬تمرد،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬داخلية‭ ‬إلى‭ ‬نزاع‭ ‬حدودي‭ ‬أو‭ ‬صراع‭ ‬مجمد‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تحددها‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬يتراجع‭ ‬خلالها‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬المنظمة‭ ‬تدريجياً‭ ‬أو‭ ‬يعاد‭ ‬تشكيله‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬أخرى‭.‬

الخاتمة

تكشف‭ ‬الخبرة‭ ‬التاريخية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬أن‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬ليس‭ ‬مرادفاً‭ ‬لكسبها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭ ‬ليس‭ ‬مرادفاً‭ ‬للخروج‭ ‬منه‭. ‬فالنصر‭ ‬العسكري‭ ‬يحدد‭ ‬نتيجة‭ ‬ميدانية،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يحدد‭ ‬بمفرده‭ ‬المآل‭ ‬السياسي‭ ‬للنزاع،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬إلى‭ ‬تعليق‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إنهاء‭ ‬البنى‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬باستئنافها‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬تتشكل‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬تفاعل‭ ‬ثلاثة‭ ‬تحولات‭ ‬مترابطة‭: ‬تغير‭ ‬قدرة‭ ‬الأطراف‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬القتال،‭ ‬وتغير‭ ‬إدراكها‭ ‬لجدوى‭ ‬الاستمرار،‭ ‬وتوافر‭ ‬صيغة‭ ‬سياسية‭ ‬تنظم‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يليها‭. ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬السؤال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬تحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬كيفية‭ ‬تصميم‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحرب؛‭ ‬أي‭ ‬فهم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الغاية‭ ‬السياسية،‭ ‬والنتيجة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وشروط‭ ‬التسوية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬الشكل‭ ‬الذي‭ ‬تتخذه‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬توقفاً‭ ‬للقتال‭ ‬أم‭ ‬تحولاً‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الصراع‭.‬

الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬وائل‭ ‬صالح‭ ‬‭‬مدير‭ ‬بمركز‭ ‬تريندز‭ ‬للبحوث‭ ‬والاستشارات‭ ‬بفرنسا‭ ‬وكندا‭

Youtube
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض