لا يقتصر التحول في تاريخ الحرب المعاصرة على تطور أدوات القتال، بل يشمل أيضاً الكيفية التي تنتهي بها الحروب. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تراجعت مركزية النصر العسكري الحاسم، مقابل تصاعد أدوار الهدنة والتفاوض والوساطة والتسويات المدعومة دولياً، بالتوازي مع اتساع الحروب الأهلية وغير النظامية والنزاعات المدعومة خارجياً. وأدى ذلك إلى إعادة صياغة السؤال الاستراتيجي من مجرد تحديد المنتصر إلى فهم اللحظة التي يصبح فيها استمرار القتال غير قادر على تحقيق الغايات السياسية، وكيف تتحول هذه القناعة إلى وقف للعنف ثم إلى تسوية.

تقدم هذه الدراسة قراءة تاريخية واستشرافية لديناميكيات الخروج من الحرب منذ عام 1945، وتنطلق من فرضية أن نهاية الحرب ليست حدثاً منفرداً، بل عملية متعددة المراحل قد تبدأ قبل توقف القتال وتمتد آثارها بعده. كما تفترض أن النصر ليس حقيقة عسكرية محضة، بل نتيجة سياسية وإدراكية تتحدد بمدى قدرة استخدام القوة على تحقيق الغاية السياسية، وبإدراك أحد الأطراف أو كليهما أن مواصلة الحرب لم تعد مجدية.
ومن ثم، فإن تفسير نهاية الحروب يقتضي تحليل التفاعل بين ميزان القوى، وكلفة الاستمرار، وتغير الغايات، وطبيعة الفاعلين، والتدخل الخارجي، وإمكانات التفاوض والوساطة، وترتيبات ما بعد القتال. فهذه العوامل تحدد إمكان الخروج من الحرب، وتوقيت هذا الخروج، والشكل الذي تتخذه النهاية. وتبرز هنا أهمية التمييز بين إنهاء الحرب وتسوية الصراع؛ فالأول يتعلق بوقف الاستخدام المنظم للقوة، بينما تتجاوز الثانية ذلك إلى معالجة البنى السياسية والاجتماعية التي تسمح باستمرار النزاع أو تجدد العنف. ومن ثم، قد تتوقف المعارك من دون أن ينتهي الصراع، بما يجعل الخروج من الحرب عملية أوسع من مجرد وقف القتال.
وفي ضوء ذلك، تتمحور الدراسة حول السؤال الآتي: ما الديناميكيات الاستراتيجية والسياسية التي تحدد إمكان الخروج من الحرب، وتوقيت هذا الخروج، والشكل الذي تتخذه نهاية الحرب؟ وينظم هذا السؤال تحليل العلاقة بين الحسم العسكري والغاية السياسية، وأثر الاستنزاف والتدخل الخارجي وتغير حسابات المتحاربين، ثم الكيفية التي تُترجم بها هذه التحولات إلى وقف للقتال، وصولاً إلى الشروط التي تحدد انتقال الحرب من نهايتها العسكرية إلى مرحلة ما بعدها.
أولاً: ديناميكيات الخروج من الحرب
مثّلت الحرب العالمية الثانية الذروة التاريخية لفكرة النصر العسكري الكامل، إذ انتهت باستسلام غير مشروط لألمانيا النازية واليابان. غير أن هذا الانتصار الشامل أسهم، في الوقت نفسه، في تقويض قابلية تكرار نموذجه. فقد جعلت الكلفة البشرية والمادية الهائلة للحرب، ثم ظهور السلاح النووي، من الانتصار الكامل بين القوى الكبرى احتمالاً قد تكون كلفته الاستراتيجية أعلى من المكاسب المتوقعة منه. ومن هنا انتقل التفكير العسكري تدريجياً من مركزية الحسم إلى إدارة التصعيد والردع، وأصبح منع الحرب جزءاً من وظيفة الاستراتيجية، من دون أن يعني ذلك اختفاء النصر العسكري، وإنما إعادة تعريفه في ضوء الغايات السياسية والكلفة المقبولة.
وتقدم الحرب الكورية نموذجاً مبكراً لهذا التحول. فبعد أن تبدل ميزان القوى أكثر من مرة، أدى التدخل الصيني، في ظل الدعم السوفييتي، إلى منع تحول التفوق الأمريكي والكوري الجنوبي إلى نصر حاسم، وانتهى النزاع في يوليو 1953 بهدنة أعادت الطرفين تقريباً إلى خطوط البداية من دون معاهدة سلام نهائية. وتكشف الحالة الكورية أن تدويل الحرب قد لا يغير موازينها فحسب، بل قد يقيد إمكان الحسم ذاته، بحيث تصبح التسوية الجزئية أكثر قابلية للتحقق من مواصلة السعي إلى نصر كامل.
ومن هنا يصبح التمييز بين النصر العسكري والنجاح الاستراتيجي ضرورياً لفهم الخروج من الحرب. فقد أظهرت حروب إنهاء الاستعمار، ولا سيما الحالة الجزائرية، أن التفوق العسكري لا يضمن بلوغ الغاية السياسية. فلم تحقق جبهة التحرير الوطني هزيمة عسكرية تقليدية للجيش الفرنسي، لكنها استطاعت جعل كلفة استمرار الحرب والوجود الفرنسي أعلى من الجدوى السياسية للاستمرار، فانتهى الصراع باتفاقيات إيفيان والاستقلال. وبذلك لا يتحدد النصر بنتيجة العمليات العسكرية وحدها، وإنما بمدى قدرتها على التأثير في إرادة الخصم وربط استخدام القوة بالغاية السياسية التي بدأت الحرب من أجلها.
وفي هذا السياق تستعيد المعركة موقعها داخل الاستراتيجية؛ فهي وسيلة لتحقيق الغاية وليست غاية مستقلة. وقد كشفت الحرب العالمية الأولى حدود التصور الذي يجعل المعركة الفاصلة مركز الحسم، إذ خاضت الأطراف مواجهات كبرى من دون أن تنفرد معركة واحدة بإنهاء الحرب. وتأكد هذا المنطق في فيتنام، حيث تزامن الضغط العسكري الأمريكي مع مفاوضات باريس، قبل أن يقود تغير الإرادة السياسية وتراجع الرعاية الخارجية إلى الانسحاب الأمريكي ثم سقوط جنوب فيتنام عام 1975. وبذلك لم تكن النهاية حصيلة معركة منفردة، بل نتيجة تفاعل بين القوة العسكرية، والإرادة السياسية، والقدرة على الاستمرار، والدعم الخارجي.
وتقدم أفغانستان بدورها مثالاً على حدود الربط بين الانسحاب وإنهاء الحرب. فقد انسحب الاتحاد السوفييتي عام 1989، ثم انهار نظام محمد نجيب الله لاحقاً بعد تراجع الدعم الخارجي، كما أعقب الانسحاب الأمريكي عام 2021 تغير سريع في موازين السيطرة لمصلحة طالبان. وتوضح الحالتان أن انتهاء مشاركة قوة خارجية لا يساوي بالضرورة تحقق الغايات السياسية التي دخلت الحرب من أجلها. ومن ثم، فإن «استراتيجية الخروج» لا تُقاس بالانسحاب في ذاته، وإنما بالعلاقة بين شروط الانسحاب والنتيجة السياسية التي تعقبها.
كما تكشف الحالة الأفغانية أن طبيعة تصنيف الخصم وحدود إدماجه في عملية سياسية قد تؤثر في مسارات النزاع وفرص إنهائه. فكلما ضاقت إمكانات إنتاج مخرج سياسي مقبول للأطراف القادرة على مواصلة القتال، زادت احتمالات استمرار المواجهة. ولا يتعلق ذلك بمنح شرعية سياسية أو قانونية مسبقة لأي طرف، وإنما بكيفية تأثير بنية الخيارات المتاحة في حسابات الاستمرار أو التوقف.
وتتعقد ديناميكيات الخروج لأن الحرب لا تنفذ أهدافاً سياسية ثابتة فحسب، بل تعيد تشكيلها أيضاً. فمع امتداد الزمن، وارتفاع الكلفة، ودخول فاعلين جدد، وتغير موازين القوى، قد تصبح الغايات الأصلية أقل قابلية للتحقق، أو تتسع أو تنكمش. ولذلك لا يمكن قياس نتيجة الحرب بمقارنة التسوية النهائية بالأهداف المعلنة عند بدايتها وحدها؛ إذ تتمثل إحدى وظائف القيادة الاستراتيجية في مراجعة العلاقة بين الغايات والوسائل في ضوء ما أنتجته الحرب نفسها من واقع جديد.
ويترتب على ذلك أن المرونة في تحديد الغايات تصبح جزءاً من إدارة الحرب ونهايتها. فحين تتغير البيئة الاستراتيجية بينما تظل الأهداف الأصلية ثابتة، قد تتسع الفجوة بين ما تسعى إليه القيادة وما تستطيع الوسائل العسكرية تحقيقه. وعند هذه النقطة، يصبح استمرار الحرب مرتبطاً ليس فقط بميزان القوى، بل أيضاً بقدرة القيادة السياسية على إعادة تعريف ما يمكن اعتباره نتيجة مقبولة في ضوء شروط الصراع المتغيرة.
وفي هذا الإطار يكتسب العامل الخارجي وزناً حاسماً. فمنذ عام 1945، سمحت شبكات الدعم المالي والعسكري والسياسي لأطراف أضعف بالاستمرار في القتال رغم اختلال موازين القوى المحلية. وتوضح نيكاراغوا ذلك؛ إذ أدى الدعم الأمريكي لقوات الكونترا إلى تحويل انتصار الساندينيين عام 1979 إلى حرب مضادة طويلة. فالدعم الخارجي لا يضيف موارد إلى ميزان القوة فحسب، بل يغير أيضاً الأفق الزمني للحرب، ويمنح بعض الأطراف قدرة على الاستمرار لم تكن متاحة اعتماداً على مواردها الداخلية وحدها. ويعمل هذا العامل في الاتجاه المقابل أيضاً؛ فتراجع الرعاية الخارجية قد يعيد تشكيل ميزان الحرب ويقرب نهايتها، كما أظهرت تجربتا فيتنام وأفغانستان. ومن ثم، فإن شروط الخروج من عدد من الحروب المعاصرة لا تتحدد في ساحات القتال وحدها، وإنما تتأثر كذلك بقرارات القوى الداعمة، وبمدى استعدادها للاستمرار في تحمل الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية للصراع.
ولا يقل الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي أهمية عن ميزان القوة العسكري. فالحروب الطويلة تختبر قدرة الاقتصاد والمجتمع والتحالفات الخارجية على إدامة المجهود الحربي، لا قدرة القوات المسلحة وحدها. وقد أظهرت الحرب العالمية الأولى أن الإرادة السياسية والاجتماعية يمكن أن تتآكل قبل أن يفقد الجيش قدرته الميدانية بصورة كاملة. ومن ثم يصبح الاستنزاف أحد المسارات التي تدفع الأطراف إلى إعادة تقييم جدوى الاستمرار، وتفتح المجال أمام الانتقال من منطق الحسم إلى البحث عن مخرج سياسي. وبذلك يتسع مفهوم ميزان القوى نفسه. فهو لا يقتصر على عدد القوات أو الأسلحة أو السيطرة على الأرض، بل يشمل أيضاً القدرة الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، وتحمل الخسائر، واستمرار الرعاية الخارجية، والزمن الذي يستطيع كل طرف البقاء خلاله في الحرب. وفي النزاعات الممتدة، قد تكون القدرة على الاستمرار أكثر تأثيراً في النتيجة من التفوق العملياتي في مرحلة محددة.
وتزداد هذه المعضلات حدة في الحروب الأهلية، لأن المتحاربين لا يتنازعون حدوداً أو أراضي فقط، وإنما يتنافسون على المجال السياسي والسلطة والتمثيل داخل الدولة نفسها. ولهذا يصعب فيها الفصل بين إنهاء القتال وتسوية النزاع. وتشير البيانات المعروضة للفترة 1946–2021 إلى أن نحو 40 % من النزاعات انتهت بانخفاض شدة القتال، ونحو 30 % بانتصار، و13 % بوقف إطلاق النار، و13 % باتفاق سلام، ونحو 4 % باختفاء أحد الأطراف.
وتكشف هذه النسب أن النصر العسكري ليس الطريق الوحيد إلى نهاية الحرب، وأن نسبة معتبرة من النزاعات لا تنتهي بحسم سياسي واضح، بل بانخفاض تدريجي في مستوى العنف، أو بوقف لإطلاق النار، أو بحالة من الجمود. ومن هنا تصبح نهاية الحرب طيفاً من النتائج الممكنة، لا نقطة واحدة تفصل بصورة قاطعة بين الحرب والسلام.

ثانياً: من قابلية الخروج إلى وقف القتال
إذا كانت موازين القوى والكلفة والاستنزاف والتدخل الخارجي تحدد متى تصبح الحرب قابلة للإنهاء، فإن السؤال التالي يتعلق بالآليات التي تحول هذا التحول الاستراتيجي إلى وقف فعلي للقتال. وهنا تبرز الهدنة والتفاوض والوساطة بوصفها أدوات تعمل داخل منطق الحرب وحساباتها، لا خارجهما.
يُعد وقف إطلاق النار من أكثر هذه الأدوات حضوراً، لكنه لا يمثل سلاماً في ذاته. فقد يكون مجرد تعليق للعمليات العسكرية من دون معالجة أسباب النزاع، كما توضح الحالة الكورية منذ عام 1953. ومن هنا يمكن أن يشكل وقف إطلاق النار «نهاية عملية» للحرب من دون أن يكون نهاية سياسية أو قانونية لها.
وقد تعزز دور هذه الآلية مع توسع المؤسسات الدولية المعنية بإدارة النزاعات منذ عام 1945، ولا سيما الأمم المتحدة. غير أن وقف إطلاق النار يظل في جوهره ترتيباً لتنظيم استخدام القوة، وقد يتحول إلى مرحلة انتقالية نحو التسوية، أو إلى صيغة طويلة الأمد لتجميد الصراع. ولذلك تتحدد دلالته الاستراتيجية بما يترتب عليه، لا بمجرد توقف العمليات العسكرية.
أما التفاوض، فلا يبدأ عادة لأن الأطراف أصبحت أكثر ميلاً إلى السلام بقدر ما يبدأ عندما تتغير حسابات الربح والخسارة. فالمتحارب الذي يعتقد أن الحسم العسكري ما يزال ممكناً لا يملك دافعاً قوياً لتعديل موقفه. وتوضح الحرب الإيرانية العراقية هذه المسألة؛ إذ رفضت إيران في مراحل مختلفة مقترحات وقف إطلاق النار حين اعتقدت أن النصر لا يزال في المتناول، ثم قبلت القرار 598 في عام 1988 بعد تغير ميزان العمليات وتصاعد الكلفة الاقتصادية والعسكرية.
غير أن لحظة الانتقال إلى التفاوض لا تتطلب بالضرورة اقتراب أحد الأطراف من الانهيار. فقد تنشأ حين يدرك الطرفان أن ما يمكن الحصول عليه عبر التسوية أصبح أكثر اتساقاً مع حساباتهما من نتائج استمرار القتال. وحتى الطرف المتفوق عسكرياً يحتاج إلى تقدير الكلفة اللازمة لتحويل تفوقه إلى نتيجة سياسية، بينما يعيد الطرف الأضعف تقييم قدرته على تغيير الميزان من خلال الاستمرار.
ومن ثم، تحتوي نهاية الحرب، حتى في حالات التفوق العسكري الكبير، على عنصر يتعلق بتحديد شروط وقف القتال. فالمسألة ليست فقط مقدار القوة التي يمتلكها كل طرف، بل أيضاً ما إذا كان استمرار استخدامها قادراً على إنتاج نتيجة سياسية مختلفة عن النتيجة التي يمكن الوصول إليها عبر التفاوض. ولهذا لا ينبغي النظر إلى القتال والتفاوض باعتبارهما مرحلتين متعاقبتين بالضرورة. فقد تستخدم القوة لتحسين الموقع التفاوضي، كما قد تُفتح قنوات التفاوض لاختبار شروط التسوية أو تعديل التحالفات أو إدارة الزمن. وبذلك يمكن أن يعمل المساران بالتوازي، بحيث يصبح استخدام القوة نفسه جزءاً من تشكيل البيئة التي تجري فيها المفاوضات.
وتكشف أزمة السويس عام 1956 جانباً آخر من هذا التفاعل؛ إذ أسهم تغير موقف الولايات المتحدة واستخدامها أدوات الضغط السياسي والاقتصادي في تعديل حسابات فرنسا وبريطانيا وإسرائيل ودفعها إلى قبول وقف إطلاق النار والانسحاب. وتوضح الحالة أن الانتقال إلى التفاوض أو التوقف لا يكون دائماً نتيجة تغير ميزان القوى داخل ساحة العمليات، بل قد ينشأ عن تغير في موقف حليف أو راعٍ خارجي.
كما قد تسبق المفاوضات الرسمية مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بـ«التفاوض حول التفاوض»: من يشارك؟ وما جدول الأعمال؟ وأين تُجرى المحادثات؟ وهل يسبقها وقف لإطلاق النار؟ وما الضمانات المطلوبة؟ وهي مسائل تبدو إجرائية، لكنها ترتبط مباشرة بموازين القوى والاعتراف السياسي وحدود التنازل الممكن. وفي هذه المنطقة بين استمرار الحرب وإمكان تسويتها تبرز وظيفة الوساطة. فالوسيط قد يسهم في نقل الرسائل، وبناء الثقة، وصياغة الحلول الوسط، وترتيب ملفات الأسرى والحدود والسلاح واللاجئين. وقد اتسعت هذه الوظيفة لتشمل دولاً ومنظمات دولية وإقليمية وهيئات إنسانية ومراكز متخصصة، ولا سيما عندما تكون قنوات الاتصال المباشر بين المتحاربين محدودة أو مكلفة سياسياً.
غير أن الوساطة لا تعمل بمعزل عن البنية الاستراتيجية للنزاع. ففاعليتها ترتبط بمدى استعداد الأطراف أصلاً لتعديل حساباتها، وببلوغ الصراع مرحلة تصبح عندها كلفة مواصلة القتال مختلفة عن المنافع المتوقعة منه. ومن هنا يرتبط نجاح الوساطة بما يعرف في أدبيات تسوية النزاعات بـ«نضج» الصراع، أي توافر ظروف تجعل البحث عن مخرج تفاوضي أكثر احتمالاً.
ومن ثم، فإن الانتقال من الحرب إلى وقف القتال لا يحدث بفعل أداة واحدة، وإنما نتيجة التقاء تغير في البيئة الاستراتيجية مع آلية سياسية قادرة على ترجمة هذا التغير. فالهدنة والتفاوض والوساطة تصبح أكثر تأثيراً عندما تتغير العلاقة بين ما يتوقع المتحاربون تحقيقه بالقوة وما يمكن أن يحصلوا عليه من خلال التسوية. وبذلك تمثل نهاية القتال نقطة التقاء بين التحولات التي طرأت على ميزان الحرب وبين الصيغة السياسية التي تستطيع استيعابها.
ثالثاً: من وقف القتال إلى الخروج الفعلي من الحرب
لا تنتهي الحرب بالضرورة عندما تتوقف العمليات العسكرية المنظمة. فقد يستمر العنف في صور الانتقام والاغتيالات والميليشيات والجريمة المنظمة والتمردات المتبقية، وقد تنتهي حرب دولية لتبدأ مكانها حرب داخلية. ولهذا يبدو مفهوم الخروج من الحرب أكثر اتساعاً من الفصل الحاد بين «الحرب» و«ما بعد الحرب»، لأنه يلتقط المنطقة الانتقالية التي تتراجع فيها العمليات الكبرى بينما تظل بعض بنيات العنف قائمة.
وقد كشفت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا، كما في آسيا وإفريقيا، أن وقف المعارك لم يؤد تلقائياً إلى إنهاء مختلف أشكال العنف؛ إذ استمرت أعمال الانتقام والتهجير والاضطرابات السياسية، وفي مناطق أخرى فتح انهيار الإمبراطوريات الطريق أمام حروب استقلال وصراعات أهلية جديدة. وتوضح هذه الخبرة أن «توقف الأعمال العدائية» لا يمثل بالضرورة قطيعة كاملة مع ديناميكيات الحرب.
وقد ينشأ عن ذلك ما يوصف بـ«السلام العنيف»، أي غياب العمليات العسكرية واسعة النطاق مع استمرار أشكال من الإكراه والقتل وعدم الاستقرار. ومن ثم، فإن انخفاض مستوى العنف لا يكفي وحده لتحديد اللحظة التي انتقل فيها المجتمع بصورة كاملة من الحرب إلى السلام، لأن بعض البنى والعلاقات التي شكلتها الحرب قد تستمر بعد توقف المعارك.
ولهذا يتضمن الخروج من الحرب تفكيكاً تدريجياً للبنى الاجتماعية والمؤسسية المرتبطة بها. ويشمل ذلك نزع السلاح، وتسريح المقاتلين وإعادة دمجهم، وتبادل الأسرى، وإعادة اللاجئين، وإزالة الألغام، وضبط الحدود، وإصلاح المؤسسات الأمنية، واستعادة احتكار الدولة المشروع لاستخدام القوة. وقد طورت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لهذا الغرض برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، إلى جانب عمليات حفظ السلام والمراقبة الدولية.
وتؤدي التدابير الأمنية والجغرافية دوراً في تثبيت وقف القتال، كما في المنطقة منزوعة السلاح في شبه الجزيرة الكورية. غير أن هذه الأدوات لا تعالج أصل الصراع بالضرورة؛ فهي تقلل فرص الاحتكاك المباشر وتحد من احتمالات العودة السريعة إلى العمليات الواسعة، لكنها قد تعمل في الوقت نفسه على تجميد النزاع من دون تسويته سياسياً.
كما قد تنتج نهاية الحرب نفسها أشكالاً جديدة من العنف إذا رأت بعض القوى أن الترتيبات الناشئة تهدد مواقعها أو مصالحها. فقد تستخدم الأطراف الرافضة للتسوية خروقات محدودة لاختبار التزام الخصوم أو التأثير في المسار السياسي. ولذلك تحتاج مرحلة ما بعد وقف القتال إلى آليات للمراقبة والتحقق وإدارة الخروقات، بما يسمح بالتمييز بين انتهاكات محدودة وبين انهيار كامل لترتيبات وقف الحرب.
ولا تتوقف عملية الخروج عند المؤسسات والسلاح، بل تمتد إلى المجال السياسي والرمزي. فالنتيجة العسكرية لا تتطابق دائماً مع تعريف المجتمع للنصر أو الهزيمة. فقد تحقق دولة مكاسب ميدانية واسعة، لكن معنى هذه المكاسب يظل مرتبطاً بالكلفة التي تحملتها وبمدى تحقق الغايات السياسية. وفي المقابل، قد يتحول انسحاب قوة أكبر إلى نجاح سياسي لطرف أضعف إذا تمكن من الاستمرار وفرض نفسه فاعلاً في الترتيبات اللاحقة.
ومن هنا تدخل السرديات المتعلقة بالنصر والهزيمة في تشكيل مرحلة ما بعد الحرب. فالكيفية التي تفهم بها الأطراف نتيجة الصراع تؤثر في سلوكها تجاه الترتيبات الجديدة، وفي مدى اعتبارها تلك الترتيبات نهاية للصراع أو مرحلة مؤقتة فيه. ولا يعني ذلك أن السردية تحل محل عناصر القوة والمؤسسات، بل إنها تصبح أحد العوامل التي تتفاعل معها في تحديد استمرارية النتيجة السياسية.
وتشير خبرة ما بعد 1945 إلى أن هذه المسائل ستظل مركزية في دراسة حروب المستقبل. فكلما تعدد الفاعلون، وازداد الدعم الخارجي، وارتبطت النزاعات بانقسامات سياسية أو دينية أو إثنية عميقة، أصبحت إمكانية إنتاج حسم واحد ونهائي أكثر تعقيداً، وازدادت أهمية إدارة مراحل الخروج المتعددة.
وسيستمر الرعاة الخارجيون في التأثير في هذه العملية بقدر تأثيرهم في استمرار الحرب نفسها. فإذا كان الدعم الخارجي قادراً على إطالة أمد القتال، فإن تعديله أو وقفه أو ربطه بترتيبات سياسية يمكن أن يغير شروط الخروج. ومن ثم قد تحتاج مفاوضات إنهاء النزاعات إلى العمل على مستويين متوازيين: بين المتحاربين داخل ساحة الصراع، وبين القوى الخارجية التي تؤثر في قدرتهم على الاستمرار.
كما ستظل اتفاقات وقف إطلاق النار أداة رئيسية في إدارة الانتقال، لكنها لا تحدد بمفردها طبيعة النهاية. فقد تؤدي إلى تسوية لاحقة، أو إلى تجميد طويل للصراع، أو إلى مرحلة تعاد خلالها صياغة موازين القوى. ولذلك يتعين التمييز تحليلياً بين وقف القتال بوصفه حدثاً عسكرياً، وبين الخروج من الحرب بوصفه عملية سياسية وأمنية واجتماعية ممتدة.
وتصبح إدارة الزمن، في هذا السياق، جزءاً من فهم النهاية نفسها. فالحرب قد لا تتوقف دفعة واحدة؛ قد تنخفض شدتها، ثم تتصاعد مجدداً، أو تتحول من مواجهة نظامية إلى تمرد، أو من حرب داخلية إلى نزاع حدودي أو صراع مجمد. ومن ثم فإن نهاية الحرب لا تحددها لحظة واحدة، بل سلسلة من التحولات التي يتراجع خلالها استخدام القوة المنظمة تدريجياً أو يعاد تشكيله في صور أخرى.
الخاتمة
تكشف الخبرة التاريخية منذ عام 1945 أن إنهاء الحرب ليس مرادفاً لكسبها، كما أن وقف القتال ليس مرادفاً للخروج منه. فالنصر العسكري يحدد نتيجة ميدانية، لكنه لا يحدد بمفرده المآل السياسي للنزاع، كما قد يؤدي وقف إطلاق النار إلى تعليق استخدام القوة من دون إنهاء البنى التي تسمح باستئنافها. ومن ثم، تتشكل نهاية الحرب من تفاعل ثلاثة تحولات مترابطة: تغير قدرة الأطراف على مواصلة القتال، وتغير إدراكها لجدوى الاستمرار، وتوافر صيغة سياسية تنظم الانتقال من الحرب إلى ما يليها. وعلى هذا الأساس، لا يقتصر السؤال الاستراتيجي على كيفية تحقيق التفوق العسكري، بل يمتد إلى كيفية تصميم الخروج من الحرب؛ أي فهم العلاقة بين الغاية السياسية، والنتيجة العسكرية، وشروط التسوية التي تحدد الشكل الذي تتخذه نهاية الحرب، وما إذا كانت تمثل توقفاً للقتال أم تحولاً أوسع في بنية الصراع.
الأستاذ الدكتور وائل صالح مدير بمركز تريندز للبحوث والاستشارات بفرنسا وكندا









