يشهد قطاع الصناعات الدفاعية تحولات متسارعة تفرض مفاهيم جديدة لبناء القدرات الوطنية، لم يعد فيها امتلاك الأنظمة والتقنيات المتقدمة كافياً بمفرده، بل بات الاستثمار في الكفاءات الوطنية والبحث والتطوير وتوطين سلاسل التوريد وتعزيز الشراكات الصناعية، عناصر أساسية لترسيخ قدرات دفاعية مستدامة. وفي دولة الإمارات، يتواصل العمل على بناء منظومة دفاعية متقدمة تجمع بين الخبرات العالمية والإمكانات الوطنية، وتفتح آفاقاً أوسع أمام الصناعة والتكنولوجيا والابتكار.

وفي هذا السياق التقت مجلة «الجندي» اللواء ركن مهندس (م) يحيى شاهين الحمادي، المدير العام لشركة «ريثيون الإمارات»، إحدى شركات «آر تي أكس»، وأجرت معه الحوار التالي:
بعد مسيرة عسكرية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، ما أبرز الخبرات التي تحملونها إلى موقعكم الجديد مديراً عاماً لشركة «ريثيون الإمارات»؟
على مدى أكثر من ثلاثين عاماً من الخدمة في القوات المسلحة الإماراتية، توليت عدداً من المناصب القيادية العليا المرتبطة بدعم الأولويات الدفاعية الوطنية والإقليمية. وأتاحت لي هذه المسيرة اكتساب فهم عميق لطبيعة المشهد الدفاعي والأمني في الدولة، فيما منحتني خبرتي التقنية، إلى جانب خبراتي التشغيلية والقيادية، رؤية دقيقة للمتطلبات التقنية التي تقوم عليها القدرات التي تعتمد عليها القوات المسلحة الإماراتية. وبعد انتهاء خدمتي العسكرية، انضممت إلى شركة «ريثيون الإمارات»، إحدى شركات «آر تي أكس»، الأمريكية مديراً لإدارة المتطلبات والقدرات، قبل أن أتولى منصب المدير العام للشركة. وقد منحتني هذه التجارب المتنوعة رؤية متعددة الأبعاد للقطاع؛ إذ أنظر إليه من منظور المهندس، ومن واقع خبرتي التشغيلية والقيادية العسكرية، واليوم من داخل قطاع الصناعات الدفاعية. ينصبّ تركيزي حالياً على توظيف هذه الخبرات في الربط بين المتطلبات التشغيلية والتقنيات المتقدمة اللازمة لتلبيتها، بالتوازي مع دعم توطين القدرات الدفاعية والإسهام في تحقيق نمو مستدام للقطاع في دولة الإمارات.

توليتم قيادة «ريثيون الإمارات» في وقت تعمل فيه دولة الإمارات على تسريع تطوير قدراتها الدفاعية الوطنية. برأيكم، ما الأولويات الرئيسية لتعزيز مساهمة الشركة في تحقيق هذا الهدف الوطني؟
لا تقتصر القدرة الدفاعية الوطنية على تصنيع الأنظمة الدفاعية داخل الدولة؛ إذ يتطلب بناؤها تنمية المواهب الوطنية، وتعزيز قدرات البحث والتطوير، والاستثمار طويل الأمد في التقنيات والمهارات والبنية التحتية. وتتوافق أولوياتنا في «ريثيون الإمارات» بصورة وثيقة مع الأهداف بعيدة المدى لدولة الإمارات، ولا سيما توسيع نطاق المشاركة الصناعية المحلية، وتعزيز القدرات الهندسية والتقنية، وتطوير الموردين المحليين من خلال إتاحة فرص تصنيع المكونات والأجزاء الفرعية داخل الدولة، إلى جانب الاستثمار المتواصل في المواهب والكفاءات الوطنية. ويعد برنامج تطوير القيادات لدى شركة «آر تي أكس» أحد النماذج العملية للفرص التي نوفرها للموظفين الإماراتيين، بما يمكّنهم من تطوير مهاراتهم، وتوسيع خبراتهم، والتقدم مهنياً داخل الشركة.
تصف شركة «ريثيون الإمارات» نهجها بأنه يجمع بين الخبرات العالمية والفرص المحلية.. كيف تترجمون هذه الفلسفة إلى شراكات تُرسّخ قدرات مستدامة داخل الدولة، ولا تكتفي بنقل التكنولوجيا أو الخبرات إليها؟
يرتكز نهجنا على المواءمة الوثيقة مع الأولويات الوطنية. وعلى الرغم من أهمية نقل التكنولوجيا، فإن بناء قدرات مستدامة يتطلب أيضاً تطوير بنية تحتية محلية متقدمة، وتأهيل كفاءات هندسية وطنية، وبناء قاعدة قوية من الموردين المحليين، إلى جانب امتلاك القدرة على دعم التقنيات وصيانتها وتطويرها طوال دورة حياتها. ونعمل عبر مختلف مكونات منظومة الصناعات الدفاعية الوطنية، ونتعاون مع الشركات المحلية، بما فيها الشركات التابعة لمجموعة «ايدج»، لتحديد الفرص التي تتيح للقدرات الصناعية والتقنية المحلية الإسهام في برامج «ريثيون». ويمتد هذا النهج ليشمل مختلف قطاعات شركة «آر تي أكس»، ومن الأمثلة على ذلك التعاون بين شركتي «برات آند ويتني» و«سند» لتطوير خدمات صيانة وإصلاح وعمرة محركات «جي تي إف» في مدينة العين، فضلاً عن المشروع المشترك بين «كولينز إيروسبيس» و«الاتحاد الهندسية» في أبوظبي، الذي يعمل على توسيع خدمات صيانة وإصلاح وعمرة حاضنات محركات الطائرات. ولا تمثل هذه المبادرات مشاريع محدودة أو مؤقتة، وإنما تشكل استثمارات طويلة الأمد في تطوير الخبرات والبنية التحتية المحلية. وعلى الرغم من تنوع صيغ هذه الشراكات ونماذجها، فإنها تلتقي عند هدف مشترك يتمثل في بناء قدرات ومهارات وطنية قابلة للتطور والنمو، وربط القطاع الصناعي الإماراتي بالفرص المتاحة في قطاعي الطيران والدفاع على المستوى العالمي.

تعمل «ريثيون» و«آر تي أكس» في مجالات متنوعة، من أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة إلى قدرات ساحة المعركة المترابطة والتقنيات الناشئة. كيف تنعكس الطبيعة المتغيرة للتهديدات على رؤيتكم لتطوير القدرات الدفاعية في دولة الإمارات؟
تمتد علاقة «ريثيون» مع دولة الإمارات في مجال الدفاع الجوي لعقود، بدءاً من نظام الدفاع الجوي «هوك» ووصولاً إلى منظومة «باتريوت»، التي تُعد اليوم عنصراً أساسياً ضمن منظومة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة للدولة. ويؤكد هذا الامتداد التاريخي أهمية التطوير المستمر للقدرات القائمة، بما يضمن مواكبتها للتهديدات الجديدة والناشئة. وقد تعلّمت خلال خدمتي العسكرية أهمية النظر إلى الدفاع باعتباره منظومة متكاملة، وليس مجرد مجموعة من الأنظمة المستقلة. فالدفاع الفعّال يعتمد اليوم، بصورة متزايدة، على قدرات متعددة الطبقات، وعلى كفاءة الربط والتكامل بين أجهزة الاستشعار، وأنظمة القيادة والتحكم، ووسائل الاعتراض عبر مختلف المجالات العملياتية.
أصبحت الأنظمة المضادة للطائرات المسيّرة مطلباً متزايد الأهمية في ظل تطور التهديدات المرتبطة بها. ما الدور الذي يؤديه نظام «كايوتي» في مواجهة هذه التحديات؟ وكيف تعمل «ريثيون الإمارات» على بناء هذه القدرة داخل الدولة؟
أدى الانتشار الواسع لأنظمة الطائرات المسيّرة إلى تغيير مشهد التهديدات بصورة جوهرية؛ إذ بات من الضروري أن تمتلك القوات المسلحة القدرة على رصد مجموعة واسعة من هذه التهديدات وتتبعها واعتراضها، بما في ذلك الأنظمة التي يمكن إنتاجها ونشرها بتكلفة منخفضة نسبياً. وأثبت نظام «كايوتي» كفاءة متقدمة في مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة، مستنداً إلى خبرة «ريثيون» الممتدة في تطوير تقنيات الدفاع الجوي والصاروخي المتقدمة. ويمثل النظام جزءاً من نهج دفاعي متعدد الطبقات، ويوفر للمشغلين خياراً فعّالاً للتعامل مع طيف واسع من التهديدات التي تفرضها هذه الطائرات. وما يهمنا بصورة خاصة هو بناء هذه القدرة داخل دولة الإمارات بطريقة تتكامل مع خطط الدولة الأوسع للنمو الصناعي. وفي هذا الإطار، نعمل مع مجلس التوازن للتمكين الدفاعي على إنشاء قدرات إنتاج محلية في مجمع توازن الصناعي، تشمل تصنيع المكونات والأجزاء الفرعية داخل الدولة، مع زيادة نسبة المحتوى المحلي وتوسيع نطاق المشاركة الصناعية المحلية بصورة تدريجية. كما نتعاون مع مختلف الجهات ضمن منظومة الدفاع الوطنية لتحديد المجالات التي يمكن للقدرات الصناعية المحلية أن تسهم فيها. ويتمثل هدفنا في الربط بين تقنيات «ريثيون» المتقدمة والقدرات الصناعية والتقنية المتنامية لدولة الإمارات، بما يرسخ دعائم شراكة مستدامة يمكن تعميقها وتطويرها بمرور الوقت.

يُعد تطوير المواهب ركيزة أساسية لبناء قدرات سيادية مستدامة. ما المهارات وأنماط التفكير التي سيحتاج إليها المهندسون الإماراتيون والمهنيون الشباب في ظل تزايد اعتماد قطاع الدفاع على البرمجيات، والتصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من التقنيات الناشئة؟
ستتزايد أهمية المهارات التقنية المتخصصة في مجالات البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، وهندسة الأنظمة، والأمن السيبراني، والتصنيع المتقدم. وفي الوقت نفسه، ستكتسب صفات مثل المرونة، والشغف بالمعرفة، والقدرة على العمل ضمن بيئات متعددة التخصصات، أهمية مماثلة. وستفرض التحديات الدفاعية المستقبلية مزيداً من الترابط بين الأجهزة والبرمجيات والبيانات، والمتطلبات التشغيلية، ما يستوجب من المهنيين الشباب امتلاك فهم لكيفية تكامل هذه العناصر، بدلاً من التعامل مع كل منها بصورة منفصلة. ومن خلال دعمنا المستمر لمسابقة «بحوث وابتكارات طلبة الجامعات» التي تنظمها جامعة أبوظبي، لمسنا عن قرب ما تتمتع به المواهب الشابة في دولة الإمارات من كفاءة وطموح وقدرة على الابتكار. وتقع على عاتق القطاع مسؤولية مهمة في إتاحة الفرص أمام هؤلاء الشباب للعمل على تحديات واقعية، والتعلم من المهندسين ذوي الخبرة، والتعرّف بصورة مباشرة إلى التقنيات المتقدمة وتطبيقاتها العملية.
مثّل توليكم إدارة الشركة في مايو 2026 بداية فصل جديد في مسيرة «ريثيون الإمارات».. ما المبادئ القيادية التي ستوجّه نهجكم في التعامل مع القوات المسلحة الإماراتية، والجهات الحكومية المعنية، وشركاء القطاع، والمنظومة التقنية الأوسع؟
بالنسبة لي، تبدأ القيادة بالإصغاء وفهم المهمة وبناء الثقة، وقد رافقني هذا النهج طوال مسيرتي المهنية العسكرية، ولا يزال يمثل ركيزة أساسية في عملي اليوم. وأؤمن كذلك بأهمية المساءلة والتفكير بعيد المدى. وبالنظر إلى أن «ريثيون» شريك لدولة الإمارات منذ أكثر من أربعين عاماً، فإن أولويّتي تتمثل في البناء على هذا الأساس المتين، وضمان استمرار «ريثيون الإمارات» في مواكبة متطلبات الدولة المتغيرة، والعمل بما ينسجم مع أولوياتها الوطنية. ويظل الأفراد في صميم القيادة الفاعلة، ونترجم هذا المبدأ من خلال استقطاب المواهب الإماراتية وتمكينها من تولي أدوار مؤثرة في مختلف أقسام الشركة، بما يشمل إدارة المشاريع، والعقود، وتكنولوجيا المعلومات، والامتثال لمتطلبات الاستيراد والتصدير، وغيرها من الوظائف الأساسية التي تدعم أعمالنا ونمونا في الدولة. وسيظل تطوير الكفاءات الوطنية، وخلق مسارات واضحة للتقدم المهني، وإعداد الجيل القادم من قادة القطاع، من العناصر الجوهرية في نهجي لقيادة «ريثيون الإمارات».
إذا نظرنا إلى قطاع الدفاع في دولة الإمارات على المدى البعيد، كيف تعرّفون نجاح «ريثيون الإمارات» بعد خمس أو عشر سنوات من الآن، ليس فقط من حيث البرامج المُنجزة، وإنما أيضاً من حيث القدرات والكفاءات والمنظومة الصناعية التي أسهمت الشركة في بنائها؟
سأقيس النجاح بالأسس التي نبنيها للمستقبل، وليس بالبرامج التي نُنجزها فحسب. وأطمح إلى الإسهام في جلب تقنيات متقدمة إلى دولة الإمارات، بالتوازي مع تعزيز القدرات الوطنية اللازمة لتطوير هذه التقنيات وتصنيعها ودعمها محلياً. ويعني ذلك زيادة حجم المكونات والأجزاء الفرعية التي تُنتج داخل الدولة، وتوسيع قاعدة الخبرات الهندسية والتقنية الوطنية، والاستفادة بصورة أكبر من القدرات المتنامية للصناعة الإماراتية. كما أتطلع إلى رؤية المزيد من المهندسين وقادة القطاع الإماراتيين يعملون معاً على تطوير التقنيات المتقدمة، وإلى مشاركة عدد أكبر من الشركات الإماراتية في سلاسل التوريد المحلية والعالمية، إلى جانب تنامي المساهمة المحلية في تطوير القدرات التي نقدمها.

» حوار : الجندي










