في ظل سعي دولة الإمارات العربية المتحدة إلى بناء صناعة دفاعية سيادية قادرة على المنافسة عالمياً، تؤدي شركة «هالكن» (HALCON) ، التابعة لمجموعة «ايدج»، دوراً محورياً في تحويل الخبرات الهندسية الوطنية إلى قدرات عملياتية متقدمة. ويقود الرئيس التنفيذي سعيد الشامسي جهود الشركة في تطوير وتصنيع الأسلحة الذكية الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي وتقنيات الجيل القادم للقوات المسلحة الإماراتية والشركاء الدوليين، بما يعزز استقلالية القرار الدفاعي ويرسخ تنافسية الصناعات الدفاعية الإماراتية على المستوى العالمي.

وفي هذا السياق، التقت مجلة «الجندي» بالسيد سعيد الشامسي، الرئيس التنفيذي لشركة «هالكن»، للحديث عن إسهامات الشركة في تعزيز القدرات الدفاعية السيادية لدولة الإمارات العربية المتحدة، ونهجها في الابتكار وتطوير الأسلحة المتقدمة، واستراتيجيتها لتوظيف الخبرات الهندسية الوطنية في تحقيق التفوق العملياتي وتعزيز قدرتها التنافسية عالمياً. وأجرت معه الحوار التالي:
حدثنا عن مسيرتك المهنية، وكيف وصلت إلى منصب الرئيس التنفيذي لشركة «هالكن»؟
حصلت على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية ودرجة الماجستير في هندسة الميكاترونيكس من الجامعة الأمريكية في الشارقة. بدأت مسيرتي المهنية في شركة «توازن داينامكس»، حيث عملت على تطوير تصميم ذخيرة «الطارق» (AL TARIQ) دقيقة التوجيه.
وفي عام 2018، انضممت إلى شركة «هالكن» لقيادة أعمال تطوير أنظمة الملاحة، ثم توليت عام 2023 قيادة قطاع الأنظمة الفرعية للصواريخ. وفي عام 2025، عُيّنت رئيساً تنفيذياً بالإنابة، قبل أن أتولى منصب الرئيس التنفيذي للشركة عام 2026.
وقد أكسبتني خبرة امتدت 13 عاماً في برامج الصواريخ والذخائر الموجهة قناعة راسخة بأن الدقة لا تقتصر على أداء السلاح، بل يجب أن تكون مبدأً أساسياً يحكم جميع مراحل العمل، بدءاً من الهندسة والتصنيع وصولاً إلى التسليم. وهذا المبدأ يمثل اليوم أحد المرتكزات الرئيسية لنهجي في قيادة «هالكن».
أصبحت «هالكن» إحدى الشركات المهمة في قطاع الصناعات الدفاعية الإماراتية.. كيف ترى تطور دور الشركة في إطار رؤية الدولة لتعزيز قدراتها الدفاعية السيادية وبناء قطاع دفاعي قادر على المنافسة عالمياً؟
تُعد «هالكن» شريكاً استراتيجياً للقوات المسلحة الإماراتية، إذ تعمل على تطوير وتصنيع الأسلحة الذكية التي تمثل عنصراً أساسياً في حماية الدولة وصون سيادتها. وتعكس العقود التي حصلت عليها الشركة، بقيمة 4.7 مليار درهم لتوريد ذخائر «ديزرت ستينغ 25» (DESERT STING 25 – DS-25)، و2.14 مليار درهم لذخائر «ثاندر» (THUNDER) الموجهة بدقة، مستوى الثقة في قدراتنا ومنتجاتنا.
كما نحرص على دعم مبادرتي «اصنع في الإمارات» و«الصناعة 4.0»، والإسهام في تحقيق مستهدفات استراتيجية وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة «مشروع 300 مليار»، بما يدعم زيادة القيمة الوطنية المضافة ويعزز القاعدة الصناعية الدفاعية الوطنية.
ونؤمن بأن السيادة الدفاعية والتنافسية العالمية هدفان متكاملان؛ فامتلاك القدرات الوطنية المتقدمة يتيح لنا تلبية المتطلبات المحلية، ويفتح في الوقت نفسه آفاقاً أوسع للمنافسة في الأسواق الدولية. وفي هذا الإطار، تشير بيانات مؤسسة (Janes) «جينز» إلى أن «هالكن» استحوذت على ثالث أكبر حصة في سوق الأسلحة الموجهة بدقة عالمياً خلال عام 2024، وهو ما يعكس المكانة التي حققتها الشركة في هذا القطاع.
تولي دولة الإمارات أهمية كبيرة لتطوير تقنيات دفاعية متقدمة بأيدٍ وخبرات وطنية. ما أبرز القدرات التي تعمل «هالكن» على تطويرها حالياً لتلبية المتطلبات المتغيرة للقوات المسلحة الإماراتية وشركائها الاستراتيجيين؟
نعمل على تطوير مجموعة من الحلول الدفاعية التي تجمع بين الدقة والفاعلية والقدرة على تلبية المتطلبات العملياتية المتنوعة. وتشمل منتجاتنا الموجودة في مرحلة الإنتاج والخدمة ذخائر «ديزرت ستينغ» الانزلاقية الموجهة، وأطقم التوجيه الدقيق «ثاندر».
وتُعد ذخيرة «ديزرت ستينغ 16» (DS-16) إحدى هذه المنظومات، وهي ذخيرة انزلاقية موجهة يبلغ وزنها 23 كيلوغراماً، ويصل مداها إلى 15 كيلومتراً. أما أطقم «ثاندر»، فتتيح تحويل الذخائر العامة من سلسلة «إم كيه» (MK) إلى ذخائر دقيقة التوجيه،. ونعمل كذلك على تطوير نسخة «ثاندر إي آر» (THUNDER ER)، التي ستضيف مجموعة أجنحة تتيح زيادة مدى الاشتباك عن بعد بصورة ملموسة.
وفي مجال الدفاع الجوي، نواصل تطوير منظومة الصواريخ «سكاي نايت» (SKYKNIGHT)، المصممة للتعامل مع هجمات الإشباع التي تستخدم الطائرات المسيّرة والصواريخ والقذائف المدفعية وقذائف الهاون. وحالياً، تمضي هذه المنظومة نحو مرحلة استكمال التأهيل الكامل للنظام.
وبالتوازي مع ذلك، نعمل على تطوير مفاهيم جديدة للصواريخ، من بينها صاروخ جوال منخفض التكلفة.

تشهد الحروب الحديثة تطوراً متسارعاً في مجالات الضربات الدقيقة والأنظمة الذاتية التشغيل والذكاء الاصطناعي والعمليات الشبكية.. كيف تدمج «هالكن» هذه التقنيات في حلولها الدفاعية من الجيل الجديد؟
ترتبط الدقة اليوم بقدرة النظام على تنفيذ المهمة بفاعلية حتى في الحالات التي تتدهور فيها إشارات الملاحة عبر الأقمار الصناعية أو عند استهداف أهداف متحركة. ولذلك، نستثمر في تقنيات الحماية من التشويش والخداع في إشارات الملاحة المعتمدة، والملاحة المعتمدة على الرؤية، ودمج بيانات المستشعرات، والذكاء الاصطناعي، بما يضمن استمرار فاعلية أنظمتنا حتى عند تعذّر الحصول على إشارات أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الاصطناعية .(GNSS) وفي جميع الحالات، يظل المشغّل البشري مسؤولاً عن تحديد معايير الاشتباك.
ومن أمثلة هذه المنظومات ذخيرة «ديزرت ستينغ 16»، المصممة للاستخدام من الطائرات المأهولة وغير المأهولة، والتي جرى دمجها على الطائرة المسيّرة «بيرقدار تي بي 2» (Bayraktar TB2) التابعة لشركة «بايكار» (Baykar).
كما تجسد منظومة «سكاي نايت» مفهوم العمليات الشبكية المتكاملة، إذ تعمل جنباً إلى جنب مع الرادارات والمدافع وأنظمة القيادة والسيطرة ضمن بنية دفاع جوي متعددة الطبقات. ويتيح هذا التكامل تخصيص وسيلة الاشتباك الأنسب لكل تهديد، بما يعزز كفاءة الاستجابة ويرفع فاعلية منظومة الدفاع ككل.
أظهرت «هالكن» اهتماماً واضحاً بالابتكار الوطني.. ما أبرز التحديات والفرص التي تواجه تحويل الأبحاث المتقدمة والخبرات الهندسية إلى أنظمة دفاعية مجرّبة وموثوقة في الميدان؟
يتمثل التحدي الأكبر في تحويل نموذج أولي ناجح إلى منظومة يمكن للمشغّلين الاعتماد عليها في كل مرة، وتتمتع بالقدرة على العمل في الظروف البيئية القاسية، مع ضمان تصنيعها بالجودة والمستوى نفسيهما عند الإنتاج بأعداد كبيرة.
ولتحقيق ذلك، تخضع أنظمتنا للاختبارات وفقاً لمعايير عسكرية دولية رائدة، من بينها MIL-STD-810 ، وMIL-STD-461 وMIL-STD-1316.
ويشكل عامل الوقت التحدي الثاني، ونعمل على مواجهته من خلال اعتماد التصميمات المعيارية التي تتيح إعادة استخدام المكونات والتقنيات المجربة في تطوير منتجات جديدة. فعلى سبيل المثال، تحتفظ ذخيرتا «ديزرت ستينغ 16» و«ديزرت ستينغ 25» بالباحث ووحدة التوجيه ومجموعة الذيل نفسها المستخدمة في أطقم التوجيه الموجودة في الخدمة، الأمر الذي يسهم في تقليص مدة التطوير والحد من المخاطر الفنية.
أما الفرصة الأهم، فتتمثل في امتلاك الخبرة عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة، بما يتيح الاستفادة المباشرة من الدروس المستخلصة من خطوط الإنتاج وملاحظات المستخدم النهائي، وإعادتها إلى فرق التصميم والتطوير. ومن شأن هذا التكامل أن يسرّع التحسين المستمر ويرفع موثوقية المنتجات وجاهزيتها العملياتية.
تتطلع الصناعات الدفاعية الإماراتية بصورة متزايدة نحو الأسواق الدولية.. ما استراتيجية «هالكن» لترسيخ مكانتها كمورد عالمي موثوق للتقنيات الدفاعية المتقدمة؟
تُبنى الثقة على الأداء المثبت والشراكات طويلة الأمد. ويستفيد عملاؤنا الدوليون من الأنظمة التي اختبرتها القوات المسلحة الإماراتية، بما يوفر أساساً مهماً للثقة في أدائها وقدرتها على تلبية المتطلبات العملياتية. وفي هذا السياق، وقّعت مجموعة «ايدج» مؤخراً عقداً لتوريد ذخائر «ديزرت ستينغ 16» ونظام التوجيه «ثاندر بي 31» (THUNDER P-31) لتجهيز أسطول الطائرات القتالية غير المأهولة التابع للقوات الجوية الملكية المغربية. وتمثل هذه الخطوة امتداداً لجهودنا في توسيع نطاق استخدام تقنياتنا وتعزيز حضورنا في الأسواق الدولية.
كما نحرص على بناء علاقات تعاون مثمرة مع الشركات بمختلف أحجامها، تقوم على تحقيق المصالح المشتركة وتبادل الخبرات. وتفتح شراكتنا مع «بايكار» آفاقاً جديدة لدمج منتجاتنا على منصات إضافية والوصول إلى أسواق جديدة.
وبصفتنا جزءاً من مجموعة «ايدج»، التي يتنامى حضورها في خمس قارات، نستفيد أيضاً من سلاسل الإمداد الراسخة للمجموعة، وشراكاتها الإقليمية، وقاعدة عملائها المتوسعة. وتسهم هذه المقومات مجتمعة في تعزيز قدرتنا على الوصول إلى الأسواق العالمية وترسيخ مكانتنا كمورد موثوق للحلول الدفاعية المتقدمة.
لا يقتصر بناء القدرات الدفاعية على تطوير الأنظمة المتقدمة، بل يتطلب أيضاً تأسيس منظومة صناعية متكاملة تدعمها.. كيف تسهم «هالكن» في تطوير الكفاءات الإماراتية والخبرات الهندسية وسلاسل الإمداد وقدرات التصنيع المتخصص؟
نولي أهمية كبيرة لاستقطاب الكفاءات المتخصصة وتطوير المهندسين الإماراتيين الشباب من خلال إشراكهم في برامج تطوير فعلية ومشروعات قائمة، بما يمنحهم خبرة عملية في مختلف مراحل العمل. ونركز على بناء الخبرات الوطنية في الأنظمة الفرعية التي تمثل جوهر السيادة التقنية للذخائر الموجهة، مثل الملاحة والتوجيه والباحثات. وعلى صعيد التصنيع، تمتد قدراتنا الداخلية من إنتاج المكونات عالية الدقة إلى التجميع الكامل للمنظومات، وتشمل التشغيل باستخدام التحكم الرقمي بالحاسوب (CNC)، والمعالجة السطحية، وتجميع لوحات الدوائر المطبوعة. كما تدير «هالكن» المنشأة الوحيدة في دولة الإمارات المتخصصة في الطلاء بالترسيب الكهربائي الكاثودي.
ونواصل الاستثمار في الأتمتة والروبوتات، إلى جانب تنويع مصادر توريد المكونات الحيوية وتعزيز التعاون مع شركات مجموعة «ايدج»، مثل «إي بي آي» (EPI) و«لهب» (LAHAB).
ويسهم هذا النهج في الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة والمعرفة والوظائف داخل الدولة، فضلاً عن تعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتوسيع قاعدة الخبرات الصناعية الوطنية، ودعم بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالية واستدامة.
بصفتك رئيس الشركة.. كيف تعرّف الابتكار في المجال الدفاعي؟ وكيف تضمن أن تتحول الابتكارات التي تطورها «هالكن» إلى مزايا عملياتية ملموسة للمستخدم النهائي؟
لا تكتسب الابتكارات قيمتها الحقيقية إلا عندما تصل إلى المستخدم النهائي وتُحدث فرقاً ملموساً في تنفيذ المهمة. ولذلك، نعتمد ثلاثة معايير رئيسية لتقييم أي ابتكار: هل يعالج مشكلة عملياتية حقيقية؟ وهل يمكن تصنيعه بصورة موثوقة وبتكلفة مناسبة وبكميات كبيرة؟ وهل نستطيع تسليمه في الوقت الذي يجعله ذا قيمة فعلية للمستخدم؟
وتجسد أطقم التوجيه «ثاندر» هذا النهج، إذ توفر دقة عالية بتكلفة تتيح استخدامها على نطاق واسع. فالابتكار بالنسبة إلينا لا يتعلق بتطوير تقنيات متقدمة فحسب، بل بتقديم حلول عملية تجمع بين الأداء والموثوقية والجدوى الاقتصادية.
ونحرص على التواصل المستمر مع القوات المسلحة الإماراتية وشركائنا، وفهم متطلباتهم العملياتية، وإخضاع منتجاتنا لاختبارات دقيقة للتحقق من توافقها مع تلك المتطلبات، ثم توظيف النتائج والدروس المستخلصة في تحسين التصميم والتطوير.
وعندما يثق المشغّل بأن منظومة «هالكن» ستؤدي المهمة المطلوبة منها على النحو المحدد، وفي كل مرة، نكون قد حققنا الغاية الأساسية من الابتكار، والمتمثلة في تحويل التقدم الهندسي والتقني إلى تفوق عملياتي حقيقي يخدم المستخدم النهائي ويعزز القدرات الدفاعية.

حوار: الجندي










