ChatGPT Image May 20, 2026 at 02_14_39 PM Topaz Gigapixel 4x scale

عسكرة الممرات دور الممرات البحرية في الحروب الحديثة

تشكل‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬أهمية‭ ‬جيوستراتيجية‭ ‬بالغة،‭ ‬فقد‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬عبر‭ ‬قرون،‭ ‬ومع‭ ‬تنامي‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬السلع‭ ‬والبضائع،‭ ‬أضحت‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬بمثابة‭ ‬نقاط‭ ‬تحكم‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬البضائع‭ ‬والطاقة‭ ‬بين‭ ‬القارات‭ ‬المختلفة‭. ‬كما‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيرها‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬العسكري،‭ ‬فكثيراً‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬محل‭ ‬تنافس‭ ‬حاد‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الدولية،‭ ‬كون‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها‭ ‬يمنح‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬نفوذاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الحروب،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدعمه‭ ‬تأريخ‭ ‬الحروب‭ ‬السابقة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬شهد‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬خلال‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحولات‭ ‬جيوستراتيجية‭ ‬متسارعة‭ ‬اعادت‭ ‬طرح‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬أمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‮»‬‭ ‬كأحد‭ ‬المحددات‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭. ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬وتيرة‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬العالم،‭ ‬برزت‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬بوصفها‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬عناصر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬تأثراً‭ – ‬وتأثيراً‭ – ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭. ‬

الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬للممرات‭ ‬البحرية

أكدت‭ ‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لقانون‭ ‬البحار‭ ‬لعام‭ ‬1982‭ ‬حق‭ ‬المرور‭ ‬وحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬للسفن‭ ‬في‭ ‬المضائق‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬بما‭ ‬يراعي‭ ‬حقوق‭ ‬والتزامات‭ ‬الدول‭ ‬المتشاطئة‭ ‬لهذه‭ ‬الممرات‭. ‬وتصنف‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬إلى‭ ‬نوعين‭ ‬رئيسيين،‭ ‬يتمثل‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬المضائق،‭ ‬وهي‭ ‬ممرات‭ ‬مائية‭ ‬طبيعية،‭ ‬شكلتها‭ ‬عوامل‭ ‬جيولوجية‭ ‬كحركة‭ ‬الصفائح‭ ‬التكتونية‭ ‬أو‭ ‬نتيجة‭ ‬لتآكل‭ ‬اليابسة،‭ ‬وهي‭ ‬تربط‭ ‬مسحطين‭ ‬مائيين،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬مضائق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬وملقا‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬وهرمز‭. ‬أما‭ ‬النوع‭ ‬الثاني‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬القنوات،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬ممرات‭ ‬مائية‭ ‬صناعية،‭ ‬ينشئها‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحفر‭ ‬أو‭ ‬التعديل‭ ‬الهندسي،‭ ‬بغية‭ ‬ربط‭ ‬البحار‭ ‬وتسهيل‭ ‬الملاحة‭. ‬وتتمثل‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭: ‬

مضيق‭ ‬هرمز‭:‬‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية‭ ‬لموقعه‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بخليج‭ ‬عمان،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬بالمحيط‭ ‬الهندي،‭ ‬إذ‭ ‬يقدر‭ ‬حجم‭ ‬النفط‭ ‬والمنتجات‭ ‬النفطية‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬المضيق‭ ‬حوالي‭ ‬7‭-‬20‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً،‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬20‭ % ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمي‭ ‬اليومي،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬25‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬النفط‭ ‬المنقول‭ ‬بحراً،‭ ‬وقرابة‭ ‬20‭ % ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬تداعيات‭ ‬إغلاق‭ ‬المضيق‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬التجارية‭ ‬بسبب‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭.‬

مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭:‬‭ ‬يبلغ‭ ‬عرضه‭ ‬حوالي‭ ‬30‭ ‬كيلومتراً،‭ ‬وهو‭ ‬يربط‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬بخليج‭ ‬عدن،‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬بوابة‭ ‬لعبور‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬السفن‭ ‬بين‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬ونقطة‭ ‬عبور‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية،‭ ‬وربط‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬عبر‭ ‬أقصر‭ ‬طرق‭ ‬بحرية‭ ‬ممكنة‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضيق‭ ‬تأثرت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بالتهديدات‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬الحوثيون‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أفرز‭ ‬اضطرابات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الشحن،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬البحري‭. ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬قوة‭ ‬بحرية‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬سميت‭ ‬بعملية‭ ‬‮«‬أسبيدس‮»‬،‭ ‬لتأمين‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬وحماية‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭. ‬

مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭:‬‭ ‬والذي‭ ‬يربط‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬بالمحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬ويقع‭ ‬المضيق‭ ‬بين‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬وجنوب‭ ‬إسبانيا،‭ ‬يعبره‭ ‬يومياً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬150‭ ‬سفينة،‭ ‬بما‭ ‬يمثل‭ ‬5‭ % ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭. ‬وقد‭ ‬شكلت‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬بؤرة‭ ‬صراع‭ ‬تاريخي،‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالتنافس‭ ‬الاستعماري‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الأوروبية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بين‭ ‬إسبانيا‭ ‬وبريطانيا،‭ ‬منذ‭ ‬سيطرة‭ ‬لندن‭ ‬على‭ ‬إقليم‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1713‭ ‬بموجب‭ ‬معاهدة‭ ‬أوتريخت،‭ ‬وتضم‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬قاعدة‭ ‬عسكرية‭ ‬بريطانية‭ ‬استراتيجية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لذلك‭ ‬هناك‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬روتا‮»‬‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬شمال‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬والتي‭ ‬تمثل‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬كبيرة‭ ‬لواشنطن‭ ‬وحلف‭ ‬الناتو‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭. ‬

مضيق‭ ‬ملقا‭: ‬يقع‭ ‬بين‭ ‬جزيرة‭ ‬سومطرة‭ ‬في‭ ‬إندونيسيا‭ ‬وشبه‭ ‬جزيرة‭ ‬الملايو‭ ‬بماليزيا،‭ ‬ويعد‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬ازدحاماً‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬يربط‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭ ‬بالمحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬وهو‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬ربط‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬بما‭ ‬ذلك‭ ‬الهند‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وتايوان،‭ ‬ويمر‭ ‬خلاله‭ ‬حوالي‭ ‬94‭ ‬ألف‭ ‬سفينة‭ ‬سنوياً،‭ ‬تحمل‭ ‬حوالي‭ ‬30‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬البضائع‭ ‬المتداولة‭ ‬عالمياً‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فهو‭ ‬يشكل‭ ‬طريقاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للسفن‭ ‬بين‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فهو‭ ‬يمثل‭ ‬المسار‭ ‬الأقصر‭ ‬لنقل‭ ‬السلع‭ ‬ومصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية‭ ‬الكبرى،‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬محدداً‭ ‬رئيساً‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية‭. ‬

مضيقا‭ ‬البسفور‭ ‬والدردنيل‭:‬‭ ‬يقع‭ ‬مضيقا‭ ‬البوسفور‭ ‬والدردنيل‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬حيث‭ ‬يفصل‭ ‬الأول‭ ‬بين‭ ‬قارتي‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬ويربط‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬ببحر‭ ‬مرمرة،‭ ‬ويلعب‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الطاقة‭ ‬والبضائع‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬ممراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للسفن‭ ‬العسكرية‭ ‬والتجارية‭. ‬أما‭ ‬الثاني‭ ‬فيربط‭ ‬بين‭ ‬بحر‭ ‬إيجه،‭ ‬والذي‭ ‬يعد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬وبحر‭ ‬مرمرة،‭ ‬ويعد‭ ‬امتداداً‭ ‬لمضيق‭ ‬البوسفور،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الممرات‭ ‬التركية‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬البحرين‭ ‬الأسود‭ ‬والمتوسط‭. ‬وشهدت‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬التركية‭ ‬حملة‭ ‬غاليبولي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1915،‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وذلك‭ ‬عندما‭ ‬سعت‭ ‬قوات‭ ‬الحلفاء‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬لفتح‭ ‬طريق‭ ‬بحري‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬القيصرية‭ ‬آنذاك‭.‬

مضيق‭ ‬دوفر‭:‬‭ ‬وهو‭ ‬أضيق‭ ‬ممر‭ ‬بحري‭ ‬في‭ ‬القناة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬بحر‭ ‬الشمالي‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وبحر‭ ‬المانش‭ ‬والمحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬يعبره‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬500‭ ‬سفينة‭ ‬يومياً‭ ‬بين‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا،‭ ‬كما‭ ‬يمر‭ ‬خلاله‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬16‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬ونحو‭ ‬5‭ ‬ملايين‭ ‬شاحنة‭. ‬

قناة‭ ‬السويس‭:‬‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬القنوات‭ ‬المائية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬تربط‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬بالبحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬ما‭ ‬يوفر‭ ‬طريقاً‭ ‬مختصراً‭ ‬بين‭ ‬قارتي‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬للدوران‭ ‬حول‭ ‬إفريقيا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬فوفقاً‭ ‬لبيانات‭ ‬مؤتمر‭ ‬الأمم‭ ‬المتحد‭ ‬للتجارة‭ ‬والتنمية‭ (‬أونكتاد‭)‬،‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬حوالي‭ ‬10‭ % ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية،‭ ‬ونحو‭ ‬22‭ % ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬الحاويات‭ ‬سنوياً‭. ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬بيانات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬30‭ % ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭.‬

قناة‭ ‬بنما‭: ‬تقع‭ ‬القناة‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬بنما،‭ ‬بأمريكا‭ ‬الوسطى،‭ ‬وهي‭ ‬تربط‭ ‬البحر‭ ‬الكاريبي،‭ ‬المتصل‭ ‬بالمحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬بالمحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬زمن‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬وتكاليف‭ ‬النقل‭ ‬بين‭ ‬شرق‭ ‬العالم‭ ‬وغربه،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تسهم‭ ‬القناة‭ ‬بدور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬ونقل‭ ‬البضائع‭ ‬بين‭ ‬الأمريكيتين‭ ‬وآسيا‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬بداية‭ ‬حفر‭ ‬القناة‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1881،‭ ‬بمبادرة‭ ‬فرنسية،‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬بنما‭ ‬تابعة‭ ‬لكولومبيا،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬تعثر‭ ‬حتى‭ ‬تم‭ ‬استئنافه‭ ‬عبر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬والتي‭ ‬دعمت‭ ‬انفصال‭ ‬بنما‭ ‬عن‭ ‬كولومبيا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1903‭. ‬وظلت‭ ‬القناة،‭ ‬بعد‭ ‬اكتمالها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬خاضعةً‭ ‬للسيطرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لعقود،‭ ‬ما‭ ‬أفرزت‭ ‬توترات‭ ‬متزايدة‭ ‬بين‭ ‬الجانبين،‭ ‬حتى‭ ‬أدت‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبنما‭ ‬في‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬السيادة‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬بنما‭ ‬رسمياً‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1999‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬القناة‭ ‬تثير‭ ‬تحديات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬بها،‭ ‬خاصة‭ ‬بعدما‭ ‬انتقد‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬نقل‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬بنما،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬الأخيرة‭ ‬تمثل‭ ‬أصلاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬أمريكياً‭. ‬وتحذر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التقديرات‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬المحتملة‭ ‬للجفاف‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬قناة‭ ‬بنما‭.‬

الأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للممرات‭ ‬البحرية

تحظى‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬باهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬هائلة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وأن‭ ‬90‭ % ‬من‭ ‬السلع‭ ‬المتداولة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬يتم‭ ‬شحنها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬البحر‭. ‬وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬المنظور‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬والجيوقتصادي،‭ ‬تعد‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬أهم‭ ‬النقاط‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬تمرير‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬إنتاجها‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تعرض‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬لأي‭ ‬اختناقات‭ ‬أو‭ ‬إغلاق‭ ‬سيفضي‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬امدادات‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وأن‭ ‬غالبية‭ ‬مناطق‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬متمركزة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعلها‭ ‬بمثابة‭ ‬صمامات‭ ‬لإمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬فثلثا‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬المنتج‭ ‬والمصدر‭ ‬يتجه‭ ‬يومياً‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬العملاقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬الاهتمام‭ ‬الدولي‭ ‬المتزايد‭ ‬بقضية‭ ‬أمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭. ‬فأي‭ ‬تهديد‭ ‬أو‭ ‬إغلاق،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إعاقة‭ ‬للسير‭ ‬العادي‭ ‬للملاحة،‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬يشكل‭ ‬معضلة‭ ‬استراتيجية‭ ‬ذات‭ ‬أبعاد‭ ‬أمنية‭ ‬معقدة‭. ‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬تشكل‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬نقاط‭ ‬اختناق‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬العسكرية،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬نقطة‭ ‬تفوق‭ ‬رئيسي‭ ‬بالنسبة‭ ‬للطرف‭ ‬الذي‭ ‬يمكنه‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬وقوعها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأوقات‭ ‬ضمن‭ ‬دائرة‭ ‬الصراعات‭ ‬والتوترات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أكد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬حماية‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬النزاعات‭ ‬الدولية‭ ‬المتفاقمة‭ ‬حالياً‭ ‬أعادت‭ ‬إحياء‭ ‬الجدل‭ ‬بشأن‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬المنظم‭ ‬لحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لقانون‭ ‬البحار،‭ ‬فرغم‭ ‬تنظيم‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬القانونية‭ ‬لحركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬الدولية،‭ ‬فإن‭ ‬تنفيذها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الفعلي‭ ‬يشهد‭ ‬تحديات‭ ‬متزايدة‭ ‬عندما‭ ‬تتداخل‭ ‬الصراعات‭ ‬المسلحة‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭. ‬

فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تشكل‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬المرتبطة‭ ‬ببحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬ونقطة‭ ‬ضغط‭ ‬حاسمة‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬إذ‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬حوالي‭ ‬24‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية،‭ ‬وقرابة‭ ‬الـ45‭ % ‬من‭ ‬شحنات‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬العالمية،‭ ‬و26‭ % ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬السيارات،‭ ‬وتقدر‭ ‬حجم‭ ‬البضائع‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬بنحو‭ ‬5‭.‬3‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬سنوياً،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬سيشكل‭ ‬عاملاً‭ ‬مزعزعاً‭ ‬لاستقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

دور‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬السابقة

شهدت‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬دارت‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬نجمت‭ ‬عن‭ ‬تعطيلها،‭ ‬وقد‭ ‬اتخذت‭ ‬الصراعات‭ ‬والنزاعات‭ ‬والتهديدات‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬صفة‭ ‬دولية،‭ ‬لارتباطها‭ ‬بالأمن‭ ‬الدولي‭ ‬تأثيراتها‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬وتشير‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬شكلت‭ ‬أهدافًا‭ ‬رئيسية‭ ‬لأعمال‭ ‬السلب‭ ‬والنهب‭ ‬والسطو‭ ‬البحري‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالقرصنة‭ ‬البحرية‭. ‬فوفقاً‭ ‬لسجلات‭ ‬المكتب‭ ‬البحري‭ ‬الدولي،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عشرات‭ ‬الهجمات‭ ‬سنوياً‭ ‬يتم‭ ‬تسجيلها‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية،‭ ‬بغية‭ ‬نهب‭ ‬الشحنات‭ ‬أو‭ ‬احتجاز‭ ‬طواقم‭ ‬السفن‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬فدية‭. ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬التجار‭ ‬الأوروبيين‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬أطلقوا‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬ساحل‭ ‬القراصنة‮»‬‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬الهجمات‭ ‬المتكررة‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬المتجهة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭. ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬الدور‭ ‬التاريخي‭ ‬للممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬لعب‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تحكم‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬بين‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬والمحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ (‬1939‭ – ‬1945‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬بريطانيا‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬المضيق‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬القوات‭ ‬الألمانية‭ ‬حاولت‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1940،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬خطة‭ ‬‮«‬فيليكس‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬فشلت‭. ‬ومع‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬ودخول‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬لحقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬استمرت‭ ‬أهمية‭ ‬المضيق‭ ‬كبؤرة‭ ‬تنافس‭ ‬رئيسية‭ ‬بين‭ ‬القطبين،‭ ‬وعمدت‭ ‬بريطانيا،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬والتعاون‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬المضيق‭ ‬لمراقبة‭ ‬البحرية‭ ‬السوفييتية‭. ‬

كذا،‭ ‬شهد‭ ‬مضيقا‭ ‬الدردنيل‭ ‬والبوسفور،‭ ‬اللذان‭ ‬يخضعان‭ ‬للسيطرة‭ ‬التركية‭ ‬بموجب‭ ‬معاهدة‭ ‬مونترو‭ ‬لعام‭ ‬1936،‭ ‬أزمة‭ ‬حادة‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬وتركيا،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬عرف‭ ‬آنذاك‭ ‬بـ«أزمة‭ ‬المضائق‭ ‬التركية‮»‬‭. ‬ففي‭ ‬أعقاب‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬أكد‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬السوفييتي،‭ ‬لافرينتي‭ ‬بيريا،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أجزاء‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬تركيا،‭ ‬المتاخمة‭ ‬للبحر‭ ‬الأسود،‭ ‬تنتمي‭ ‬لجورجيا،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬إحدى‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬كما‭ ‬اعترض‭ ‬الأخير‭ ‬على‭ ‬سماح‭ ‬أنقرة‭ ‬للسفن‭ ‬الحربية‭ ‬التابعة‭ ‬لدول‭ ‬غير‭ ‬مطلة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬بالمرور‭ ‬عبر‭ ‬المضائق‭ ‬التركية،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يشكل‭ ‬انتهاكاً‭ ‬لاتفاقية‭ ‬مونترو‭. ‬وعمد‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1946،‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬وجوده‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬أنقرة‭ ‬بهدف‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتقاسم‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مضيقي‭ ‬الدردنيل‭ ‬والبوسفور‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬وتركيا،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأخيرة‭ ‬لطلب‭ ‬الدعم‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬والتي‭ ‬قامت‭ ‬بدورها‭ ‬بإرسال‭ ‬سفن‭ ‬أمريكية‭ ‬للمنطقة،‭ ‬مع‭ ‬إطلاق‭ ‬واشنطن‭ ‬لـ«عقيدة‭ ‬ترومان‮»‬،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1947،‭ ‬استهدفت‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬احتواء‭ ‬النفوذ‭ ‬السوفييتي‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ضم‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تركيا‭ ‬واليونات‭ ‬كأعضاء‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭. ‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬التوترات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬ممرات‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬شكل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مركز‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والعراق‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى،‭ ‬كما‭ ‬شهد‭ ‬المضيق‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«حرب‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‮»‬‭ ‬آنذاك‭. ‬ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬اعتبر‭ ‬قادة‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬أن‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بات‭ ‬يمثل‭ ‬ورقة‭ ‬الضغط‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفها‭ ‬لإدارة‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬قوى‭ ‬دولية‭ ‬أو‭ ‬إقليمية،‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تجسد‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى،‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1980‭-‬1988،‭ ‬عندما‭ ‬عمدت‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬الهجمات‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬موانئها‭ ‬النفطية‭ ‬بشن‭ ‬هجمات‭ ‬ضد‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬الخليجية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الكويتية،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الأخيرة‭ ‬لطلب‭ ‬الدعم‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬والتي‭ ‬نفذت‭ ‬بدورها‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬براينج‭ ‬مانتيس‮»‬،‭ ‬شنت‭ ‬خلالها‭ ‬عدة‭ ‬هجمات‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬والمنصات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1988‭. ‬

ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬شهدت‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الصراعات،‭ ‬كان‭ ‬أبرزها‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬على‭ ‬مصر،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1956،‭ ‬والذي‭ ‬أعقب‭ ‬قرار‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري،‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬بتأميم‭ ‬القناة‭. ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبه‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬لعام‭ ‬1973‭. ‬

الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬ومسارات‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة

كشفت‭ ‬الحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬طرقاً‭ ‬تجارية‭ ‬فحسب،‭ ‬لكنها‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬رئيسية‭ ‬للتنافس‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬والمواجهات‭ ‬المفتوحة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬المختلفة‭. ‬ففي‭ ‬مارس‭ ‬2022،‭ ‬أعلنت‭ ‬تركيا‭ ‬إغلاقها‭ ‬لمضيقي‭ ‬البوسفور‭ ‬والدردنيل‭ ‬أمام‭ ‬السفن‭ ‬الحربية،‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬حيث‭ ‬اعتبرت‭ ‬أنقرة‭ ‬أنها‭ ‬تقوم‭ ‬بتنفيذ‭ ‬اتفاقية‭ ‬مونترو،‭ ‬والتي‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬السفن‭ ‬الحربية‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬المضيقين‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب،‭ ‬لكن‭ ‬الاتفاقية‭ ‬تسمح‭ ‬أيضاً‭ ‬بعودة‭ ‬السفن‭ ‬غير‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬القتال‭ ‬إلى‭ ‬موانئها‭. ‬

وعلى‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬الأهمية‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬لمضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬وقناة‭ ‬السويس،‭ ‬فقد‭ ‬شنت‭ ‬جماعة‭ ‬الحوثيين‭ ‬هجمات‭ ‬على‭ ‬سفن‭ ‬الشحن‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬ومضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬كرد‭ ‬على‭ ‬الهجمات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬وكذا‭ ‬في‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬ورغم‭ ‬اتجاه‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬مرافقة‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬قصف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لمواقع‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬الحوثيين‭ ‬عمدوا‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الهجمات،‭ ‬حيث‭ ‬أشارت‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحوثيين‭ ‬شنوا‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬قرابة‭ ‬الـ‭ ‬500‭ ‬هجوم‭ ‬في‭ ‬مضييق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬والمناطق‭ ‬المحيطة‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وخليج‭ ‬عدن،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إصابة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬سفينة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إجبار‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬السفن‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬الرحلات‭ ‬عبر‭ ‬باب‭ ‬المندب‭. ‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بحالة‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الضربات‭ ‬القوية‭ ‬التي‭ ‬وجتها‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬للقوات‭ ‬البحرية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يحل‭ ‬دون‭ ‬تصاعد‭ ‬حدة‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬بسبب‭ ‬التهديدات‭ ‬الإيرانية‭ ‬للسفن‭ ‬العابرة‭ ‬في‭ ‬المضيق،‭ ‬ونشرها‭ ‬لاحقاً‭ ‬للألغام‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬المضيق،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أثر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬والملاحة‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬والتي‭ ‬انخفضت‭ ‬بحوالي‭ ‬97‭ % ‬بعد‭ ‬أول‭ ‬أسبوعين‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬خسائر‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬شحن‭ ‬البضائع‭ ‬بنحو‭ ‬2‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬يومياً‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برز‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬يسمى‭ ‬بـ«قراصنة‭ ‬المضيق‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬الفاعلين،‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬أو‭ ‬الوكلاء‭ ‬أو‭ ‬المجموعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬الذين‭ ‬يستخدمون‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬كأداة‭ ‬ضغط‭ ‬جيوسياسي،‭ ‬ما‭ ‬يؤطر‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬إلى‭ ‬تداخل‭ ‬القرصنة‭ ‬التقليدية‭ ‬مع‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬العسكرية‭ ‬الحديثة‭ ‬للدول‭. ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬القرصنة‭ ‬مجرد‭ ‬مجموعة‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬القانون،‭ ‬بل‭ ‬أضحت‭ ‬أداة‭ ‬رئيسة‭ ‬ضمن‭ ‬الصراعات‭ ‬الأشمل،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬العسكري‭ ‬الفعلي‭ ‬والعمليات‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬مع‭ ‬تحول‭ ‬القرصنة‭ ‬لجزء‭ ‬من‭ ‬لعبة‭ ‬التوازنات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬وتصبح‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬نقاط‭ ‬ابتزاز‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الصراع‭.‬

كذا،‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬للبيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2025،‭ ‬طالب‭ ‬ترامب‭ ‬بضرورة‭ ‬مرور‭ ‬السفن‭ ‬الأمريكية،‭ ‬سواء‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬العسكرية،‭ ‬في‭ ‬قناتي‭ ‬السويس‭ ‬وبنما‭ ‬مجاناً‭ ‬ودون‭ ‬دفع‭ ‬أي‭ ‬رسوم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬البعض‭ ‬انعكاساً‭ ‬لطبيعة‭ ‬استخدام‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬للممرات‭ ‬البحرية‭ ‬كإحدى‭ ‬أدواتها‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الراهنة‭. ‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬برزت‭ ‬قناة‭ ‬بنما‭ ‬كساحة‭ ‬جديدة‭ ‬للصراع‭ ‬الدولي،‭ ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬تصاعد‭ ‬حدة‭ ‬الاتهامات‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬بشأن‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬طرق‭ ‬الشحن‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ففي‭ ‬منتصف‭ ‬أبريل‭ ‬2026،‭ ‬وجهت‭ ‬واشنطن‭ ‬وبعض‭ ‬حلفائها‭ ‬اتهامات‭ ‬لبكين‭ ‬باحتجاز‭ ‬سفن‭ ‬مرتبطة‭ ‬ببنما‭ ‬وتأخيرها،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬التحركات‭ ‬الصينية‭ ‬كانت‭ ‬تستهدف‭ ‬تسييس‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬نفت‭ ‬بكين‭ ‬هذه‭ ‬الادعاءات،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬سيطر‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬بنما‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬وأنها‭ ‬تسعى‭ ‬حالياً‭ ‬لتحويل‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬الدولي‭ ‬إلي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬أراضيها،‭ ‬بما‭ ‬يتجاهل‭ ‬سيادل‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭. ‬لذا،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬المتنافسة‭ ‬حالياً‭ ‬باتت‭ ‬أكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬مواجهات‭ ‬مفتوحة‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬محدداً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬المواجهات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭ ‬المستقبلية‭. ‬

مستقبل‭ ‬عسكرة‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية

على‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬طرحت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأدبيات‭ ‬الغربية‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬عسكرة‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‮»‬‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬كسلاح‭ ‬استراتيجي‭ ‬يهدد‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬حدة‭ ‬التنافس‭ ‬الأمريكي‭ ‬–‭ ‬الصيني‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬والهيمنة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬التوترات‭ ‬المتصاعدة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بسبب‭ ‬إغلاق‭ ‬إيران‭ ‬للمضيق‭ ‬وفرضها‭ ‬رسوماً‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬العابرة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬الذي‭ ‬تفرضه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬طهران‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ينذر‭ ‬التصعيد‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬التوترات‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬إلى‭ ‬اتجاه‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬لاتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬تصعيدية‭ ‬مضادة،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬تعزيز‭ ‬وجودها‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الممرات،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬التحالفات‭ ‬الأمنية‭ ‬الواسعة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نشر‭ ‬دوريات‭ ‬بحرية،‭ ‬بهدف‭ ‬ضمان‭ ‬حماية‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الممرات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬احتمالية‭ ‬الاحتكاك‭ ‬ورفع‭ ‬خطر‭ ‬التصعيد‭ ‬غير‭ ‬المقصود‭.‬‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬التحركات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الراهنة‭ ‬لتشكيل‭ ‬تحالفات‭ ‬جديدة‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬العسكري‭ ‬لضمان‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬التداعيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المباشرة‭ ‬لإغلاق‭ ‬إيران‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬فقد‭ ‬أشارت‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬تحديات‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع،‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬تظهر‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لدولة‭ ‬واحدة‭ ‬أن‭ ‬تحتجز‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية‭ ‬كرهائن،‭ ‬مع‭ ‬ممارستها‭ ‬ضغطاً‭ ‬جيوسياسياً‭ ‬بتكلفة‭ ‬منخفضة‭ ‬نسبياً‭. ‬

أيضاً،‭ ‬فعملية‭ ‬نقل‭ ‬الطاقة‭ ‬عبر‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬والتي‭ ‬تشكل‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قاصرة‭ ‬على‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬المدنية‭ ‬فحسب،‭ ‬لكنها‭ ‬باتت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬العسكري‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للدول،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يتلاشى‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬والمنصات‭ ‬العسكرية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭.‬

وفي‭ ‬الإطار‭ ‬ذاته،‭ ‬حذرت‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬المحتملة‭ ‬للتحولات‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬فبينما‭ ‬حولت‭ ‬إيران‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬برسوم‭ ‬مرور‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬رسوماً‭ ‬لعبورها،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تنفذ‭ ‬فيه‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬حصاراً‭ ‬بحرياً‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬العرب‭. ‬وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬بدأ‭ ‬الحوثيون‭ ‬يناقشون‭ ‬إمكانية‭ ‬إنشاء‭ ‬نقطة‭ ‬تحصيل‭ ‬رسوم‭ ‬خاصة‭ ‬بهم‭ ‬عن‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬كما‭ ‬طرح‭ ‬وزير‭ ‬المالية‭ ‬الإندونيسي‭ ‬فكرة‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬مماثلة‭ ‬على‭ ‬الشحن‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المقترح‭ ‬الإندونيسي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مجرد‭ ‬فكرة،‭ ‬لكنه‭ ‬يعكس‭ ‬مؤشرات‭ ‬مهمة‭ ‬تتعلق‭ ‬بتداعيات‭ ‬النزاعات‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬النظام‭ ‬البحري‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القواعد‭.‬

الختامة

عكست‭ ‬النزاعات‭ ‬والحروب‭ ‬المتزايدة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الراهن‭ ‬الأهمية‭ ‬المتزايدة‭ ‬لأمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬والدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكله‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬خاصة‭ ‬بعدما‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬جزءاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النزاعات‭. ‬مع‭ ‬ترجيح‭ ‬احتمالية‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬بؤرة‭ ‬الصراعات‭ ‬الدولية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬توظيفها‭ ‬كأدوات‭ ‬رئيسية‭ ‬للضغط‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬والجيواقتصادي‭. ‬كما‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬وجودها‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية،‭ ‬ما‭ ‬سيزيد‭ ‬من‭ ‬وتيرة‭ ‬عسكرة‭ ‬هذه‭ ‬الممرات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إقامة‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬دائمة‭ ‬للقوى‭ ‬الدولية‭ ‬المتنافسة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬جعل‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬رهينة‭ ‬بالتوازنات‭ ‬العسكرية‭.‬

عدنان‭ ‬موسى
مدرس‭ ‬مساعد‭ ‬بكلية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والعلوم‭ ‬السياسية‭ ‬ـــــ‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭

Twitter
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض