تشكل الممرات البحرية أهمية جيوستراتيجية بالغة، فقد أسهمت في رسم ملامح العلاقات الدولية عبر قرون، ومع تنامي الاعتماد على التجارة البحرية في نقل السلع والبضائع، أضحت هذه الممرات بمثابة نقاط تحكم رئيسية في حركة البضائع والطاقة بين القارات المختلفة. كما يمتد تأثيرها إلى الجانب العسكري، فكثيراً ما كانت هذه الممرات محل تنافس حاد بين القوى الدولية، كون السيطرة عليها يمنح هذه الدول نفوذاً استراتيجياً حاسماً في أوقات الحروب، الأمر الذي يدعمه تأريخ الحروب السابقة. ومن هذا المنطلق، شهد النظام الدولي خلال الآونة الأخيرة تحولات جيوستراتيجية متسارعة اعادت طرح فكرة «أمن الممرات البحرية» كأحد المحددات الرئيسية في هيكل الحروب الحديثة. ففي ظل تصاعد وتيرة النزاعات المسلحة في العديد من مناطق العالم، برزت هذه الممرات بوصفها أحد أكثر عناصر الاقتصاد العالمي تأثراً – وتأثيراً – في مسارات هذه الحروب الحديثة.

الجغرافيا السياسية للممرات البحرية
أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 حق المرور وحرية الملاحة للسفن في المضائق والممرات البحرية، بما يراعي حقوق والتزامات الدول المتشاطئة لهذه الممرات. وتصنف الممرات البحرية إلى نوعين رئيسيين، يتمثل الأول في المضائق، وهي ممرات مائية طبيعية، شكلتها عوامل جيولوجية كحركة الصفائح التكتونية أو نتيجة لتآكل اليابسة، وهي تربط مسحطين مائيين، على غرار مضائق جبل طارق وملقا وباب المندب وهرمز. أما النوع الثاني فيتمثل في القنوات، وهي عبارة عن ممرات مائية صناعية، ينشئها الإنسان من خلال الحفر أو التعديل الهندسي، بغية ربط البحار وتسهيل الملاحة. وتتمثل أبرز هذه الممرات الاستراتيجية على النحو التالي:
مضيق هرمز: يعد من أهم الممرات البحرية العالمية لموقعه الجيوسياسي الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان، ومن ثم بالمحيط الهندي، إذ يقدر حجم النفط والمنتجات النفطية التي تعبر المضيق حوالي 7-20 مليون برميل يومياً، ما يعادل 20 % من الاستهلاك العالمي اليومي، وأكثر من 25 % من إجمالي النفط المنقول بحراً، وقرابة 20 % من تجارة الغاز المسال. الأمر الذي يفسر تداعيات إغلاق المضيق أمام حركة الملاحة التجارية بسبب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير 2026.
مضيق باب المندب: يبلغ عرضه حوالي 30 كيلومتراً، وهو يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ما جعله بوابة لعبور جزء كبير من السفن بين آسيا وأوروبا، ونقطة عبور رئيسية في سلاسل الإمداد العالمية، وربط الأسواق العالمية عبر أقصر طرق بحرية ممكنة. بيد أن الملاحة في هذا المضيق تأثرت بشكل كبير بالتهديدات التي يفرضها الحوثيون في اليمن، الأمر الذي أفرز اضطرابات كبيرة في حركة الشحن، مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري. ما دفع بعض الدول الأوروبية إلى تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات، سميت بعملية «أسبيدس»، لتأمين حرية الملاحة وحماية السفن في البحر الأحمر وباب المندب.
مضيق جبل طارق: والذي يربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، ويقع المضيق بين شمال المغرب وجنوب إسبانيا، يعبره يومياً أكثر من 150 سفينة، بما يمثل 5 % من تجارة النفط العالمية. وقد شكلت هذه المنطقة بؤرة صراع تاريخي، ارتبطت بالتنافس الاستعماري بين القوى الأوروبية، لا سيما بين إسبانيا وبريطانيا، منذ سيطرة لندن على إقليم جبل طارق في عام 1713 بموجب معاهدة أوتريخت، وتضم هذه المنطقة قاعدة عسكرية بريطانية استراتيجية، بالإضافة لذلك هناك قاعدة «روتا» البحرية الأمريكية، شمال مضيق جبل طارق، والتي تمثل قوة عسكرية كبيرة لواشنطن وحلف الناتو في البحر الأبيض المتوسط.
مضيق ملقا: يقع بين جزيرة سومطرة في إندونيسيا وشبه جزيرة الملايو بماليزيا، ويعد أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، يربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ، وهو مسؤول عن ربط العديد من الاقتصاديات الكبرى في آسيا، بما ذلك الهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ويمر خلاله حوالي 94 ألف سفينة سنوياً، تحمل حوالي 30 % من إجمالي البضائع المتداولة عالمياً. ومن ثم فهو يشكل طريقاً رئيسياً للسفن بين شرق آسيا والشرق الأوسط. فهو يمثل المسار الأقصر لنقل السلع ومصادر الطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى، ما جعله محدداً رئيساً في سلاسل الإمداد العالمية.
مضيقا البسفور والدردنيل: يقع مضيقا البوسفور والدردنيل في تركيا، حيث يفصل الأول بين قارتي آسيا وأوروبا، ويربط البحر الأسود ببحر مرمرة، ويلعب دوراً محورياً في نقل الطاقة والبضائع من دول البحر الأسود إلى الأسواق العالمية، ناهيك عن كونه ممراً رئيسياً للسفن العسكرية والتجارية. أما الثاني فيربط بين بحر إيجه، والذي يعد جزءاً من البحر المتوسط، وبحر مرمرة، ويعد امتداداً لمضيق البوسفور، في إطار الممرات التركية التي تصل البحرين الأسود والمتوسط. وشهدت هذه الممرات التركية حملة غاليبولي في عام 1915، خلال الحرب العالمية الأولى، وذلك عندما سعت قوات الحلفاء للسيطرة على هذه الممرات لفتح طريق بحري للوصول إلى روسيا القيصرية آنذاك.
مضيق دوفر: وهو أضيق ممر بحري في القناة الإنجليزية، يربط بين بحر الشمالي من ناحية، وبحر المانش والمحيط الأطلسي من ناحية أخرى، يعبره أكثر من 500 سفينة يومياً بين المملكة المتحدة وأوروبا، كما يمر خلاله أكثر من 16 مليون شخص ونحو 5 ملايين شاحنة.
قناة السويس: تمثل أحد أهم القنوات المائية في العالم، تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، ما يوفر طريقاً مختصراً بين قارتي أوروبا وآسيا دون الحاجة للدوران حول إفريقيا، وهو ما جعل قناة السويس ركيزة أساسية في حركة التجارة العالمية، فوفقاً لبيانات مؤتمر الأمم المتحد للتجارة والتنمية (أونكتاد)، يمر عبر قناة السويس حوالي 10 % من التجارة البحرية العالمية، ونحو 22 % من تجارة الحاويات سنوياً. كما تشير بيانات البنك الدولي أن 30 % من تجارة النفط تمر عبر قناة السويس.
قناة بنما: تقع القناة في دولة بنما، بأمريكا الوسطى، وهي تربط البحر الكاريبي، المتصل بالمحيط الأطلسي، بالمحيط الهادئ، ما جعلها تسهم في تقليل زمن الرحلات البحرية وتكاليف النقل بين شرق العالم وغربه، ومن ثم تسهم القناة بدور كبير في التجارة العالمية ونقل البضائع بين الأمريكيتين وآسيا. ورغم أن بداية حفر القناة كان في عام 1881، بمبادرة فرنسية، عندما كانت بنما تابعة لكولومبيا، بيد أن المشروع تعثر حتى تم استئنافه عبر الولايات المتحدة، والتي دعمت انفصال بنما عن كولومبيا في عام 1903. وظلت القناة، بعد اكتمالها في عام 2014، خاضعةً للسيطرة الأمريكية لعقود، ما أفرزت توترات متزايدة بين الجانبين، حتى أدت الاتفاقيات التي جرت بين الولايات المتحدة وبنما في سبعينات القرن الماضي، إلى نقل السيادة على قناة بنما رسمياً في عام 1999. ورغم ذلك لا تزال القناة تثير تحديات سياسية واقتصادية تؤثر على حركة الملاحة بها، خاصة بعدما انتقد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نقل السيطرة على قناة بنما، معتبراً أن الأخيرة تمثل أصلاً استراتيجياً أمريكياً. وتحذر العديد من التقديرات الدولية من التداعيات المحتملة للجفاف المستمر في قناة بنما.

الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية
تحظى الممرات البحرية باهمية استراتيجية هائلة، لا سيما وأن 90 % من السلع المتداولة لا تزال يتم شحنها عن طريق البحر. وانطلاقاً من المنظور الجيوسياسي والجيوقتصادي، تعد الممرات البحرية أهم النقاط حساسية في تمرير مصادر الطاقة من مراكز إنتاجها إلى الأسواق العالمية، ما يعني أن تعرض هذه الممرات لأي اختناقات أو إغلاق سيفضي إلى أزمة امدادات واسعة النطاق في الدول الصناعية التي تعتمد بشكل كبير على مصادر الوقود الأحفوري، لا سيما وأن غالبية مناطق إنتاج النفط متمركزة بالقرب من هذه الممرات البحرية، الأمر الذي يجعلها بمثابة صمامات لإمدادات الطاقة العالمية، فثلثا النفط الخام المنتج والمصدر يتجه يومياً عبر هذه الممرات من خلال ناقلات النفط العملاقة، الأمر الذي يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بقضية أمن الممرات البحرية. فأي تهديد أو إغلاق، أو حتى إعاقة للسير العادي للملاحة، في الممرات البحرية يشكل معضلة استراتيجية ذات أبعاد أمنية معقدة.
من ناحية أخرى، تشكل الممرات البحرية نقاط اختناق في الاستراتيجيات العسكرية، ما يجعلها نقطة تفوق رئيسي بالنسبة للطرف الذي يمكنه السيطرة عليها، الأمر الذي يفسر وقوعها في كثير من الأوقات ضمن دائرة الصراعات والتوترات. وفي هذا السياق، أكد القانون الدولي حماية الممرات البحرية. بيد أن النزاعات الدولية المتفاقمة حالياً أعادت إحياء الجدل بشأن الإطار القانوني المنظم لحرية الملاحة واستخدام القوة في الممرات البحرية، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فرغم تنظيم هذه القواعد القانونية لحركة الملاحة في الممرات الدولية، فإن تنفيذها في الواقع الفعلي يشهد تحديات متزايدة عندما تتداخل الصراعات المسلحة مع المصالح الاقتصادية العالمية.
فعلى سبيل المثال، تشكل الممرات البحرية المرتبطة ببحر الصين الجنوبي أهمية استراتيجية ونقطة ضغط حاسمة للتجارة العالمية، إذ يمر من خلالها حوالي 24 % من إجمالي التجارة البحرية العالمية، وقرابة الـ45 % من شحنات النفط الخام العالمية، و26 % من تجارة السيارات، وتقدر حجم البضائع التي تمر عبر هذه الممرات بنحو 5.3 تريليون دولار سنوياً، ما يعني أن أي اضطراب في هذه المنطقة سيشكل عاملاً مزعزعاً لاستقرار الاقتصاد العالمي.
دور الممرات البحرية في الحروب السابقة
شهدت العقود الماضية العديد من الحروب التي دارت للسيطرة على الممرات البحرية، أو تلك التي نجمت عن تعطيلها، وقد اتخذت الصراعات والنزاعات والتهديدات في الممرات البحرية صفة دولية، لارتباطها بالأمن الدولي تأثيراتها واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي. وتشير التجارب التاريخية إلى أن الممرات البحرية شكلت أهدافًا رئيسية لأعمال السلب والنهب والسطو البحري المرتبطة بالقرصنة البحرية. فوفقاً لسجلات المكتب البحري الدولي، كان هناك عشرات الهجمات سنوياً يتم تسجيلها في الممرات البحرية الحيوية، بغية نهب الشحنات أو احتجاز طواقم السفن للحصول على فدية. حتى أن التجار الأوروبيين كانوا قد أطلقوا اسم «ساحل القراصنة» على مضيق هرمز، وذلك بسبب الهجمات المتكررة على السفن التجارية المتجهة إلى أوروبا. وفي إطار الدور التاريخي للممرات البحرية، لعب مضيق جبل طارق، على سبيل المثال، دوراً محورياً في تحكم الحلفاء في النقل البحري بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي خلال الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، فقد كانت بريطانيا تسيطر على المضيق منذ القرن الثامن عشر، بيد أن القوات الألمانية حاولت السيطرة على مضيق جبل طارق في عام 1940، في إطار خطة «فيليكس»، لكنها فشلت. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، ودخول النظام الدولي لحقبة الحرب الباردة، استمرت أهمية المضيق كبؤرة تنافس رئيسية بين القطبين، وعمدت بريطانيا، بالتنسيق والتعاون مع الولايات المتحدة، إلى استخدام المضيق لمراقبة البحرية السوفييتية.
كذا، شهد مضيقا الدردنيل والبوسفور، اللذان يخضعان للسيطرة التركية بموجب معاهدة مونترو لعام 1936، أزمة حادة بين الاتحاد السوفييتي وتركيا، في إطار ما عرف آنذاك بـ«أزمة المضائق التركية». ففي أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، أكد نائب رئيس الوزراء السوفييتي، لافرينتي بيريا، أن هناك أجزاء واسعة في شرق تركيا، المتاخمة للبحر الأسود، تنتمي لجورجيا، التي كانت إحدى دول الاتحاد السوفييتي، كما اعترض الأخير على سماح أنقرة للسفن الحربية التابعة لدول غير مطلة على البحر الأسود بالمرور عبر المضائق التركية، باعتبار أن ذلك يشكل انتهاكاً لاتفاقية مونترو. وعمد الاتحاد السوفييتي، في عام 1946، إلى تعزيز وجوده العسكري في البحر الأسود للضغط على أنقرة بهدف إعادة النظر في هذه الاتفاقية، بما يسمح بتقاسم السيطرة على مضيقي الدردنيل والبوسفور بين الاتحاد السوفييتي وتركيا، ما دفع الأخيرة لطلب الدعم من الولايات المتحدة، والتي قامت بدورها بإرسال سفن أمريكية للمنطقة، مع إطلاق واشنطن لـ«عقيدة ترومان»، في عام 1947، استهدفت من خلالها احتواء النفوذ السوفييتي في البحر المتوسط، من خلال ضم كل من تركيا واليونات كأعضاء في حلف الناتو.
إلى جانب التوترات التي شهدتها ممرات البحر المتوسط، شكل مضيق هرمز مركز الصراع بين إيران والعراق خلال حرب الخليج الأولى، كما شهد المضيق ما يعرف بـ«حرب ناقلات النفط» آنذاك. ومع اندلاع الثورة الإيرانية في عام 1979، اعتبر قادة النظام في طهران أن مضيق هرمز بات يمثل ورقة الضغط الرئيسية التي يمكن توظيفها لإدارة الصراع مع أي قوى دولية أو إقليمية، ولعل هذا ما تجسد بوضوح في حرب الخليج الأولى، بين عامي 1980-1988، عندما عمدت طهران إلى الرد على الهجمات العراقية التي استهدفت موانئها النفطية بشن هجمات ضد ناقلات النفط الخليجية، لا سيما الكويتية، ما دفع الأخيرة لطلب الدعم من الولايات المتحدة، والتي نفذت بدورها عملية «براينج مانتيس»، شنت خلالها عدة هجمات على السفن والمنصات الإيرانية في عام 1988.
ومن ناحية أخرى، شهدت قناة السويس جملة من الصراعات، كان أبرزها العدوان الثلاثي على مصر، في عام 1956، والذي أعقب قرار الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، بتأميم القناة. ناهيك عن الدور الذي لعبه مضيق باب المندب خلال حرب أكتوبر لعام 1973.
الممرات البحرية ومسارات الحروب الحديثة
كشفت الحروب والنزاعات الحديثة أن الممرات البحرية لم تعد طرقاً تجارية فحسب، لكنها تحولت إلى ساحات رئيسية للتنافس الجيوسياسي والمواجهات المفتوحة بين القوى الدولية المختلفة. ففي مارس 2022، أعلنت تركيا إغلاقها لمضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية، بعد أيام من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث اعتبرت أنقرة أنها تقوم بتنفيذ اتفاقية مونترو، والتي تنص على حق تركيا في منع السفن الحربية من استخدام المضيقين أثناء الحرب، لكن الاتفاقية تسمح أيضاً بعودة السفن غير المشاركة في القتال إلى موانئها.
وعلى جانب آخر، أظهرت الحرب في غزة الأهمية الجيوسياسية لمضيق باب المندب وقناة السويس، فقد شنت جماعة الحوثيين هجمات على سفن الشحن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كرد على الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، الأمر الذي أدى إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب، وكذا في قناة السويس، ورغم اتجاه القوات البحرية الغربية إلى مرافقة السفن التجارية في البحر الأحمر، ناهيك عن قصف الولايات المتحدة لمواقع الحوثيين في اليمن، بيد أن الحوثيين عمدوا إلى توسيع نطاق الهجمات، حيث أشارت بعض التقديرات الغربية إلى أن الحوثيين شنوا خلال الحرب في غزة قرابة الـ 500 هجوم في مضييق باب المندب والمناطق المحيطة به في البحر الأحمر وخليج عدن، ما أدى إلى إصابة أكثر من 100 سفينة في هذه المنطقة، فضلاً عن إجبار المزيد من السفن على تجنب الرحلات عبر باب المندب.
وفيما يتعلق بحالة مضيق هرمز، فعلى الرغم من الضربات القوية التي وجتها القوات الأمريكية للقوات البحرية الإيرانية، بيد أن ذلك لم يحل دون تصاعد حدة الصراع في مضيق هرمز، بسبب التهديدات الإيرانية للسفن العابرة في المضيق، ونشرها لاحقاً للألغام البحرية في المضيق، الأمر الذي أثر بشكل كبير على حركة التجارة والملاحة عبر مضيق هرمز، والتي انخفضت بحوالي 97 % بعد أول أسبوعين فقط من بداية الحرب، ما أدى إلى خسائر في عمليات شحن البضائع بنحو 2.4 مليار دولار يومياً.
وفي هذا السياق، برز مفهوم جديد يسمى بـ«قراصنة المضيق»، والذي يشير إلى مجموعة الفاعلين، من الدول أو الوكلاء أو المجموعات المسلحة، الذين يستخدمون الممرات البحرية كأداة ضغط جيوسياسي، ما يؤطر لمرحلة جديدة من الصراعات الإقليمية والدولية المرتبطة بالممرات البحرية، إذ يشير هذا المفهوم إلى تداخل القرصنة التقليدية مع الاستراتيجيات العسكرية الحديثة للدول. فلم تعد القرصنة مجرد مجموعة خارجة عن القانون، بل أضحت أداة رئيسة ضمن الصراعات الأشمل، ما يجعل من الصعب التمييز بين العمل العسكري الفعلي والعمليات غير النظامية، مع تحول القرصنة لجزء من لعبة التوازنات الإقليمية والدولية، وتصبح الممرات البحرية نقاط ابتزاز استراتيجية في مناطق الصراع.
كذا، مع عودة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للبيت الأبيض، في يناير 2025، طالب ترامب بضرورة مرور السفن الأمريكية، سواء التجارية أو العسكرية، في قناتي السويس وبنما مجاناً ودون دفع أي رسوم، وهو ما اعتبره البعض انعكاساً لطبيعة استخدام القوى الكبرى للممرات البحرية كإحدى أدواتها الرئيسية في الصراعات الجيوسياسية الراهنة.
من ناحية أخرى، برزت قناة بنما كساحة جديدة للصراع الدولي، فقد شهدت الآونة الأخيرة تصاعد حدة الاتهامات بين الولايات المتحدة والصين بشأن النفوذ في واحدة من أكثر طرق الشحن أهمية في العالم. ففي منتصف أبريل 2026، وجهت واشنطن وبعض حلفائها اتهامات لبكين باحتجاز سفن مرتبطة ببنما وتأخيرها، معتبرة أن التحركات الصينية كانت تستهدف تسييس التجارة البحرية. في المقابل، نفت بكين هذه الادعاءات، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة هي من سيطر على قناة بنما لسنوات طويلة، وأنها تسعى حالياً لتحويل هذا الممر البحري الدولي إلي جزء من أراضيها، بما يتجاهل سيادل دول المنطقة. لذا، يبدو أن القوى الدولية المتنافسة حالياً باتت أكثر استعداداً للانخراط في مواجهات مفتوحة للسيطرة على الممرات البحرية، باعتبارها محدداً حاسماً في المواجهات الاقتصادية والعسكرية المستقبلية.
مستقبل عسكرة الممرات البحرية
على جانب آخر، طرحت العديد من الأدبيات الغربية فكرة «عسكرة الممرات البحرية» كجزء من تحول هذه الممرات كسلاح استراتيجي يهدد الأمن الإقليمي والدولي، لا سيما في ظل تصاعد حدة التنافس الأمريكي – الصيني على النفوذ والهيمنة على مضيق ملقا، ناهيك عن التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز بسبب إغلاق إيران للمضيق وفرضها رسوماً على السفن العابرة، فضلاً عن الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على طهران.
وفي هذا السياق، ينذر التصعيد الحاد في الممرات البحرية، على غرار التوترات الراهنة في مضيق هرمز، إلى اتجاه القوى الدولية والإقليمية لاتخاذ خطوات تصعيدية مضادة، أو على الأقل تعزيز وجودها العسكري في هذه الممرات، سواء عبر شبكة من التحالفات الأمنية الواسعة أو من خلال نشر دوريات بحرية، بهدف ضمان حماية حرية الملاحة في هذه الممرات، وهو ما يزيد احتمالية الاحتكاك ورفع خطر التصعيد غير المقصود. على غرار التحركات الأوروبية الراهنة لتشكيل تحالفات جديدة وتعزيز حضورها العسكري لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وإلى جانب التداعيات الاقتصادية المباشرة لإغلاق إيران لمضيق هرمز، فقد أشارت بعض التقديرات الغربية إلى أن هذه الممارسات تكشف عن تحديات استراتيجية أوسع، إذ أنها تظهر كيف يمكن لدولة واحدة أن تحتجز الممرات البحرية الحيوية كرهائن، مع ممارستها ضغطاً جيوسياسياً بتكلفة منخفضة نسبياً.
أيضاً، فعملية نقل الطاقة عبر الممرات البحرية، والتي تشكل ركيزة أساسية للتجارة العالمية، لم تعد قاصرة على الخدمات اللوجستية المدنية فحسب، لكنها باتت جزءاً من النظام العسكري الاستراتيجي للدول، ومن ثم يتلاشى الخط الفاصل بين السفن التجارية والمنصات العسكرية بشكل كبير.
وفي الإطار ذاته، حذرت بعض التقديرات الأوروبية من التداعيات المحتملة للتحولات الهيكلية التي تشهدها الممرات البحرية في الوقت الراهن، فبينما حولت إيران مضيق هرمز إلى طريق برسوم مرور منذ بداية الحرب، حيث تفرض على السفن رسوماً لعبورها، في الوقت الذي تنفذ فيه البحرية الأمريكية حصاراً بحرياً في بحر العرب. وعلى الجانب الآخر، بدأ الحوثيون يناقشون إمكانية إنشاء نقطة تحصيل رسوم خاصة بهم عن مضيق باب المندب، كما طرح وزير المالية الإندونيسي فكرة فرض رسوم مماثلة على الشحن في مضيق ملقا، ورغم أن هذا المقترح الإندونيسي لا يزال مجرد فكرة، لكنه يعكس مؤشرات مهمة تتعلق بتداعيات النزاعات الراهنة في الممرات البحرية على مستقبل النظام البحري القائم على القواعد.
الختامة
عكست النزاعات والحروب المتزايدة في النظام الدولي الراهن الأهمية المتزايدة لأمن الممرات البحرية، والدور المحوري الذي يمكن أن تشكله هذه الممرات في مسارات الحروب الحديثة، خاصة بعدما باتت هذه الممرات جزءاً رئيسياً من هذه النزاعات. مع ترجيح احتمالية أن تظل الممرات البحرية بؤرة الصراعات الدولية خلال السنوات المقبلة، مع تنامي توظيفها كأدوات رئيسية للضغط الجيوسياسي والجيواقتصادي. كما يتوقع أن تعمل القوى الدولية الكبرى على تعزيز وجودها العسكري في الممرات البحرية الحيوية، ما سيزيد من وتيرة عسكرة هذه الممرات، من خلال إقامة قواعد عسكرية دائمة للقوى الدولية المتنافسة، ومن ثم جعل حركة الملاحة في هذه الممرات رهينة بالتوازنات العسكرية.
عدنان موسى
مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـــــ جامعة القاهرة










