يشهد المجال العسكري أحد أعمق التحولات الاستراتيجية منذ الثورة الصناعية، مع تحول الذكاء الاصطناعي من تقنية داعمة إلى ركيزة بنيوية تعيد تشكيل مفهوم القوة العسكرية والسيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي. فلم يعد التفوق العسكري يُقاس فقط بحجم القوات أو تطور منظومات التسليح، بل بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة من البيانات، وتحويلها في الزمن الحقيقي إلى قرارات عملياتية أكثر سرعة ودقة وفاعلية. وبهذا المعنى، أصبحت البيانات والخوارزميات والبنى الحاسوبية وشبكات الاتصال مكونات أساسية للقوة العسكرية، لا تقل أهمية عن المنصات القتالية التقليدية.

غير أن هذا التحول يطرح مفارقة استراتيجية عميقة. فالذكاء الاصطناعي يمنح الجيوش قدرات غير مسبوقة في الرصد والتحليل والتنبؤ ودعم القرار، لكنه يفتح في الوقت نفسه الباب أمام أشكال جديدة من التبعية التكنولوجية، حين تعتمد الدولة على برمجيات أو بنى تحتية أو خدمات رقمية لا تملك السيطرة الكاملة عليها. ومن ثم، لم تعد القضية الأساسية هي امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي في حد ذاتها، بل امتلاك القدرة على توظيفها دون أن تتحول إلى مصدر لتقييد القرار الوطني أو المساس بحرية الإرادة الاستراتيجية.
ومن هنا، لم تعد السيادة الرقمية مفهوماً تقنياً يقتصر على حماية البيانات أو الأمن السيبراني، بل غدت أحد الشروط الأساسية للسيادة العسكرية. وهي لا تعني تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، وهو هدف يصعب بلوغه في ظل الترابط العالمي لسلاسل الابتكار والتكنولوجيا، وإنما تعني قدرة الجيوش على إدارة تبعياتها الاستراتيجية من دون التفريط في سيطرتها الفعلية على قرارها، والتحكم في التقنيات الحيوية، وتنويع مصادرها، وضمان السيادة على البيانات والخوارزميات والبنية الرقمية التي تستند إليها منظوماتها الدفاعية. فامتلاك أحدث الأسلحة لا يكفل استقلال القرار إذا كانت البرمجيات التي تشغّلها، أو البيانات التي تغذّيها، أو الخدمات التي تضمن استمرارية عملها، خاضعة لإرادة أطراف خارجية قادرة على تقييدها أو تعطيلها أو تغيير شروط الوصول إليها..
وفي الوقت نفسه، لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على تطوير أدوات الحرب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل بنية المؤسسة العسكرية نفسها، وإعادة توزيع المعرفة والسلطة بين الدولة والقوات المسلحة، وشركات التكنولوجيا ومطوري البرمجيات والخوارزميات. ومع انتقال جزء متزايد من الخبرة والقدرة العملياتية إلى الفاعلين التكنولوجيين، تبرز أسئلة جديدة تتعلق بالحوكمة، والمسؤولية القانونية والأخلاقية، وحدود الاعتماد على القطاع الخاص في إنتاج القوة العسكرية، وكيفية ضمان بقاء القرار النهائي بشأن استخدام القوة قراراً بشرياً وسيادياً.
وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى مستقبل الحرب بوصفه نتيجة حتمية للتطور التقني وحده. فالتكنولوجيا لا تعمل في فراغ، بل تتشكل مساراتها ضمن سياقات سياسية واقتصادية وجيوسياسية، وتؤثر فيها مصالح الدول والشركات والعقائد العسكرية والسرديات التي تقدم بعض الخيارات التقنية باعتبارها مسارات لا بديل عنها. ومن ثم، فإن فهم الذكاء الاصطناعي العسكري يقتضي تجاوز المقاربة التقنية الصرفة، والنظر إليه بوصفه قضية استراتيجية تمس توزيع القوة، وإدارة التبعيات، ومستقبل السيادة الوطنية.
وانطلاقاً من هذا السياق، تهدف الدراسة إلى بيان أن التحدي الحقيقي للذكاء الاصطناعي العسكري لا يكمن في بناء جيوش أكثر ذكاءً فحسب، بل في القدرة على الدفاع دون ارتهان، عبر توظيف التكنولوجيا مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني والمسؤولية البشرية عن استخدام القوة. وفي ضوء ذلك، تنتظم الدراسة حول محورين مترابطين: يتناول الأول، «السيادة الرقمية العسكرية: ضمان حرية تشغيل القدرات الدفاعية وإدارتها وتطويرها»، تحول مركز الثقل من المنصات القتالية إلى البيانات والخوارزميات والبنية الرقمية، وما يترتب على ذلك من إعادة تعريف للسيادة والاستقلال الاستراتيجي. أما المحور الثاني، «بناء سيادة رقمية دفاعية»، فيبحث متطلبات الحوكمة، وإدارة التبعيات، وتطوير القدرات الوطنية، بما يضمن أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز السيادة لا مصدراً لتآكلها.
السيادة الرقمية العسكرية: ضمان حرية تشغيل القدرات الدفاعية وإدارتها وتطويرها
أحدثَ الذكاء الاصطناعي تحولاً بنيوياً في مفهوم القوة العسكرية، إذ لم يعد التفوق الاستراتيجي يُقاس فقط بحجم القوات أو تطور منظومات التسليح، وإنما بقدرة الجيوش على إنتاج المعرفة من البيانات وتحويلها إلى قرارات عملياتية سريعة ودقيقة. فالحروب التقليدية قامت على عناصر واضحة، مثل القدرة النارية، والجاهزية اللوجستية، والانتشار الجغرافي، والسيطرة على البر والبحر والجو، غير أن البيئة العسكرية المعاصرة أضافت بعداً جديداً يتمثل في التفوق المعلوماتي. ولم تعد البيانات مجرد عنصر مساعد في العمليات العسكرية، بل أصبحت المورد الاستراتيجي الذي تقوم عليه منظومات القيادة والسيطرة والاستطلاع والاستهداف، وأحد أهم محددات المبادأة في ساحة المعركة.
ويعود ذلك إلى أن المجال العملياتي أصبح فضاءً كثيف البيانات، تنتج فيه الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، والرادارات، وأجهزة الاستشعار، وأنظمة الملاحة، ومنصات المصادر المفتوحة، تدفقات متواصلة من المعلومات لا يستطيع الإنسان معالجتها بالسرعة والدقة المطلوبتين. وهنا برز الذكاء الاصطناعي باعتباره الوسيط القادر على تحويل هذا الفائض المعلوماتي إلى معرفة قابلة للاستخدام، من خلال دمج البيانات، واكتشاف الأنماط، وتحديد الأولويات، وبناء صورة عملياتية متكاملة تساعد القادة على اتخاذ القرار في الزمن الحقيقي. ولم يعد التفوق مرهوناً بامتلاك المعلومات وحدها، بل بالقدرة على تحويلها إلى فعل قبل أن يتمكن الخصم من القيام بالأمر نفسه.
وقد انعكس هذا التحول على دورة اتخاذ القرار العسكري، ولا سيما الحلقة المعروفة بـ«المراقبة–التوجيه–القرار–الفعل (OODA Loop»، التي أصبحت معياراً أساسياً لقياس الكفاءة العملياتية. فكلما تقلص الزمن الفاصل بين اكتشاف التهديد والاستجابة له، ازدادت قدرة القوات المسلحة على فرض إيقاع العمليات وتحقيق المبادأة. غير أن هذه السرعة لا تمثل ميزة مطلقة، لأنها قد تتحول إلى مصدر جديد للمخاطر إذا دفعت القادة إلى الاعتماد المفرط على التوصيات الخوارزمية تحت ضغط الزمن، أو إذا حدّت من فرص المراجعة البشرية والتقدير الاستراتيجي. ومن ثم، فإن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى الحكم البشري، بل يفرض إعادة تعريف العلاقة بين السرعة والدقة والمسؤولية.

وفي المقابل، تغيرت طبيعة ما يُعرف في الفكر العسكري بـ«ضباب الحرب». ففي الماضي، كان الغموض ينشأ أساساً من نقص المعلومات أو تأخر وصولها، أما اليوم فقد بات ينتج أيضاً عن فائض البيانات، أو تعارضها، أو تدني جودتها، أو تعرضها للتلاعب والتضليل. ولذلك، لم تعد الحرب مجرد صراع على السيطرة على الأرض أو تحييد قوات الخصم، بل أصبحت كذلك صراعاً على إنتاج المعرفة والتحكم فيها، وعلى القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، وبين الإشارة والضوضاء. وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لجمع المعلومات وتحليلها، بل أصبح أيضاً وسيلة لتقييم موثوقيتها، وربطها بالسياق العملياتي، وكشف محاولات الخداع التي تستهدف منظومات القيادة والسيطرة. وتكمن المفارقة في أن هذه المحاولات نفسها قد تكون منتجة أو معززة بالذكاء الاصطناعي، بما يحول ساحة المعركة إلى مواجهة بين أنظمة تستخدمه لإنتاج المعرفة، وأخرى توظفه لتزييفها وإرباكها.
ويقود هذا التحول إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة العسكرية. فقد ارتبطت السيادة تقليدياً باحتكار الدولة استخدام القوة داخل حدودها، وبامتلاكها مؤسسات عسكرية قادرة على حماية أراضيها واستقلالها. أما في البيئة الرقمية، فإن هذا المفهوم لم يعد يقتصر على امتلاك الوسائل المادية للقوة، بل أصبح يشمل القدرة على التحكم في المنظومة المعلوماتية التي تنتج القرار العسكري. فإذا كانت البيانات التي تعتمد عليها المؤسسة العسكرية تُجمع أو تُخزن أو تُعالج خارج سيطرة الدولة، أو إذا كانت الخوارزميات التي تدعم قراراتها مملوكة لجهات خارجية، فإن استقلال القرار يصبح معرضاً للتأثر بقيود تقنية أو سياسية لا تملك الدولة التحكم فيها. ومن هنا، أصبحت السيادة الرقمية أحد المكونات الجوهرية للسيادة العسكرية، لأنها تمثل الإطار الذي يضمن حرية الدولة في تشغيل قدراتها الدفاعية وإدارتها وتطويرها.
غير أن السيادة الرقمية لا تعني تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، لأن بنية الاقتصاد الرقمي العالمي تجعل إنتاج جميع التقنيات الحيوية داخل دولة واحدة هدفاً يصعب تحقيقه. فصناعة أشباه الموصلات، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل توريد المكونات الإلكترونية، أصبحت تعتمد على شبكات عالمية معقدة من التخصص والإنتاج. ولذلك، فإن الاستقلال الاستراتيجي لا يقوم على إنكار التبعيات، وإنما على إدارتها بصورة تقلل من آثارها وتمنع تحولها إلى أدوات للضغط السياسي أو العسكري. فالدولة ذات السيادة ليست تلك التي لا تعتمد على الآخرين، وإنما التي تستطيع اختيار طبيعة اعتمادها، وتنويع شركائها، والحفاظ على قدرتها على مواصلة العمل حتى في حال تعطل أحد مصادر التكنولوجيا أو تغير البيئة السياسية.
وتتضح أهمية هذا المنظور في علاقات الدول مع حلفائها وشركائها التكنولوجيين. فالاعتماد على خدمات فضائية، أو معلومات استخبارية، أو منصات حوسبة، أو شبكات اتصالات يوفر للدول قدرات عملياتية يصعب تحقيقها منفردة، لكنه قد يقيد في الوقت نفسه هامش المناورة إذا أصبح استمرار تلك القدرات مرتبطاً بإرادة الطرف المزود أو بشروطه السياسية. ولذلك، فإن معيار السيادة لا يتمثل في غياب الاعتماد على الخارج، بل في قدرة الدولة على منع تحول هذا الاعتماد إلى تبعية استراتيجية تمس استقلال قرارها العسكري.
وتزداد هذه الإشكالية مع انتقال القيمة العسكرية من المنصات إلى البرمجيات. فالمنظومات الدفاعية الحديثة لم تعد منتجات تُقتنى مرة واحدة، بل أصبحت تعتمد على تحديثات مستمرة، وخدمات رقمية، وحوسبة سحابية، وتطوير متواصل للخوارزميات. وبذلك، تدخل الدولة في علاقة طويلة الأمد مع المورد لا تقتصر على شراء السلاح، وإنما تشمل تشغيله وصيانته وتحديثه وإدارة بياناته. وفي حال غياب الضمانات الكافية، قد يتحول هذا الاعتماد إلى ما يعرف بالاحتجاز التقني، حيث يصبح تغيير المورد أو استبدال المنظومة مكلفاً أو معقداً إلى درجة تؤثر في الجاهزية القتالية، وهو ما يحد من حرية القرار الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، برز المجمع العسكري–التكنولوجي بوصفه أحد أهم الفاعلين في البيئة الدفاعية الجديدة. فلم تعد شركات التكنولوجيا مجرد موردين للبرمجيات أو الخدمات، بل أصبحت شريكاً رئيسياً في إنتاج القوة العسكرية، من خلال تطوير الخوارزميات، وإدارة البيانات، وتشغيل البنى السحابية، وتوفير حلول الذكاء الاصطناعي. ونتيجة لذلك، انتقل جزء من المعرفة والخبرة والقدرة التشغيلية من المؤسسات العسكرية إلى القطاع التكنولوجي، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والشركات الخاصة، وفي آليات الحوكمة والرقابة والعقود الدفاعية، بما يضمن ألا تتحول السيطرة على التكنولوجيا إلى مصدر للتأثير في القرار السيادي.
وعليه، فإن الذكاء الاصطناعي لا يعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية فحسب، بل يعيد أيضاً صياغة مفهوم السيادة ذاته. فلم يعد امتلاك أحدث الأسلحة كافياً لضمان الاستقلال إذا كانت الدولة لا تملك السيطرة على البيانات التي تغذي هذه الأسلحة، أو الخوارزميات التي تديرها، أو البنية الرقمية التي تضمن استمرار عملها. ومن ثم، أصبحت السيادة الرقمية تمثل الأساس الذي تقوم عليه السيادة العسكرية في القرن الحادي والعشرين، وأصبح الدفاع في عصر الذكاء الاصطناعي يبدأ من امتلاك القرار قبل امتلاك السلاح، ومن التحكم في المعرفة قبل التحكم في المنصة القتالية، لأن القوة الحقيقية لم تعد تكمن فيما تمتلكه الدولة من أدوات، بل فيما تملكه من قدرة على إدارتها بصورة مستقلة وآمنة ومستدامة.

AI technology in the army. Warfare analytic operator using vr virtual reality glasses checking coordination of the military team with tablet device augmented reality operating troops outdoors
بناء سيادة رقمية دفاعية: الحوكمة والاستقلال الاستراتيجي في عصر الذكاء الاصطناعي
إذا كان الذكاء الاصطناعي قد أعاد تعريف مفهوم القوة العسكرية والسيادة الرقمية، فإن التحدي الاستراتيجي لم يعد يتمثل في امتلاك هذه التقنيات بحد ذاتها، بل في القدرة على توظيفها ضمن منظومة دفاعية تحافظ على استقلال القرار الوطني وتمنع تحوله إلى رهينة للتبعيات الرقمية. فالتاريخ العسكري يبين أن التفوق لا يتحقق بمجرد امتلاك التكنولوجيا، وإنما بقدرة الدولة على دمجها في مؤسسات فعالة، وعقيدة عسكرية واضحة، ومنظومة حوكمة توازن بين الكفاءة والسيطرة. ومن ثم، فإن الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه غاية في ذاته، بل باعتباره أداة استراتيجية تعتمد قيمتها على طريقة تصميمها وإدارتها وإخضاعها للرقابة المؤسسية.
ويمثل الحفاظ على الإنسان في مركز القرار العسكري الركيزة الأولى لبناء سيادة رقمية دفاعية. فالأنظمة الذكية تمتلك قدرة متزايدة على تحليل البيانات، والتنبؤ بالسيناريوهات، وتقديم توصيات عملياتية بسرعة تفوق قدرة الإنسان، إلا أن القرار العسكري، ولا سيما المتعلق باستخدام القوة، لا يقوم على الحسابات الاحتمالية وحدها، بل يتضمن اعتبارات قانونية وسياسية وأخلاقية واستراتيجية لا يمكن اختزالها في نماذج خوارزمية. لذلك، ينبغي أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة لدعم القرار، لا بديلاً عنه، وأن يحتفظ القائد العسكري بالقدرة الفعلية على مراجعة مخرجات النظام وفهمها والاعتراض عليها عند الضرورة.
وتزداد أهمية هذا المبدأ مع تنامي ظاهرة «التحيز نحو الأتمتة»، حيث يميل الأفراد إلى الثقة في توصيات الخوارزميات حتى عندما تتعارض مع خبرتهم أو معطيات الواقع، خاصة إذا صدرت بسرعة وبدت أكثر دقة وموضوعية. وقد يؤدي ذلك إلى تحول الإنسان من صانع للقرار إلى مجرد مصادق عليه، وهو ما يفرغ الرقابة البشرية من مضمونها. ومن هنا، فإن السيطرة البشرية الفعالة لا تعني مجرد وجود الإنسان داخل حلقة اتخاذ القرار، وإنما امتلاكه الوقت والمعرفة والسلطة الكافية لفهم منطق النظام، وتقييم مخاطره، واتخاذ قرار مستقل بشأن توصياته. ويرتبط ذلك مباشرة بقضية قابلية تفسير الخوارزميات. فكلما ازدادت نماذج الذكاء الاصطناعي تعقيداً، ازدادت صعوبة تفسير الكيفية التي وصلت بها إلى نتائجها، وهو ما يطرح إشكالية «الصندوق الأسود». ولا تمثل هذه الإشكالية تحدياً تقنياً فحسب، بل تمس جوهر السيادة الوطنية، لأن الدولة لا تستطيع أن تبني قراراتها العسكرية على منظومات لا تعرف حدودها أو مصادر انحيازها أو آليات عملها. ولذلك، تصبح قابلية تفسير الأنظمة الذكية، وإمكانية تدقيقها ومراجعتها، جزءاً من متطلبات الحوكمة الدفاعية، لا مجرد ميزة تقنية إضافية.
كما يفرض الذكاء الاصطناعي إعادة النظر في مفهوم المسؤولية داخل المؤسسة العسكرية. ففي النظم التقليدية كانت المسؤولية ترتبط بسلسلة قيادة بشرية واضحة، أما في البيئات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، فإن القرار يصبح نتيجة تفاعل بين مطوري البرمجيات، ومهندسي البيانات، وموردي التكنولوجيا، والقادة العسكريين، والمشغلين. ومن ثم، لا يجوز اختزال المسؤولية في الشخص الذي نفذ القرار، بل ينبغي توزيعها على مختلف الأطراف التي شاركت في تصميم النظام واعتماده وتشغيله، بما يضمن عدم تحول التعقيد التقني إلى وسيلة لإخفاء المسؤولية أو التنصل منها.
ولا تقتصر آثار الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل القرار العسكري، بل تمتد إلى تغيير البيئة السياسية لاستخدام القوة. فالأنظمة غير المأهولة تقلل المخاطر التي يتعرض لها الجنود، وهو مكسب عسكري وإنساني مهم، إلا أنها قد تخفض أيضاً الكلفة السياسية للحرب، بما يجعل اللجوء إلى القوة أكثر سهولة من منظور صانع القرار. فكلما انخفضت الخسائر البشرية المباشرة، تراجعت القيود السياسية والمجتمعية التي كانت تجعل الحرب خياراً استثنائياً. ولذلك، لا ينبغي تقييم الذكاء الاصطناعي العسكري فقط من خلال كفاءته العملياتية، وإنما أيضاً من خلال أثره في طبيعة القرار السياسي، وفي آليات الرقابة الديمقراطية على استخدام القوة.
وفي السياق ذاته، برز مفهوم «الحرب الخوارزمية» الذي يفترض أن التفوق العسكري المستقبلي سيكون قائماً على أتمتة أكبر عدد ممكن من الوظائف العسكرية، من جمع المعلومات وتحليلها إلى التخطيط والاستهداف واللوجستيات. ورغم ما يوفره هذا النموذج من سرعة وكفاءة، فإنه يحمل خطر اختزال الحرب في مشكلة بيانات يمكن حلها بخوارزمية أكثر تطوراً. والحقيقة أن الحرب ستظل ظاهرة سياسية وإنسانية معقدة، تتداخل فيها الإرادة والهوية والثقافة والإدراك، وهي عناصر لا يمكن استيعابها بالكامل داخل نماذج رياضية أو إحصائية.
وانطلاقاً من ذلك، فإن بناء سيادة رقمية دفاعية يتطلب امتلاك القدرة على نقد السرديات التكنولوجية السائدة، التي تقدم الأتمتة الكاملة أو القيادة الاصطناعية باعتبارها مستقبلاً حتمياً. فهذه التصورات ليست حقائق علمية بقدر ما هي خيارات استراتيجية تعكس مصالح اقتصادية ورؤى مؤسسية وعقائد عسكرية محددة. ولذلك، ينبغي أن تمتلك كل دولة تصورها الخاص لتوظيف الذكاء الاصطناعي بما يتوافق مع مصالحها وأولوياتها الأمنية، بدل الاكتفاء باستيراد النماذج الجاهزة التي تطورها القوى التكنولوجية الكبرى.
ويستدعي تحقيق ذلك الاستثمار في بناء القدرات الوطنية، سواء من خلال تطوير رأسمال بشري يجمع بين الخبرة العسكرية والكفاءة الرقمية، أو عبر تعزيز التعاون بين القوات المسلحة والجامعات ومراكز البحث والصناعة الوطنية. كما يتطلب إصلاح سياسات الاقتناء العسكري، بحيث لا تقتصر العقود على شراء المنصات، بل تشمل ضمانات تتعلق بملكية البيانات، وإمكانية الوصول إلى البرمجيات، واستمرارية التحديثات، وتجنب الاحتجاز التقني لدى مورد واحد. ويوازي ذلك إنشاء آليات وطنية دائمة لتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي العسكري، تتولى مراجعة الأنظمة بصورة دورية، وقياس أثرها في العقيدة العسكرية، واختبار مدى توافقها مع متطلبات السيادة والاستقلال الاستراتيجي.
وفي المقابل، لا تعني السيادة الرقمية الانغلاق أو رفض التعاون الدولي، بل تعني تنظيم الاعتماد المتبادل بطريقة تمنع تحوله إلى تبعية استراتيجية. فالتعاون مع الحلفاء يظل ضرورة في ظل تعقيد الابتكار وارتفاع تكاليفه، لكنه ينبغي أن يقوم على تنويع الشراكات، وتوزيع المخاطر، والحفاظ على السيطرة الوطنية على الوظائف الدفاعية الحرجة. وبهذا المعنى، تصبح السيادة الرقمية مشروعاً مؤسسياً وسياسياً طويل الأمد، لا مجرد مشروع تقني.
خاتمة
إن بناء سيادة رقمية دفاعية يمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي في عصر الذكاء الاصطناعي. فالتفوق العسكري في المستقبل لن يُقاس بامتلاك أكثر الخوارزميات تطوراً فحسب، بل بقدرة الجيوش على إدماجها في منظومة حوكمة متماسكة تضمن حرية القرار الوطني، وتدير التبعيات التكنولوجية، وتحافظ على المسؤولية البشرية والقانونية والأخلاقية عن استخدام القوة.
ومن ثم، لا تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي العسكري في قدرته على تسريع القرار أو زيادة الكفاءة وحدهما، بل في مدى خضوعه لأهداف الدولة وسيطرتها المؤسسية واستقلال إرادتها الاستراتيجية. وعندئذٍ فقط يصبح الذكاء الاصطناعي رافعة لتعزيز السيادة، لا مدخلاً لتآكلها، ويتحول مفهوم «الدفاع دون ارتهان» من شعار نظري إلى مبدأ عملي يعيد تعريف الأمن القومي في البيئة الرقمية، ويحدد قدرة الدول على حماية مصالحها وممارسة سيادتها والحفاظ على استقلال قرارها في الحروب والأزمات المقبلة.
الأستاذ الدكتور وائل صالح مدير بمركز تريندز للبحوث والاستشارات بفرنسا وكندا










