تشهد ساحات القتال الحديثة تطوراً متسارعاً مع تزايد تعقيد المتطلبات العملياتية وتداخل المجالات المختلفة، ما يفرض على الصناعات الدفاعية تطوير حلول قادرة على استباق الاحتياجات المستقبلية، وليس الاستجابة للتحديات الراهنة فحسب. وفي هذا السياق، التقت مجلة «الجندي» بالسيد حمد سالم العامري، الرئيس التنفيذي لشركتي «كركال» و«كركال للذخائر الخفيفة»، للحديث عن فلسفة الشركة الهندسية، ومعايير التميز في صناعة الدفاع، ونقل التكنولوجيا الإماراتية إلى الشركاء الدوليين، إلى جانب أهمية التكامل بين الأسلحة والذخائر، ودور «كركال» في دعم القاعدة الصناعية الوطنية، وأهمية التواصل المباشر مع المستخدمين في تطوير المنتجات، وأجرَت معه الحوار التالي:

تشهد ساحات القتال الحديثة تزايداً في التعقيد وتعدد المجالات. كيف تضمن «كركال» أن تستبق فلسفتها الهندسية المتطلبات العملياتية المستقبلية، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لتحديات اليوم؟
نحن نصمم منصات متكاملة، وليس أسلحة مخصصة لغرض واحد فقط. فقد تظل البندقية التي تدخل الخدمة اليوم مع الجندي لمدة 15 عاماً، ولذلك فإن السؤال لا يقتصر على ما ينبغي أن تؤديه الآن، بل يشمل أيضاً ما يجب أن تكون قادرة على استيعابه في المستقبل. ومن هذا المنطلق، تحتل قابلية التعديل والتطوير موقعاً محورياً في فلسفتنا الهندسية، بما يشمل توفير أنظمة الغاز القابلة للضبط، والسبطانات بأطوال متعددة، وأنظمة السكك المجهزة لاستيعاب ملحقات وتقنيات قد لا تكون موجودة بعد. وتجسد بندقية القنص متعددة العيارات «CSRM»، التي كشفت عنها الشركة خلال معرض «آيدكس 2025»، هذا التوجه بوضوح؛ إذ تتيح منصة واحدة استخدام عدة عيارات، بما يمكّن المستخدم من تكييفها وفق متطلبات المهمة، بدلاً من استبدال السلاح بالكامل.. كما نتابع مسار تطور السلاح الفردي، ولا سيما الاتجاه المتزايد نحو التكامل بين المناظير وبيانات المستشعرات، ونصمم أنظمتنا منذُ البداية بما يتيح دمج هذه التقنيات متى أصبح العملاء مستعدين لاعتمادها.
تولي «كركال» أهمية كبيرة للهندسة الدقيقة والاختبارات الصارمة. من وجهة نظركم، ما الذي يحدد التميز في صناعة الدفاع، وكيف ترسخون هذه الثقافة في مختلف أنحاء المؤسسة؟
يظهر التميز الحقيقي عندما لا يكون هناك من يراقب؛ فعلى سبيل المثال، عندما يعمل السلاح بصورة صحيحة بعد تعرضه للسقوط في الرمال، ثم للمياه، أو عند تركه في درجات حرارة شديدة. وهذه الجودة قابلة للقياس، ونحن نقيسها بالفعل.
تُصنع أسلحتنا وفق معايير حلف شمال الأطلسي «الناتو» و«CIP»، كما يجري مختبرنا المتخصص اختبارات شاملة للمواد والمنظومات المتكاملة ضمن ظروف تحاكي مختلف البيئات التشغيلية، وذلك قبل وصول أي منتج إلى العميل.
وفي العام الماضي، وقعنا اتفاقية مع «توازن للجودة والمطابقة» بهدف تعزيز عمليات التحقق من معايير السلامة في أسلحتنا وذخائرنا. وتنطلق ثقافة الجودة لدينا من هذا الانضباط؛ فعندما يدرك المهندس أن المكوّن الذي يصممه سيخضع لاختبارات تصل إلى حد التدمير، وأن جندياً سيعتمد على نتيجة عمله، فإن الالتزام بأعلى معايير الجودة يصبح جزءاً أساسياً من طريقة التفكير والعمل.

نقلت «كركال» تكنولوجيا التصنيع إلى شركاء في الهند. ماذا تكسب دولة الإمارات من تصدير المعرفة والخبرة، وليس المنتجات فقط؟
نحن نتحدث هنا عن النفوذ، وعن نمط مختلف من العلاقات. فعندما تبيع منتجاً تنتهي المعاملة عند تسليمه، أما عندما تنقل التكنولوجيا اللازمة لتصنيعه، فإنك تنشئ شريكاً تعمل صناعته وفق معايير أنت من وضعها، وتتحول العلاقة من صفقة محدودة المدى إلى شراكة يمكن أن تمتد لعقود.
وقد كانت اتفاقيتنا مع شركة «ICOMM» أول عملية لنقل تكنولوجيا الأسلحة الخفيفة من دولة الإمارات إلى الهند، والآن يتم إنتاج أكثر من 60% من مكونات كل سلاح ناري هناك.
وهذا يعزز مكانة دولة الإمارات باعتبارها دولة تطور وتنتج التكنولوجيا الدفاعية، وليس دولة تكتفي باستهلاكها. وبالنسبة إلى دولة بحجم الإمارات، يمثل ذلك تحولاً كبيراً في القدرات والمكانة على حد سواء.
أعادت «كركال» تأسيس «كركال للذخائر الخفيفة» في عام 2025، لتعود صناعة الذخائر إلى نطاق سيطرتكم. ماذا يعني للمستخدم النهائي أن تقوم الشركة نفسها بتصنيع السلاح والذخيرة؟
السلاح الناري وذخيرته يشكلان نظاماً واحداً، رغم أن قطاعنا تعامل معهما لفترة طويلة باعتبارهما عنصرين منفصلين. فضغط الحجرة ووزن المقذوف ومعدل احتراق البارود عوامل تحدد آلية عمل السلاح، ومعدل تآكله، ومدى حفاظه على دقته عند الرماية للمسافات البعيدة.
وعندما يكون كلا العنصرين تحت مظلة واحدة، يمكننا مواءمة خصائص كل منهما مع الآخر، بدلاً من تصميم بندقية ثم الاعتماد على أن تتوافق معها الذخيرة المتاحة.
وبالنسبة إلى الجندي، يظهر ذلك في صورة اتساق أكبر؛ إذ يحافظ السلاح على نقطة الإصابة ذاتها ومستوى الاعتمادية ذاته طلقة بعد أخرى. وقد أسهمت إعادة «كركال للذخائر الخفيفة» إلى نطاق سيطرتنا في عام 2025 في إغلاق هذه الحلقة، كما عززت إمدادات دولة الإمارات من الذخائر ذات العيارات الصغيرة.
وضع «مشروع 300 مليار» أهدافاً لبناء القاعدة الصناعية في دولة الإمارات. وباعتبار «كركال» أول مصنع للأسلحة النارية في دول مجلس التعاون الخليجي، كيف تقيسون مساهمتها في تحقيق هذه الطموحات الوطنية؟ أقيس مساهمتنا من خلال ثلاثة محاور رئيسية.
أولاً، تأمين الإمدادات السيادية؛ فلم تعد دولة الإمارات تعتمد على موافقات خارجية لتسليح قواتها بأسلحة خفيفة، كما أن منتجاتنا تقع خارج نطاق لوائح «الاتجار الدولي بالأسلحة (ITAR) »، وبالتالي لا يعتمد شركاؤنا الذين يشترون منتجاتنا عليها أيضاً.
ثانياً، القيمة المحلية المضافة. فكل مكوّن ندخله ضمن الإنتاج المحلي، وكل مورد نعتمده داخل الدولة، يسهم في تعميق قاعدة صناعية لم تكن موجودة قبل عقدين.
وثالثاً، وهو الجانب الأقل ظهوراً، يتمثل في الكوادر البشرية. فالمهندسون الذين يصممون أحدث أنظمتنا نشأوا في دولة لم تكن لديها صناعة للأسلحة النارية على الإطلاق.

وعادة ما تتم مناقشة «مشروع 300 مليار» من خلال الأرقام، لكن الأثر الحقيقي والأكثر استدامة يتمثل في بناء قدرات راسخة تبقى داخل الدولة. مع تزايد أهمية الملاحظات العملياتية طوال دورة حياة المنتج، ما مدى أهمية الحوار مع المستخدمين النهائيين في دفع الابتكار الفعلي والتحسين المستمر؟
إنها أهم المدخلات التي نحصل عليها. فالمواصفات تخبرك بما يجب أن يحققه السلاح، لكن المستخدمين النهائيين يخبرونك بما يعنيه حمله فعلياً وتنظيفه وتشغيله تحت الضغط وفي الظروف الميدانية. والتفاصيل التي لا تظهر أبداً في وثيقة المناقصة تأتي من هذا الحوار؛ مثل الأخاديد الموجودة في موضع إدخال مخزن الذخيرة، والتي تتيح للجندي تغيير المخزن في الظلام، أو غطاء منفذ الإخراج الحاصل على براءة اختراع، والمصمم لمنع الرمال من الوصول إلى الأجزاء الداخلية المتحركة في السلاح. لقد أمضيت ما يقارب عقدين في هذا القطاع، بما في ذلك سنوات بالزي العسكري، وأعرف الفرق بين سلاح يؤدي مهمته في ميدان الرماية وآخر يواصل أدائها في اليوم الثالث من عملية ميدانية.
ونحن نصمم أسلحتنا لتؤدي مهمتها في اليوم الثالث، لا في ميدان الرماية وحسب.
هل تود توجيه رسالة عبر مجلة «الجندي» إلى المجتمع الدفاعي بشكل عام، أو في دولة الإمارات بشكل خاص؟
إلى مجتمع الدفاع في دولة الإمارات، أقول إن القدرات السيادية لم تعد طموحاً هنا، بل أصبحت واقعاً عملياً.
عندما تأسست «كركال» في عام 2007، لم تكن في المنطقة صناعة للأسلحة النارية على الإطلاق. أما اليوم، فتخدم الأسلحة التي صممها إماراتيون قواتنا المسلحة، وتنافس بجدارة في أسواق تتجاوز حدود المنطقة بكثير. وهذا التقدم يعود إلى القوات المسلحة الإماراتية بقدر ما يعود إلينا؛ إذ إن ثقتها بنا واستعدادها لاختبار منتجاتنا بصدق وصراحة أسهما في تحقيق ذلك. أما إلى المجتمع الدفاعي الأوسع، ولا سيما الشباب الإماراتي الذين يفكرون في اختيار مسارهم المهني، فأقول إن هذه الصناعة توفر اليوم فرص عمل ذات أهمية وطنية حقيقية. فالأشخاص الذين سيصممون الأسلحة التي ستحملها قواتنا في عام 2040 يجلسون اليوم في الجامعات، ونحن نتطلع بشدة إلى لقائهم.

» حوار الجندي










