لطالما شكلت الطاقة وتوافرها في مواقع العمليات الأمامية أحد أكبر التحديات اللوجستية التي تواجه الجيوش خلال المعارك الكبرى. فتحقيق النصر في الحروب طويلة الأمد يتطلب السيطرة على إمدادات الطاقة. ولعل هذا ما دفع بعض التقديرات الغربية للتأكيد على حاجة القوات البحرية الأمريكية لإمدادات ثابتة من الطاقة في أي صراع محتمل مستقبلاً في منطقة غرب المحيط الهادئ. وبينما تحتاج إمدادات الطاقة التقليدية، كالنفط والغاز، إلى نقلها عبر الشحن، ما يجعلها عرضةً للاستهداف وقطع خطوط الإمداد، طرحت بعض الأدبيات فكرة تطوير أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية كمسار بديل، يمكن من خلاله تعزيز استمرارية إمدادات الطاقة خلال الحروب المستقبلية.

في إطار التوجهات الدولية الراهنة للتحول نحو مصادر الطاقة النظيفة منخفضة الكربون، ناهيك عن مساعي الدول المختلفة لتعزيز سيادتها الاستراتيجية في مجال الطاقة، تبرز «الطاقة الحرارية الأرضية»، كخيار واعد يمكن أن يعيد من هيكلة توازنات الطاقة العالمية. تعمل محطات الطاقة التقليدية والنووية على توليد الكهرباء باستخدام زيت الوقود أو الأنشطار النووي لتوليد البخار وغلي الماء وتدوير التوربينات. ورغم أن الطاقة الحرارية الأرضية لا تختلف كثيراً عن ذلك، بيد أنها لا تتطلب وقوداً لتوليد الكهرباء، حيث تعتمد أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية على استغلال تدفق السوائل الأرضية، سواء كانت مياهاً أو بخاراً، عند درجات حرارة مرتفعة، ما يسهم في إنتاج الطاقة.
وتشير التقديرات إلى أن استخدام الطاقة الحرارية الأرضية يرجع لعقود طويلة ماضية، حيث استخدم البشر حرارة باطن الأرض لأغراض عديدة، منها التدفئة والطهي. حيث تحتوي الصخور والسوائل الموجودة أسفل القشرة الأرضية على هذه الطاقة الحرارية، والتي تتولد على عمق يصل لحوالي 4000 ميل تحت سطح القشرة الداخلية للأرض. وتعد هذه الطاقة من مصادر الطاقة المستدامة التي يمكن الاستفادة منها لتلبية الاحتياجات المتزايدة للطاقة في العالم.
وتربط بعض الدراسات البداية الفعلية لاستخدام الطاقة الحرارية الأرضية بعام 1904، في لارديريلو بإيطاليا، من خلال مولد تجريبي بقدرة 10 كيلوواط. أعقب ذلك إنشاء وحدة تجارية بقدرة 250 كيلوواط، في عام 1913. وظلت إيطاليا تعد المولد الصناعي الوحيد في العالم للكهرباء التي تولد من خلال الطاقة الحرارية الأرضية، حتى عام 1958، عندما انخرطت نيوزيلندا في هذا المجال، بإنشاء وحدة توليد قدرتها 11.2 ميغاواط في وايراكي. وبحلول عام 1967، بدأت مجموعة من الدول، مثل المكسيك وروسيا والولايات المتحدة، في إنشاء محطات توليد للطاقة الحرارية الأرضية. وفي عام 1970، انضمت أيضاً اليابان والصين وآيسلندا. وقد نما استخدام هذا النوع من الطاقة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بمعدل 6.2 % سنوياً. وقد بدأت البحرية الأمريكية في استخدام هذه التقنية في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وذلك في محطة الأسلحة الجوية في «تشاينا ليك» بكاليفورنيا.
وتستخدم أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية في ثلاثة مجالات رئيسية: يتمثل الأول في الاستخدام المباشر، مثل أنظمة التدفئة المركزية، ومضخات الحرارة للمباني الفردية، وتوليد الكهرباء. وتنطوي تقنيات توليد الكهرباء من الطاقة الحرارية الأرضية على فئتين، هما: أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية التقليدية، وأنظمة الطاقة الحرارية الأرضية من الجيل التالي. وتصنف الأخيرة، بحسب التقنية المستخدمة، إلى أنظمة حرارية أرضية محسنة (EGS)، والتي تحتاج للتكسير الهيدروليكي لإنشاء خزان، والأنظمة الحرارية الأرضية المتقدمة (AGS)، والتي تعتمد على نظام مغلق بديل لنظام خزان الصخور المكسرة.
ويمكن الحصول على الطاقة الحرارية الأرضية من خلال مصدرين رئيسيين: يشير الأول إلى المياه الجوفية الحارة، أما الثاني فيتمثل في الصخور الساخنة في الأعماق البعيدة تحت سطح الأرض. وتعتمد فكرة تحويل هذه الطاقة إلى كهرباء على ثلاث طرق رئيسية: محطات البخار الجاف، ومحطات البخار السريع، بالإضافة لمحطات الكهرباء ذات الدورة الثنائية. وتشير التقديرات إلى أن قارتي آسيا وأوقيانوسيا تشكلان أكبر قدرة مركبة من الطاقة الحرارية الأرضية.
ومن حيث درجة الحرارة، ثمة نوعان رئيسيان لمصادر الطاقة الحرارية الأرضية في العالم، يتمثل الأول في خزانات الطاقة الحرارية الأرضية عالية المحتوى الحراري، والتي تتجاوز درجة حرارتها 200 درجة مئوية، بينما يتمثل النوع الثاني في خزانات تخزين الطاقة الحرارية منخفضة المحتوى الحراري، والتي لا تتجاوز درجة حرارتها 150 درجة مئوية. وتعمل العديد من الدول حالياً على اكتشاف وتطوير اكتشافتها من الطاقة الحرارية الأرضية، على غرار إيطاليا ونيوزيلندا والمكسيك وآيسلندا.
وقد كان إنتاج الطاقة مقصوراً سابقاً على المصادر التي تزيد درجة حرارتها على 150 درجة مئوية، لكن مع التطورات التي لحقت بتقنيات محطات الطاقة الحرارية الأرضية، بات بالإمكان إنتاج الطاقة الكهربائية من مصادر تصل درجة حرارتها إلى 90 درجة مئوية فقط، وذلك باستخدام عملية دورة «رانكين العضوية»، في وحدات طاقة ثنائية.
وفي هذا الإطار، تقوم «الرابطة الدولية للطاقة الحرارية الأرضية» (IGA) بتنظيم «المؤتمر العالمي للطاقة الحرارية الأرضية» (WGC)، كل خمس سنوات، لمناقشة مستقبل وابتكارات هذا القطاع الحيوي، وكان المؤتمر الأول قد عقد في إيطاليا عام 1995. وقد تم الاتفاق على عقد المؤتمرات كل ثلاث سنوات، لذا استضافت الصين مؤتمر عام 2023، ثم كندا في عام 2026. وستعقد الدورة القادمة لهذا المؤتمر عام 2029 في كينيا، والتي تحولت خلال السنوات الأخيرة لمركز قوة للطاقة الحرارية الأرضية في القارة الإفريقية. في السياق ذاته، أطلقت «الوكالة الدولية للطاقة المتجددة» (IRENA)، في عام 2015، مبادرة «التحالف العالمي للطاقة الحرارية الأرضية» (GGA)، بهدف تحقيق زيادة بمقدار خمس أضعاف توليد الطاقة الحرارية الأرضية بحلول عام 2030.
وفي ديسمبر عام 2022، بلغت القدرة المركبة للطاقة الحرارية الأرضية في العالم، حوالي 16.318 ميغاواط، موزعة على 32 دولة، بإجمالي 198 حقلاً حرارياً أرضياً قيد التشغيل. وتشكل هذه القدرة نسبة ضئيلة، تبلغ حوالي 0.16 %، من إجمالي القدرة المركبة لتوليد الكهرباء في العالم، والتي بلغت في العام ذاته حوالي 10,216,390 ميغاواط. بينما بلغ حجم إنتاج الكهرباء من الطاقة الحرارية الأرضية من هذه الحقول مجتمعة، في عام 2021، حوالي 96.552 غيغاواط/ساعة، بنسبة تبلغ 0.34 % من إجمالي الإنتاج العالمي من الكهرباء، و0.87 % من إجمالي الطاقة العالمية النظيفة منخفضة الكربون.
وتتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول الرائدة في مجال الطاقة الحرارية الأرضية، تشكل 22.2 % من إجمالي الطاقة الحرارية الأرضية في العالم، ويعد حقل (Geysers) في كاليفورنيا هو الأكبر في العالم للطاقة الحرارية الأرضية، تليها إندونيسيا، بنسبة 14.1 %، ثم الفلبين بنسبة 11.5 %، وتركيا بنسبة 8.4 %، ثم إيطاليا بنسبة 7.5 %، ثم اليابان والمكسيك بنسبة 6.1 %، وكينيا بنسبة 5.7 %. وتشكل الكهرباء المولدة من الطاقة الحرارية الأرضية أكثر من 10 % من إجمالي الكهرباء المولدة في سبع دول، أبرزها كينيا وآيسلندا والسلفادور. ويتوقع أن تشهد السنوات المقبلة مزيداً من التحول نحو استخدام الطاقة الحرارية الأرضية، لا سيما في ظل الاهتمام الدولي المتزايد بالتغيرات المناخية ومحاولة الحفاظ على الاحتباس الحراري دون عتبة 1.5 درجة مئوية.
الأهمية الاستراتيجية لأنظمة الطاقة الحرارية الأرضية
لطالما شكلت الاستخدامات المباشرة للطاقة الحرارية الأرضية إحدى الممارسات التقليدية الراسخة في العالم، حيث تشير التقديرات إلى أن سكان اليابان كانوا يعتمدون بشكل كبير على الطاقة الحرارية الأرضية للأغراض المنزلية، بينما اسخدمت دول أخرى الينابيع الساخنة في الزراعة وتربية الأحياء المائية. لكن، بمرور الوقت أصبح لهذه الطاقة استخدامات واسعة النطاق، بدايةً من التدفئة المركزية، كما هو الحال في آيسلندا والصين، وتدفئة البيوت الزجاجية في المجر، والاستخدامات الصناعية في نيوزيلندا، وصولاً للاستخدامات العسكرية لتعزيز المرونة والسيادة الاستراتيجية.
تنطوي أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية على جملة من المزايا الرئيسية، يتمثل أبرزها في صعوبة استهداف مصادر الطاقة الحرارية أو تدميرها، بالإضافة لذلك تعد هذه الأنظمة أقل خطورة مقارنةً بمحطات الطاقة النووية أو البترولية. على جانب آخر، وعلى عكس الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يمكن لمحطات الطاقة الحرارية الأرضية أن تعمل بشكل مستمر وبكامل طاقتها. كما يمكن استخدام أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية لإنتاج وقود الهيدروجين. بالإضافة لذلك تتسم محطات الطاقة الحرارية الأرضية بانخفاض تكلفة تشغيلها.
من ناحية أخرى، وباعتبارها مصدراً متجدداً للطاقة، يمكن للطاقة الحرارية الأرضية أن تسهم في تدفئة المباني وتوليد الطاقة الحرارية بشكل مستمر دون انبعاثات خطيرة، إذ تطلق محطات توليد الطاقة الحرارية الأرضية حوالي 13-380 غراماً من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط/ساعة من الكهرباء، مقارنة بحوالي 453 غراماً لمحطات توليد الطاقة التي تستخدم الغاز الطبيعي، و906 غرامات للمحطات التي تعمل بالنفط، وحوالي 1042 غراماً للمحطات التي تعمل بالفحم.
كذا، يمكن لأنظمة الطاقة الحرارية الأرضية المحسنة أن تضاهي الطاقة النووية، من حيث صلابتها وقدرتها على إنتاج الحرارة للمباني والتدفيئة المركزية والعمليات الصناعية، لكنها تتميز عن الطاقة النووية في أنها لا تنتج نفايات شديدة الإشعاع تجعلها بحاجة إلى إدارة متخصصة ومكلفة. بالإضافة لذلك، يتطلب استخراج الطاقة الحرارية الأرضية من باطن الأرض العديد من التقنيات والقدرات ذاتها التي تتطلبها عملية استخراج النفط والغاز، وتشير بعض التقديرات إلى أنه يمكن نقل 80 % من المهارات المستخدمة في الهيدروكربونات إلى مجال الطاقة الحرارية الأرضية، إذ يمكن توظيف مهارات العاملين في قطاع النفط والغاز للعمل في قطاع الطاقة الحرارية الأرضية. علاوةً على ذلك، لا تعاني سلاسل إمداد الطاقة الحرارية الأرضية من نقاط الضعف ذاتها التي تعاني منها المصادر الأخرى منخفضة الكربون، مثل الطاقة الشمسية التي تواجه هشاشة كبيرة في سلاسل إمدادها، مع تركز أكثر من 80 % من طاقة إنتاجها العالمية في الصين، كما تعتمد في انتاجها على كثير من المدخلات الصينية.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن إنتاج الطاقة الحرارية الأرضية يتوقع أن يلبي نحو 15 % من نمو الطلب العالمي على الكهرباء بحلول عام 2050، بإنتاج يقدر بحوالي 6000 تيراواط/ ساعة سنوياً، بما يعادل الاستهلاك الحالي للولايات المتحدة والهند مجتمعتين، وهو ما سيعادل استثمارات محتملة تصل لحوالي 140 مليار دولار.
وفي هذا السياق، يمكن للطاقة الحرارية الأرضية أن تعزز من مرونة وكفاءة وقوة القواعد العسكرية الأمريكية، إذ تشكل الطاقة الخارجية لهذه القواعد عنصراً رئيسياً للنفقات المباشرة واللوجستية، ناهيك عن كونها نقطة ضعف جوهرية، لذا يمكن لأنظمة الطاقة الحرارية الأرضية أن توفر إمدادات للطاقة، بموثوقية أكبر وتكلفة اقتصادية أقل، ومن ثم مرونة أكبر للمنشآت العسكرية في الخارج، ما يعزز من تخطيطها الاستراتيجي.
الدور الحاسم لإمدادات الطاقة في الحروب
تعد مصادر الطاقة ركيزة أساسية للعمليات العسكرية، لذا أصبحت الطاقة، محوراً للمنافسة والصراعات العالمية، في إطار المنافسة على السيطرة على الطاقة، وقد بدأ أول التغيرات الكبرى في هذا الشأن مع بداية العصر الصناعي، حيث برزت آثارها خلال الحرب الأهلية الأمريكية، في الفترة 1861 – 1865، عندما كانت الولايات الشمالية تمتلك الفحم بينما تسيطر الولايات الجنوبية على القطن، وقد ساعد الفحم ولايات الشمال على تطوير الصلب ومحركات البخار، ومن ثم تطويرها للسكك الحديدية التي نقلت القوات والإمدادات بشكل سريع، فضلاً عن مساعدتها في استخدام السفن البخارية لفرض الحصار، الأمر الذي منح قوات الشمال، بقيادة أبراهام لينكولن، ميزة استراتيجية في مواجهة الجنوب. وتكرر تأثير الدور الاستراتيجي للفحم في الحرب الفرنسية – البروسية، في عام 1870، وكذا في الحرب الروسية اليابانية (1904 – 1905).
ومع بداية الحرب الحرب العالمية الأولى، بدأت حقبة جديدة للدور الاستراتيجي للطاقة في الحروب، من خلال التحول للنفط كبديل للفحم، فمنذ عام 1911، أمر رئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشيرشل، البحرية الملكية باستبدال نظام الدفع القائم على الفحم بنظام جديد يعتمد على النفط، حيث كان الأخير يصدر دخاناً أفتح لوناً، ما يجعله أقل وضوحاً. وقد ترسخ هذا الاتجاه خلال عمليات الحرب العالمية الأولى، من خلال اعتماد الطائرات والدبابات على النفط. كما اصبحت امدادات النفط قضية محورية، لذا نشطت شركات النفط البريطانية في وقت مبكر بمنطقة الشرق الأوسط وبلاد فارس. وفي ديسمبر 1917، أرسل رئيس الوزراء الفرنسي، جورج كليمنصو، برقية عاجلة، إلى الرئيس الأمريكي، وودرو ويلسون، بأن «البنزين لا يقل أهميةً عن الدم خلال المعارك».
وجاءت الحرب العالمية الثانية لتزيد من أهمية النفط في الحروب، بل إن الوصول إلى امدادات النفط والطاقة أسهم بدور كبير في تحديد مسار هذه الحرب، فقد أدى الحظر النفطي الأمريكي المفروض على طوكيو إلى الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر، وكذا لتوسيع طوكيو لإمبراطوريتها الآسيوية، لتشمل إندونيسيا وبورما الغنيتين بالنفط. بالإضافة لذلك، اتخذ هجوم هتلر على الاتحاد السوفييتي منعطفاً حاسماً عندما حول قواته بعيداً عن موسكو نحو منطقة القوقاز الغنية بالنفط وكذا مداخل ستالينغراد. وعلى المنوال ذاته، أسهمت حملة القصف التي شنها قوات الحلفاء على منشآت الوقود الألمانية، خلال الفترة 1944 – 1945، في إنهيار آلة الحرب النازية. وفي السياق ذاته، أنشأت الولايات المتحدة «إدارة البترول للحرب»، لتعزيز التعاون مع الشركات لخاصة بهدف تسريع عملية الإنتاج، وقد ساعدت هذه الخطوة توفير قرابة 85 % من إجمالي استهلاك الحلفاء من النفط والبنزين من خلال المصادر المحلية الأمريكية. وفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية تزايدت الاهمية الاستراتيجية لمصادر الطاقة، خاصةً منذ سبعينات القرن الماضي، عندما فرضت الدول المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط حظراً نفطياً.
وعلى المنوال ذاته، عكست الصراعات الحديثة، خلال السنوات الأخيرة، الأهمية الاستراتيجية لمصادر الطاقة في الحروب، وهو ما انعكس بشكل واضح في الحرب الروسية – الأوكرانية، وكذا الحرب الإيرانية، حيث تحولت الطاقة إلى ساحة معركة مباشرة، وتحولت البنية التحتية للطاقة لأهداف مباشرة في الصراعات. لذا، أظهرت هذه النزاعات أن خطوط إمدادات الطاقة، بما في ذلك الوقود والبطاريات والمكونات الإلكترنية، لا تزال تشكل نقطة ضعف رئيسية. وفي هذا السياق، تشير بعض التقارير الغربية إلى أن هناك تحولات عالمية راهنة في قطاع الطاقة، حيث يشهد قطاع الطاقة المتجددة ازدهاراً ملحوظاً، وهو ما انعكس بوضوح في الاستثمارات العالمية للتكنولوجيا النظيفة التي تجاوزت في عام 2025 استثمارات الوقود الأحفوري، لتصل إلى حوالي 2.2 تريليون دولار. وقد بدأت التداعيات العسكرية للتحول في قطاع الطاقة تتضح، لا سيما في ظل التراجع الحاد في القدرات الأوروبية، على سبيل المثال، على تكرير الوقود الأحفوري السائل، رغم الارتفاع الكبير في الطلب. وفي السياق ذاته، شكلت الطائرات المسيرة، التي تعمل بالبطاريات، حوالي 70 % من إجمالي الخسائر في ساحات المعارك في الحرب الروسية-الأوكرانية. ومن هذا المنطلق، أضحت الجيوش بحاجة ماسة لإمدادات موثوقة من الكهرباء، بل يرجح أن يزداد الطلب على هذه الامدادات، لا سيما مع تنامي انتشار الأسلحة كثيفة الاستهلاك للطاقة، على غرار أجهزة الليزر المضادة للمسيرات ومعدات التشويش على الإشارات، فضلاً عن التوسع المطرد في استخدام الكهرباء في المركبات العسكرية.
أنظمة الطاقة الحرارية وامدادات الطاقة خلال الحروب
تميل القواعد العسكرية حالياً إلى الاتصال بشبكات الكهرباء باستخدام مولدات الديزل، غير أن هذا النظام بات يتسم بهشاشة كبيرة، حيث تعد امدادات الوقود نقطة ضعف حرجة في حال نشوب نزاعات بين قوات متكافئة، أو حتى قريبة منها. وفي هذا السياق، بدأت العديد من التقارير الغربية في الإشارة إلى ضرورة التحول نحو الطاقة المتجددة كخيارات واعدة لتعزيز المرونة والاستقلالية الاستراتيجية للجيوش خلال النزاعات والحروب، وطرحت هذه التقارير مجموعة من البدائل المحتملة في هذا الإطار، منها التوجه نحو البطاريات المحمولة والمدعومة بتوليد الطاقة الشمسية أو الرياح، غير أن هذا النوع من الطاقة لا يزال يواجه إشكالية رئيسية تتعلق بصعوبة توفيره لتدفقات كهربائية مستقرة. لذا اتجهت الأدبيات نحو خيارات أخرى أكثر استقراراً، مثل «المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة» (SMRs) ومشروعات الطاقة الحرارية الأرضية، فقد بدأ الجيش الأمريكي في اختبار بعض هذه المفاعلات المتنقلة، ويعمل مشروع «بيلي» حالياً على تطوير مفاعلات صغيرة يمكن نقلها عبر حاويات الشحن. ورغم ذلك لا تزال هذه المفاعلات تنطوي على تحديات تقنية وأمنية واسعة. لذا، تشير هذه التقارير إلى أن مشروعات الطاقة الحرارية الأرضية قد تشكل الخيار الأكثر موثوقيةً واستقراراً، وربما يدعم هذا الطرح التجارب التي أجرتها القوات الجوية الأمريكية على هذه المشروعات في كاليفورنيا.
كذا، أشارت بعض التقارير الأمريكية إلى أن هناك إشكالية كبرى تواجه القوات البحرية الأمريكية في أي صراع محتمل مستقبلاً في منطقة غرب المحيط الهادئ، تتعلق بتأمين إمدادات الطاقة في مواقع العمليات الأمامية، حيث تحتاج المنشآت العسكرية الأمريكية في هذه المنطقة، لا سيما في غوام والفلبين وجزر ألوشيان وهاواي وأوكيناوا، إلى امدادات ثابتة من النفط والغاز، تُنقل معظمها عن طريق الشحن، ما يجعلها عرضةً للتهديد وقطع الإمداد في أي صراع مستقبلي. وفي هذا الإطار، اعتبرت هذه التقارير أن الاتجاه للاعتماد على محطات الطاقة الحرارية الأرضية قد يجعل العديد من منشآت العمليات الأمامية في هذه المنطقة مكتفيةً ذاتياً من الطاقة، ومحصنةً ضد أي هجمات في الصراعات المستقبلية. وتجدر الإشارة إلى أن أغلبية المنشآت العسكرية الأمريكية الرئيسية في منطقة غرب المحيط الهادئ تقع بالقرب من مناطق الطاقة الحرارية الأرضية النشطة في المحيط الهادئ. بالتالي، يمكن استخدام الحرارة الموجودة بالقرب من هذه القواعد في تطوير أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية، الأمر الذي قد يساعد البحرية الأمريكية من تجاوز عبء لوجستيات الطاقة، ومن ثم تعزيز قدرتها على نشر القوة.
وفي السياق ذاته، أطلقت القوات الجوية الأمريكية مشروعاً مبتكراً لتزويد قاعدة «سان أنطونيو المشتركة» في تكساس بالطاقة، وذلك من خلال الاعتماد على تقنية الطاقة الحرارية الأرضية، بالتعاون مع شركة «إيفور» الكندية، وشركة «تشيسابيك إنرجي» الأمريكية. ويأتي هذا المشروع اتساقاً مع مبادرة وزارة الحرب الأمريكية بشأن توسيع الاعتماد على الطاقة الحرارية الأرضية في غالبية المنشآت العسكرية الأمريكية، لضمان توفير طاقة مستدامة، في ظل التحديات التي باتت تواجه الوزارة في هذا المجال. ففي إطار هذه المبادرة، دخلت وحدة الابتكار الدفاعي (DIU) في شراكة مع القوات الجوية والبحرية والبرية ومشاة البحرية الأمريكية، لتطوير القدرات الأمريكية في الطاقة الحرارية الأرضية، بالتعاون مع ست شركات متخصصة في هذا المجال، هي: «إيفور» و«فيرفو إنرجي» و«جرينفاير إنرجي» و«سيج جيوسيستمز» و«تيفرا» و«زانسكار».
وفي إطار الهيمنة الصينية المتنامية على مصادر الطاقة المتجددة، تنظر الولايات المتحدة للطاقة الحرارية الأرضية باعتبارها مجالاً حيوياً يمكنها من خلاله التعامل مع ريادة الصين في مجال الطاقة النظيفة، حيث تمثل هذه الطاقة مجالاً نادراً تتمتع فيه الشركات الأمريكية بميزة تنافسية مقابل الهيمنة الصينية على سلاسل امداد الطاقة النظيفة، ناهيك عن تطلعات واشنطن لتوظيف هذه الطاقة لتعزيز استقرار امداداتها من الطاقة في أي مواجهات عسكرية مستقبلية. لا سيما وأن الابتكارات الحديثة جعلت إنشاء محطات الطاقة الحرارية الأرضية أكثر سهولة. فسابقاً، كان نشر هذا النوع من الطاقة يعتمد بالأساس على تكوينات جيولوجية طبيعية في أعماق ضحلة، الأمر الذي كان يحصر معظم المواقع المناسبة لهذا في المناطق القريبة من «حزام النار»، وهي سلسلة من البراكين الممتدة على مسافة 25 ألف ميل حول المحيط الهادئ، غير أن الابتكارات الجديدة جعلت الطاقة الحرارية الأرضية متاحة في أغلب أنحاء العالم تقريباً. لذا، تسعى الولايات المتحدة الاستفادة من الخبرات التي انبثقت عن مشروع «يوتا فورج»، التابع لوزارة الطاقة الأمريكية لتطوير وتحسين تقنيات الطاقة الحرارية الأرضية، بالإضافة لمحاولة العمل على الاستفادة من قاعدة رأس المال المادي وسلاسل التوريد والقدرات التقنية في قطاع النفط والغاز لنقلها إلى إنتاج الطاقة الحرارية الأرضية.
على جانب آخر، تنطوي الطاقة الحرارية الأرضية على بعد جيواستراتيجي أوسع نطاقاً من مجرد الاستخدام العسكري المباشر، وهو ما انعكس في ارتدادات الحرب الروسية – الأوكرانية، والتي كشفت هشاشة الاعتماد الأوروبي على مصادر الطاقة الروسية، بالتالي، بدأت بعض الأدبيات في طرح الطاقة الحرارية الأرضية كخيار استراتيجي يمكن للقوى الأوروبية توظيفه لتعزيز استقلاليتها الاستراتيجية.
في السياق ذاته، تعتمد تايوان بشكل شبه كامل على إمدادات الطاقة المستوردة من الخارج عبر البحر، إذ تحصل تايبيه على نحو 97 % من طاقتها من خلال الشحن البحري، ويمثل الغاز الطبيعي المسال المصدر الرئيسي لتلبية احتياجات تايوان من الطاقة والكهرباء، وهو ما يشكل نقطة ضعف حرجة للجزيرة قد تعرضها لتهديدات كبيرة حال أي حصار صيني مستقبلي. في الوقت ذاته، عمدت تايوان إلى إغلاق آخر مفاعل نووي لديها، في مايو 2025، كانت تستخدمه في توليد الكهرباء، ورغم وجود مساع للحكومة التايوانية لإعادة النظر في خياراتها للطاقة النووية، بيد أن هذا الخيار لا يزال يلقى معارصة داخلية. وفي هذا السياق، بدأت تايوان العمل على التوسع في الاعتماد على الطاقة الحرارية الأرضية، لتعزيز استقلاليتها من الطاقة، وتجنب الأزمات المستقبلية حال اندلاع أي مواجهات محتملة مع الصين.
فرص وتحديات قائمة
على الرغم من الاسهام المحدود حالياً للطاقة الحرارية الأرضية في هيكل الطاقة العالمية، لكنها تظل ذات أهمية كبيرة بالنسبة لبعض الدول، لا سيما تلك الواقعة في بعض المناطق الجغرفية ذات النشاط البركاني، مثل المكسيك وإيطاليا وتركيا والأكوادور، إذ يتوقع أن تكثف هذه الدول جهودها لتطوير هذا النوع من الطاقة، ناهيك عن التحركات الأمريكية الراهنة، التي تقودها وحدات الجيش الأمريكي، لتحسين تقنيات الطاقة الحرارية الأرضية، وتوسيع الاعتماد عليها. وربما يدعم هذا التوجه الزيادة المحتملة لحاجة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي للطاقة، ما قد يدفع الشركات التكنولوجية العملاقة للاستثمار في الطاقة الحرارية الأرضية، ولعل هذا ما اعلنته مجموعة (Meta) الأمريكية بشأن رغبتها في شراء الطاقة الحرارية الأرضية.
في المقابل، لا يزال التوسع المستقبلي في استخدام الطاقة الحرارية الأرضية يتطلب التعامل مع بعض التحديات القائمة، بما في ذلك بعض المخاطر البيئية التي يمكن أن تتمخض عنها، فضلاً عن القبول الاجتماعي في مناطق إنشاء هذه المحطات. بالإضافة لذلك، رغم انخفاض تكلفة إنتاج الطاقة الحرارية الأرضية مقارنةً بالعقود السابقة، بيد أن تكلفة عملية الحفر لا تزال مرتفعة نسبياً، ناهيك عن عدم اليقين المرتبط بجودة الموارد الجوفية في المرحلة الأولى من أي مشروع مرتبط بهذه الطاقة. على جانب آخر، رغم أن الأنظمة الحرارية الأرضية المحسنة (EGS) ساعدت على توسيع النطاق الجغرافي لحقول الطاقة الحرارية الأرضية، فإن الجدوى الاقتصادية لهذه الطاقة لا تزال مرتبطة بمناطق النشاط الجيولوجي، ومن ثم تبقى هذه الطاقة في مرحلة إثبات الجدوى وليس الانتشار الواسع.
وفي الختام، تعكس الطاقة الحرارية الأرضية دوراً مزدوجاً في سياق الصراعات والحروب المستقبلية، فهي من ناحية، تشكل أداة تحصين ومرونة، يمكنها أن تحمي القواعد والبنية التحتية العسكرية من أي استهداف لوجستي لخطوط الإمداد، ومن ناحية أخرى، تمثل أداة استقرار جيوسياسي، تساعد في تقليل الاعتمادية على الخصوم المحتملين في توريد الطاقة. بالتالي، يمكن للطاقة الحرارية الأرضية أن تحول نقاط الضعف الطاقوية التقليدية لنقاط قوة في الصراعات المستقبلية.
عدنان موسى مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـــــ جامعة القاهرة









