Field Commanders Under Pressure copy

القادة الميدانيون تحت الضغط دروس من الحرب في أوكرانيا

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬درجة‭ ‬التعقيد‭ ‬المصاحبة‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تؤكد‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬القادة‭ ‬الميدانيين،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المكونات‭ ‬البرية،‭ ‬سيواجهون‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التحديات،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الميزات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الجيوش‭ ‬الحديثة‭.‬‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬التقنيات‭ ‬العسكرية‭ – ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والضربات‭ ‬الدقيقة‭ – ‬فإن‭ ‬القائد‭ ‬الميداني‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يواجه‭ ‬إشكاليات‭ ‬تقليدية‭ ‬متكررة‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬الحروب‭: ‬إدارة‭ ‬المناورة‭ ‬تحت‭ ‬النيران،‭ ‬تأمين‭ ‬الإمداد،‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تماسك‭ ‬الوحدات،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يسودها‭ ‬الغموض‭ ‬والضغط‭ ‬الزمني‭.‬

يعكس‭ ‬هذا‭ ‬التشابه‭ ‬في‭ ‬التحديات‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الحروب،‭ ‬مهما‭ ‬تطورت‭ ‬أدواتها،‭ ‬تظل‭ ‬محكومة‭ ‬بثوابت‭ ‬ميدانية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬البرية‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاحتكاك‭ ‬المباشر،‭ ‬وتعدد‭ ‬المتغيرات،‭ ‬وحساسية‭ ‬الزمن‭ ‬والمكان‭. ‬فالقائد‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬يواجه،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الجوهر،‭ ‬تحديات‭ ‬قريبة‭ ‬مما‭ ‬واجهه‭ ‬قادة‭ ‬الحروب‭ ‬السابقة،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬الوسائل‭ ‬والأدوات‭. ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬بيئة‭ ‬القتال‭ ‬الحالية،‭ ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للكشف‭ ‬بفعل‭ ‬قدرات‭ ‬الاستشعار‭ ‬والمراقبة‭ ‬المستمرة،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتطلب‭ ‬نفس‭ ‬المهارات‭ ‬الأساسية‭: ‬التقدير‭ ‬السليم،‭ ‬المرونة،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭.‬

بيئة‭ ‬قتالية‭ ‬مكشوفة‭: ‬نهاية‭ ‬حرية‭ ‬المناورة‭ ‬التقليدية

تحوّلت‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬شبه‭ ‬شفافة،‭ ‬نتيجة‭ ‬الاستخدام‭ ‬الكثيف‭ ‬للطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬ووسائل‭ ‬الاستطلاع‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قلّص‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬المناورة‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬اعتمدت‭ ‬عليها‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬بإمكان‭ ‬القائد‭ ‬الميداني‭ ‬حشد‭ ‬قواته‭ ‬أو‭ ‬نقل‭ ‬احتياطاته‭ ‬أو‭ ‬تنفيذ‭ ‬مناورة‭ ‬مفاجئة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عرضة‭ ‬للكشف‭ ‬والاستهداف‭ ‬خلال‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭. ‬وقد‭ ‬تجلّى‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬التحركات‭ ‬الميدانية‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبح‭ ‬أي‭ ‬تجمع،‭ ‬ولو‭ ‬محدوداً،‭ ‬هدفاً‭ ‬محتملاً‭ ‬لنيران‭ ‬المدفعية‭ ‬أو‭ ‬الضربات‭ ‬الدقيقة‭.‬

ويظهر‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬بجلاء‭ ‬في‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬جبهات‭ ‬مثل‭ ‬باخموت‭ ‬وزابوريجيا،‭ ‬حيث‭ ‬واجهت‭ ‬القوات‭ ‬صعوبة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬اختراقات‭ ‬سريعة‭ ‬بسبب‭ ‬انكشاف‭ ‬تحركاتها،‭ ‬ما‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬أساليب‭ ‬تقدم‭ ‬بطيئة‭ ‬ومتدرجة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاستنزاف‭ ‬بدل‭ ‬المناورة‭ ‬الواسعة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬الأرتال‭ ‬المتحركة‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬نتيجة‭ ‬رصدها‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الاستطلاع‭ ‬المختلفة،‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بسرعة‭ ‬القوات،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬بصمتها‭ ‬والتخفي‭ ‬أثناء‭ ‬الحركة‭.‬

في‭ ‬السياق،‭ ‬تحوّلت‭ ‬المعركة‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬المناورة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬دقيقة،‭ ‬حيث‭ ‬يُستهدف‭ ‬أي‭ ‬هدف‭ ‬فور‭ ‬اكتشافه،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬حجمه‭. ‬وقد‭ ‬فرض‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬القادة‭ ‬الميدانيين‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬العمل،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقليل‭ ‬التجمعات،‭ ‬وتجزئة‭ ‬الوحدات،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬المتقطعة‭ ‬والتمويه‭ ‬المستمر‭. ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬تنفيذها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُكتشف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬القتال‭ ‬البري‭ ‬المعاصر‭.‬

استغلال‭ ‬الفرص‭ ‬وضغط‭ ‬القرار

أصبح‭ ‬ضغط‭ ‬القرار‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬التحديات‭ ‬إلحاحاً‭ ‬على‭ ‬القادة‭ ‬الميدانيين،‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬زمن‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬نتيجة‭ ‬التسارع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬الاستهداف،‭ ‬فبمجرد‭ ‬رصد‭ ‬الهدف‭ ‬–‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬وسيلة‭ ‬الرصد‭ ‬–‭ ‬تكون‭ ‬الفرصة‭ ‬سانحة‭ ‬لتوجيه‭ ‬النيران‭ ‬الموجهة‭ ‬والدقيقة‭ ‬خلال‭ ‬دقائق،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬القائد‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬سريعة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتسم‭ ‬بنقص‭ ‬المعلومات‭ ‬وعدم‭ ‬اكتمال‭ ‬الصورة‭ ‬العملياتية‭. ‬وقد‭ ‬برز‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬غالبية‭ ‬المعارك،‭ ‬حيث‭ ‬أدت‭ ‬سرعة‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الاستهداف‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬هامش‭ ‬المناورة،‭ ‬وجعل‭ ‬أي‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬يعني‭ ‬غالباً‭ ‬تعريض‭ ‬القوات‭ ‬للكشف‭ ‬والاستهداف‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يواجه‭ ‬القائد‭ ‬معضلة‭ ‬مستمرة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬السرعة‭ ‬والدقة،‭ ‬فالقرار‭ ‬المتأخر‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬المبادرة‭ ‬أو‭ ‬تدمير‭ ‬القوة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬المتسرع،‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬غير‭ ‬مكتملة،‭ ‬قد‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬خسائر‭ ‬ذاتية‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬توظيف‭ ‬الموارد‭. ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬ويتعاظم‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬مع‭ ‬ازدياد‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأنظمة‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والقدرات‭ ‬الاستشعارية‭ ‬المتقدمة‭.‬

إن‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬القادة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬قرار‭ ‬عالية‭ ‬الضغط‭. ‬وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬أهمية‭ ‬التدريب،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬التدريب‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬وتطوير‭ ‬مهارات‭ ‬استغلال‭ ‬الفرص‭ ‬اللحظية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬متغيرة‭. ‬كما‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تعزيز‭ ‬مبادئ‭ ‬قيادة‭ ‬المهمة،‭ ‬وتمكين‭ ‬المستويات‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬سريعة‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬نية‭ ‬القائد‭ ‬الأعلى،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الزخم‭ ‬العملياتي‭. ‬وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬فإن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬السريع‭ ‬والدقيق‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬ستظل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محددات‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬الحديثة‭ ‬والمستقبلية‭.‬

تعقيد‭ ‬العمليات‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات

تُجسّد‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬نموذجاً‭ ‬واضحاً‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـالحرب‭ ‬المعقدة‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬القائد‭ ‬الميداني‭ ‬يدير‭ ‬قوات‭ ‬برية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يعمل‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬قتالية‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة‭ ‬تشمل‭ ‬المسيّرات،‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬الفضاء‭ ‬السيبراني،‭ ‬والنيران‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الحروب،‭ ‬تتقاطع‭ ‬المعلومات‭ ‬مع‭ ‬النيران،‭ ‬ويصبح‭ ‬التفوق‭ ‬مرهوناً‭ ‬بقدرة‭ ‬القائد‭ ‬على‭ ‬دمج‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬عملياتي‭ ‬واحد‭ ‬يحقق‭ ‬التأثير‭ ‬المطلوب‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬والمكان‭ ‬المناسبين‭.‬

أظهرت‭ ‬العمليات‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ – ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المكونات‭ – ‬يؤدي‭ ‬حتماً‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬فرص‭ ‬حاسمة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تعطيل‭ ‬العمليات‭ ‬بالكامل‭. ‬فقد‭ ‬تكرر‭ ‬رصد‭ ‬أهداف‭ ‬عبر‭ ‬مسيّرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجانبين،‭ ‬دون‭ ‬استثمار‭ ‬هذه‭ ‬المعلومة‭ ‬بسبب‭ ‬تأخر‭ ‬الربط‭ ‬مع‭ ‬وحدات‭ ‬النيران،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬التشويش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬الاتصالات،‭ ‬ما‭ ‬يقطع‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬الاستشعار‭ ‬والتنفيذ‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬التنسيق‭ ‬الفاعل‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬يتيح‭ ‬تحقيق‭ ‬تأثير‭ ‬مضاعف،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬المعلومات‭ ‬إلى‭ ‬نيران‭ ‬دقيقة‭ ‬خلال‭ ‬زمن‭ ‬قصير‭.‬

إن‭ ‬التحدي‭ ‬الرئيسي‭ ‬أمام‭ ‬القائد‭ ‬الميداني‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬كل‭ ‬مجال‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التكامل‭ ‬بينها‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬عملياتية‭ ‬ديناميكية‭.‬‭ ‬ويتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬مستوى‭ ‬عالياً‭ ‬من‭ ‬الفهم‭ ‬المشترك،‭ ‬وآليات‭ ‬قيادة‭ ‬وسيطرة‭ ‬مرنة،‭ ‬وتدريباً‭ ‬يركّز‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬التخصصات‭ ‬المختلفة‭. ‬كما‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬بل‭ ‬وأن‭ ‬يتعاظم‭ ‬مع‭ ‬تسارع‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬التعقيد‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬المجالات‭ ‬المختلفة‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬معايير‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭.‬

اللوجستيات‭ ‬تحت‭ ‬الاستهداف

لم‭ ‬تعد‭ ‬اللوجستيات‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬مجرد‭ ‬وظيفة‭ ‬دعم،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬اشتباك‭ ‬رئيسية‭ ‬تُستهدف‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬ضمن‭ ‬منطق‭ ‬الاستنزاف‭ ‬الدقيق‭. ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬العمليات‭ ‬منذ‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬للحرب‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬التشكيلات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬خطوط‭ ‬إمداد‭ ‬طويلة‭ ‬ومكشوفة،‭ ‬حيث‭ ‬واجهت‭ ‬بعض‭ ‬الأرتال‭ ‬صعوبات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬الوقود‭ ‬والذخيرة،‭ ‬وتعرضت‭ ‬مراكز‭ ‬التخزين‭ ‬ونقاط‭ ‬النقل‭ ‬لضربات‭ ‬متكررة‭ ‬عبر‭ ‬المدفعية‭ ‬الدقيقة‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬القتال،‭ ‬أصبح‭ ‬استهداف‭ ‬المواقع‭ ‬اللوجستية‭ – ‬مثل‭ ‬مستودعات‭ ‬الذخيرة،‭ ‬نقاط‭ ‬التزود‭ ‬بالوقود،‭ ‬الجسور‭ ‬وخطوط‭ ‬المواصلات‭ – ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬أدوات‭ ‬إضعاف‭ ‬الخصم،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تقييد‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬أو‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬القتال‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يتقاطع‭ ‬عاملا‭ ‬حماية‭ ‬القوة‭ ‬والادامة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أن‭ ‬القوات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تولي‭ ‬مهام‭ ‬إخفاء‭ ‬تحركاتها‭ ‬أو‭ ‬توزيع‭ ‬مواردها‭ ‬أو‭ ‬تأمين‭ ‬عمقها‭ ‬اللوجستي،‭ ‬تصبح‭ ‬عرضة‭ ‬لضربات‭ ‬دقيقة‭ ‬لإضعاف‭ ‬القدرة‭ ‬القتالية‭ ‬للقوات‭ ‬دون‭ ‬الاضطرار‭ ‬إلى‭ ‬الاشتباك‭ ‬المباشر‭ ‬معها‭. ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬الضربات‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬مستودعات‭ ‬الذخيرة‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬خلال‭ ‬صيف‭ ‬2022،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬نوفا‭ ‬كاخوفكا‭ ‬وميليتوبول،‭ ‬حيث‭ ‬أدى‭ ‬تدمير‭ ‬هذه‭ ‬المخازن‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬كثافة‭ ‬نيران‭ ‬المدفعية‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬التشكيلات‭ ‬الروسية،‭ ‬واضطرارها‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬مخزوناتها‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬خط‭ ‬الجبهة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬العمليات‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬واضطرارها‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬مخزوناتها‭ ‬إلى‭ ‬مسافات‭ ‬أبعد،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬سرعة‭ ‬الإمداد‭ ‬وكفاءة‭ ‬العمليات‭. ‬كما‭ ‬برز‭ ‬مثال‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬للحرب،‭ ‬عندما‭ ‬تعرضت‭ ‬أرتال‭ ‬لوجستية‭ ‬طويلة‭ ‬ومكشوفة‭ ‬للاستهداف‭ ‬نتيجة‭ ‬ضعف‭ ‬التمويه‭ ‬والحماية،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تعطّل‭ ‬تقدمها‭ ‬وفقدان‭ ‬الزخم‭ ‬العملياتي،‭ ‬رغم‭ ‬توفر‭ ‬القوة‭ ‬القتالية‭ ‬نظرياً‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬أظهرت‭ ‬بعض‭ ‬الوحدات‭ ‬تكيفاً‭ ‬لافتاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تبني‭ ‬أنماط‭ ‬لوجستية‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬البصمة،‭ ‬وتوزيع‭ ‬المخازن،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬نقل‭ ‬أصغر‭ ‬وأكثر‭ ‬حركة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تحسين‭ ‬إجراءات‭ ‬الحماية‭ ‬والتمويه‭. ‬وقد‭ ‬مكّنت‭ ‬هذه‭ ‬المقاربات‭ ‬من‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬العمليات‭ ‬رغم‭ ‬الاستهداف‭ ‬المستمر‭. ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬اللوجستيات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬عنصر‭ ‬تمكين،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬استنزاف‭ ‬وعامل‭ ‬حسم‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد،‭ ‬حيث‭ ‬يُقاس‭ ‬نجاح‭ ‬القائد‭ ‬الميداني‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬“معركة‭ ‬الإمداد”‭ ‬بنفس‭ ‬مستوى‭ ‬إدارته‭ ‬للمعركة‭ ‬النارية،‭ ‬وبمدى‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تدفق‭ ‬الموارد‭ ‬تحت‭ ‬التهديد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكّل‭ ‬الفارق‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬قوة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬وأخرى‭ ‬تتآكل‭ ‬تدريجياً‭ ‬خارج‭ ‬ميدان‭ ‬الاشتباك‭ ‬المباشر‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬الإضافية‭ ‬التي‭ ‬تعمّق‭ ‬تعقيد‭ ‬البيئة‭ ‬العملياتية‭ ‬أمام‭ ‬القادة‭ ‬الميدانيين‭. ‬منها‭ ‬ما‭ ‬أفرزته‭ ‬طبيعة‭ ‬الحرب‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬الإرهاق‭ ‬والاستنزاف‭ ‬البشري،‭ ‬حيث‭ ‬تتعرض‭ ‬الوحدات‭ ‬لضغط‭ ‬مستمر‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الخبرات،‭ ‬وتراجع‭ ‬الكفاءة‭ ‬القتالية،‭ ‬وتحديات‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المعنويات،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬إدارة‭ ‬العنصر‭ ‬البشري‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬النيران‭ ‬والمناورة‭. ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬بين‭ ‬المستويات‭ ‬المختلفة،‭ ‬إذ‭ ‬تظهر‭ ‬الوحدات‭ ‬الأصغر‭ ‬حجماً‭ ‬مرونة‭ ‬وسرعة‭ ‬في‭ ‬الاستجابة‭ ‬لمتطلبات‭ ‬الميدان،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تواجه‭ ‬بعض‭ ‬التشكيلات‭ ‬الأكبر‭ ‬بطئاً‭ ‬في‭ ‬الاستجابة‭ ‬نتيجة‭ ‬القيود‭ ‬البيروقراطية‭ ‬أو‭ ‬الجمود‭ ‬التنظيمي‭. ‬وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬مجتمعة‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬القتالية‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬التفوق‭ ‬التقني،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬المستمر،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬تماسك‭ ‬القوة،‭ ‬وإدارة‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬مستوياته‭ ‬المادية‭ ‬والبشرية‭ ‬والمعنوية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

خاتمة‭ ‬

تُظهر‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬للقائد‭ ‬الميداني‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العدو‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬منظومة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬المتغيرات‭ ‬المتداخلة،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬والمعلومات‭ ‬مع‭ ‬القرار،‭ ‬واللوجستيات‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬الإدامة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الكفاءة‭ ‬القيادية‭ ‬تُقاس‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخطة،‭ ‬بل‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬السريع،‭ ‬والعمل‭ ‬تحت‭ ‬الغموض،‭ ‬وتحقيق‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬المجالات‭ ‬المختلفة‭. ‬إن‭ ‬القائد‭ ‬الذي‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬‮«‬منفذ‭ ‬للأوامر‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مدير‭ ‬للمعركة‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيشكل‭ ‬معيار‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬المستقبل‭.‬

اللواء‭ (‬م‭)/ ‬خالد‭ ‬السميطي‭ ‬

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض