WEB_0005_Layer 7

الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬هل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أداة‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬البحرية‭ ‬الحديثة؟

لطالما‭ ‬شكلت‭ ‬الألغام‭ ‬محدداً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬مسار‭ ‬الحروب‭ ‬البحرية‭ ‬السابقة،‭ ‬سواء‭ ‬بإلحاقها‭ ‬أضراراً‭ ‬كبيرة‭ ‬بالسفن‭ ‬المنفردة،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بمواجهة‭ ‬تحركات‭ ‬أساطيل‭ ‬كاملة‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬آلاف‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬زرعت‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬خلال‭ ‬حروب‭ ‬سابقة،‭ ‬كامنة‭ ‬تحت‭ ‬الماء،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬6‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الذخائر‭ ‬غير‭ ‬المتفجرة‭ ‬الموجودة‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬أمكان‭ ‬متفرقة‭ ‬تحت‭ ‬الماء‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬دولة‭ ‬تمتلك‭ ‬حالياً‭ ‬ألغاماً‭ ‬بحرية،‭ ‬بمخزونات‭ ‬تصل‭ ‬لملايين‭ ‬الأطنان‭. ‬ورغم‭ ‬التاريخ‭ ‬الطويل‭ ‬للألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬فإن‭ ‬عودة‭ ‬توظيفها‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬الأوكرانية‭ ‬والحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬أثار‭ ‬تساؤلات‭ ‬عدة‭ ‬بشأن‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الإلغام‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشكل‭ ‬أداة‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬البحرية‭ ‬الحديثة‭.‬

رغم‭ ‬أن‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬تبدو‭ ‬أجهزة‭ ‬بسيطة‭ ‬نسبياً،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تظل‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد،‭ ‬وبينما‭ ‬تعزى‭ ‬بساطتها‭ ‬إلى‭ ‬قلة‭ ‬مكوناتها،‭ ‬فإن‭ ‬تعقيدها‭ ‬يرتبط‭ ‬بالذكاء‭ ‬العالي‭ ‬المبرمج‭ ‬فيها‭. ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬تتكون‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬من‭ ‬معدات‭ ‬النقل‭ ‬أو‭ ‬المناولة،‭ ‬منوط‭ ‬بها‭ ‬نشر‭ ‬اللغم‭ ‬باستخدام‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬النشر‭ ‬المتاحة‭. ‬والغلاف‭ ‬المتفجر،‭ ‬والذي‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬المتفجرة‭ ‬كتلك‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬القنابل‭. ‬وجهاز‭ ‬التسليح‭ ‬المزود‭ ‬بسلسلة‭ ‬متفجرة،‭ ‬والبطارية،‭ ‬وجهاز‭ ‬كشف‭ ‬الهدف،‭ ‬والذي‭ ‬يميز‭ ‬اللغم‭ ‬البحري‭ ‬عن‭ ‬القنبلة،‭ ‬حيث‭ ‬يستشعر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحفزات‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬المحيطة،‭ ‬ويقوم‭ ‬بتفعيل‭ ‬اللغم‭ ‬وفقاً‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬الشروط‭. ‬

وتُعَرِّف‭ ‬بعض‭ ‬الأدبيات‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬عبوة‭ ‬ناسفة‭ ‬ذاتية،‭ ‬تزرع‭ ‬في‭ ‬الماء،‭ ‬بهدف‭ ‬تدمير‭ ‬الغواصات‭ ‬والسفن‭ ‬السطحية،‭ ‬أو‭ ‬لمنع‭ ‬الخصم‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬لمناطق‭ ‬معينة‮»‬‭. ‬وتشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بداية‭ ‬ظهور‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬يرتبط‭ ‬بالثورة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وذلك‭ ‬عندما‭ ‬اكتشفها‭ ‬‮«‬ديفيد‭ ‬بوشنيل‮»‬،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1777،‭ ‬وتم‭ ‬استخدامها‭ ‬لاستهداف‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الأسطول‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬‮«‬ديلاوير‮»‬،‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬فيلادلفيا‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬اللغم‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬شحنة‭ ‬بارود‭ ‬في‭ ‬برميل،‭ ‬مدعومة‭ ‬بعوامة‭ ‬على‭ ‬السطح،‭ ‬ويحتوي‭ ‬البريمل‭ ‬على‭ ‬آليه‭ ‬إطلاق‭ ‬نار،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فأي‭ ‬اصطدام‭ ‬خفيف‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬تحرير‭ ‬مطرقة‭ ‬الآلية‭ ‬وتفجير‭ ‬البارود‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاختراع‭ ‬الحديث‭ ‬آنذاك‭ ‬لم‭ ‬يلحق‭ ‬أي‭ ‬ضرر‭ ‬فعلي‭ ‬بالسفن‭ ‬البريطانية،‭ ‬لكنه‭ ‬آثار‭ ‬اهتماماً‭ ‬واسعاً،‭ ‬ومهد‭ ‬الطريق‭ ‬لتطوير‭ ‬تقنيات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬لاحقاً‭. ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬استخداها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬عندما‭ ‬استخدمته‭ ‬البحرية‭ ‬الكونفدرالية‭ ‬لمواجهة‭ ‬البحرية‭ ‬الفيدرالية‭.‬

كذا،‭ ‬تم‭ ‬استخدام‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬لحصر‭ ‬الغواصات‭ ‬الألمانية‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الشمال،‭ ‬فقد‭ ‬زرع‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1918‭ ‬حقل‭ ‬ألغام‭ ‬امتد‭ ‬لنحو‭ ‬250‭ ‬ميلاً،‭ ‬من‭ ‬اسكتلندا‭ ‬إلى‭ ‬النرويج،‭ ‬عرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬حاجز‭ ‬بحر‭ ‬الشمال‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬عمدت‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والبريطانية‭ ‬إلى‭ ‬زرع‭ ‬72‭ ‬ألف‭ ‬لغم،‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬إغراق‭ ‬ست‭ ‬غواصات‭ ‬ألمانية،‭ ‬مع‭ ‬إلحاقها‭ ‬لأضرار‭ ‬بالغة‭ ‬بسفن‭ ‬الخصوم‭. ‬واستخدمت‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬لخنق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الياباني‭. ‬فقد‭ ‬نشرت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬12‭ ‬ألف‭ ‬لغم‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬الشحن‭ ‬اليابانية‭ ‬ومداخل‭ ‬موانئها،‭ ‬ما‭ ‬تمخض‭ ‬عنه‭ ‬إغراق‭ ‬حوالي‭ ‬650‭ ‬سفنية‭ ‬يابانية،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تعطيل‭ ‬كافة‭ ‬خطوط‭ ‬ملاحتها‭ ‬البحرية‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬فُقدت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬سفينة‭ ‬تجارية‭ ‬وحربية‭ ‬بسبب‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭. ‬بينما‭ ‬فقدت‭ ‬أو‭ ‬تضررت‭ ‬نحو‭ ‬2665‭ ‬سفينة‭ ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬الألغام‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

ورغم‭ ‬التراجع‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬أهمية‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬عقب‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬حيث‭ ‬سادت‭ ‬قناعة‭ ‬آنذاك‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الألغام‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬جدوى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تطور‭ ‬الحروب،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬ثبت‭ ‬خطأها‭ ‬لاحقاً‭. ‬فخلال‭ ‬الحرب‭ ‬الكورية،‭ ‬فقد‭ ‬قام‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬بتزويد‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬بآلاف‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬واستخدمت‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الموانئ‭ ‬الرئيسية،‭ ‬إذ‭ ‬اصطدمت‭ ‬بها‭ ‬عدة‭ ‬سفن‭ ‬حربية‭ ‬أمريكية‭. ‬وخلال‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬فيتنام،‭ ‬تم‭ ‬استخدام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬لغم‭ ‬بحري‭ ‬أمريكي،‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1972،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تم‭ ‬زرع‭ ‬ميناء‭ ‬‮«‬هيفونغ‮»‬‭ ‬بنحو‭ ‬11‭ ‬ألف‭ ‬لغم،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬الميناء‭ ‬لعدة‭ ‬أشهر‭. ‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأنواع‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنواع‭ ‬رئيسية،‭ ‬تتمثل‭ ‬فيما‭ ‬يلي‭:‬

‌أ‭.‬ الألغام‭ ‬العائمة‭: ‬وهي‭ ‬الألغام‭ ‬التي‭ ‬تطفو‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الماء،‭ ‬وتنفجر‭ ‬عادة‭ ‬عند‭ ‬ملامستها‭ ‬لأي‭ ‬سفينة‭. ‬ويتسم‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬بطبيعة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للسيطرة،‭ ‬لذا‭ ‬تم‭ ‬حظر‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬بموجب‭ ‬اتفاقية‭ ‬لاهاي‭ ‬لعام‭ ‬1907،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬استخدامه‭ ‬محدوداً‭ ‬للغاية‭.‬

‌ب‭.‬ الألغام‭ ‬المثبتة‭: ‬وهي‭ ‬الألغام‭ ‬التي‭ ‬تطفو‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬قاع‭ ‬البحر،‭ ‬بفضل‭ ‬ثقلها‭ ‬وربطها،‭ ‬وتنفجر‭ ‬عند‭ ‬الاصطدام،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الكرات‭ ‬الشائكة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬استخدمت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬حفظ‭ ‬اللغم‭ ‬في‭ ‬غلاف‭ ‬عائم‭ ‬متصل‭ ‬بجهاز‭ ‬تثبيت‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬البحر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بزرع‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬العميقة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬استخدم‭ ‬ضد‭ ‬الغواصات‭ ‬والسفن‭.‬

‌ج‭.‬ الألغام‭ ‬القاعية‭ (‬التأثيرية‭): ‬وهي‭ ‬تلك‭ ‬الألغام‭ ‬التي‭ ‬تستقر‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬البحر‭ ‬بعد‭ ‬زرعها،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬الضحلة‭ ‬نسبياً،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬تعمل‭ ‬بعض‭ ‬الألغام‭ ‬القاعية‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬العميقة،‭ ‬بحيث‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬الغواصات‭. ‬على‭ ‬غرار‭ ‬لغم‭ ‬‮«‬مانتا‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬استخدمه‭ ‬العراق‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1991‭. ‬

‌د‭.‬ الألغام‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬التحكم‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬بعد‭: ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ربطها‭ ‬سلكياً‭ ‬بمنشأة‭ ‬برية،‭ ‬منوط‭ ‬بها‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ستقوم‭ ‬بتفجير‭ ‬اللغم‭ ‬حال‭ ‬اقتراب‭ ‬سفينة‭ ‬منه‭. ‬وقد‭ ‬استخدمت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬لحماية‭ ‬موانئها،‭ ‬كما‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬فعالة‭ ‬لحماية‭ ‬المواقع‭ ‬الساحلية‭ ‬من‭ ‬تعرضها‭ ‬لقطع‭ ‬الكابلات‭ ‬أو‭ ‬استهداف‭ ‬منشآت‭ ‬التحكم‭.‬

كذا،‭ ‬تتباين‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬طريقة‭ ‬زرعها،‭ ‬ففي‭ ‬بداية‭ ‬استخدامها،‭ ‬كانت‭ ‬غالبية‭ ‬الألغام‭ ‬تزرع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سفن‭ ‬سطحية،‭ ‬ومع‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬بدأ‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الغواصات‭ ‬لزرع‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬ثم‭ ‬تطور‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬لتصبح‭ ‬الطائرات‭ ‬منوطة‭ ‬بزرع‭ ‬الألغام‭ ‬بأعداد‭ ‬كبيرة،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تزرع‭ ‬الألغام‭ ‬بواسطة‭ ‬زوارق‭ ‬الطوربيد‭. ‬بالإضافة‭ ‬لذلك‭ ‬تختلف‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تفجيرها،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬بعضها‭ ‬ملامسة‭ ‬سفينة‭ ‬لها‭ ‬لتنفجر،‭ ‬بينما‭ ‬تنفجر‭ ‬ألغام‭ ‬التأثير‭ ‬باستشعارها‭ ‬لسفينة،‭ ‬مغناطيسياً‭ ‬أو‭ ‬صوتياً‭ ‬أو‭ ‬بالضغط‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تنفجر‭ ‬الألغام‭ ‬المتحكم‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬بواسطة‭ ‬محطة‭ ‬ساحلية‭. ‬

ومع‭ ‬تطور‭ ‬الألغام،‭ ‬باتت‭ ‬النماذج‭ ‬الأحدث‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬أنماط‭ ‬استشعار‭ ‬متعددة،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬بعضها‭ ‬مصمماً‭ ‬لانفجار‭ ‬فقط‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬عدد‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬السفن،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بتجاهل‭ ‬السفن‭ ‬الصغيرة،‭ ‬أو‭ ‬محاولات‭ ‬إزالة‭ ‬هذه‭ ‬الألغام،‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬السفن‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬الأعلى،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬لغم‭ ‬‮«‬Maham 3‮»‬‭ ‬الإيراني،‭ ‬والذي‭ ‬يستخدم‭ ‬مستشعرات‭ ‬صوتية‭ ‬ومغناطيسية‭. ‬كما‭ ‬تتخذ‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬الحديثة‭ ‬شكلاً‭ ‬أسطوانياً‭ ‬أو‭ ‬طوربيدياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بنشرها‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬أو‭ ‬الغواصات،‭ ‬مع‭ ‬هبوطها‭ ‬بطريقة‭ ‬محكمة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستقر‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬البحر‭. ‬بالإضافة‭ ‬لذلك،‭ ‬هناك‭ ‬تصاميم‭ ‬أكثر‭ ‬تطوراً،‭ ‬تسمى‭ ‬‮«‬الألغام‭ ‬الصاعدة‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬تظل‭ ‬مستقرة‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬البحر،‭ ‬وتنطلق‭ ‬صعوداً‭ ‬باتجاه‭ ‬الهدف‭ ‬عند‭ ‬رصده‭. ‬

لماذا‭ ‬الحرب‭ ‬البحرية‭ ‬بالألغام‭ ‬ومدى‭ ‬شرعية‭ ‬استخدامها؟

تلجأ‭ ‬الدول‭ ‬لاستخدام‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬لتحييد‭ ‬التفوق‭ ‬العددي‭ ‬لأسطول‭ ‬الخصم،‭ ‬سواء‭ ‬بإلحاق‭ ‬أضرار‭ ‬مباشرة‭ ‬بسفنه،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬لإجباره‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬وصول‭ ‬سفنه‭ ‬للمياه‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وكذا‭ ‬تأخير‭ ‬خطط‭ ‬تقدمه‭ ‬وعرقلتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دفعه‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬مضادة‭ ‬للألغام‭ ‬تؤخر‭ ‬تقدمه‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬لحصر‭ ‬الغواصات‭ ‬المعادية‭ ‬في‭ ‬الموانئ،‭ ‬أو‭ ‬لمنع‭ ‬الخصوم‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬ممرات‭ ‬بحرية‭ ‬محددة‭ ‬لحين‭ ‬الالتزام‭ ‬بشروط‭ ‬محددة‭. ‬

وشكلت‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬جزءاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬البحرية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬وقد‭ ‬تطورت‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬متفجرات‭ ‬بدائية‭ ‬إلى‭ ‬أسلحة‭ ‬أكثر‭ ‬تطوراً‭ ‬تحت‭ ‬سطح‭ ‬الماء‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬لطالما‭ ‬أدركت‭ ‬الدول‭ ‬قوة‭ ‬تأثير‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬ففي‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬زرعت‭ ‬إيران‭ ‬ألغاماً،‭ ‬لعرقلة‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬والملاحة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬خليج‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬المدمرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬‮«‬يو‭ ‬إس‭ ‬إس‭ ‬صامويل‭ ‬بي‭ ‬روبرتس‮»‬‭ (‬FFG 58‭). ‬وخلال‭ ‬عملية‭ ‬عاصفة‭ ‬الصحراء‭ (‬1990-1991‭)‬،‭ ‬أدى‭ ‬استخدام‭ ‬الألغام‭ ‬إلى‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬استخدام‭ ‬قوة‭ ‬المهام‭ ‬الاستكشافية‭ ‬التابعة‭ ‬للبحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬قبالة‭ ‬سواحل‭ ‬الكويت،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تعريض‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكة‭ ‬وقوات‭ ‬التحالف‭ ‬للخطر،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الاضرار‭ ‬الجسيمة‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بالطراد‭ ‬‮«‬يو‭ ‬إس‭ ‬إس‭ ‬برينستون‮»‬‭ (‬CG 59‭)‬،‭ ‬والغواصة‭ ‬‮«‬يو‭ ‬إس‭ ‬إس‭ ‬طرابلس‮»‬‭ (‬LPH 10‭).‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تعتبر‭ ‬اتفاقية‭ ‬لاهاي‭ ‬الثامنة‭ ‬لعام‭ ‬1907‭ ‬هي‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الرئيسية‭ ‬المنوطة‭ ‬بتنظيم‭ ‬استخدام‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬وجاء‭ ‬توقيع‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬عقب‭ ‬الخسائر‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬المدنيين‭ ‬التي‭ ‬نجمت‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬اليابانية‭ (‬190‮٥‬‭-‬190‮٤‬‭)‬،‭ ‬بهدف‭ ‬وضع‭ ‬قواعد‭ ‬محددة‭ ‬بشأن‭ ‬كيفية‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الألغام،‭ ‬لضمان‭ ‬حماية‭ ‬السفن‭ ‬المحايدة‭. ‬فقد‭ ‬نصت‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬جواز‭ ‬زرع‭ ‬أي‭ ‬ألغام‭ ‬بحرية‭ ‬قد‭ ‬تلحق‭ ‬إصابات‭ ‬عشوائية‭ ‬بالمدنيين‭ ‬أو‭ ‬بالسفن‭ ‬المحايدة،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬تعطيل‭ ‬الألغام‭ ‬العائمة‭ ‬خلال‭ ‬ساعة‭ ‬حال‭ ‬فقدت‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الألغام‭ ‬المثبتة‭ ‬غير‭ ‬ضارة‭ ‬حال‭ ‬انفصالها،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬حظر‭ ‬زرع‭ ‬الألغام‭ ‬بغرض‭ ‬استهداف‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬فقط،‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬تم‭ ‬زرع‭ ‬أي‭ ‬ألغام‭ ‬يتوجب‭ ‬مراعاة‭ ‬سلامة‭ ‬الملاحة‭ ‬السلمية،‭ ‬مع‭ ‬إبلاغ‭ ‬الأطراف‭ ‬المتحاربة‭ ‬للأخرين‭ ‬بوجود‭ ‬ألغام‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬محددة‭.‬‭ ‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬اتفاقية‭ ‬لاهاي‭ ‬لعام‭ ‬1907،‭ ‬هناك‭ ‬مبادئ‭ ‬قانونية‭ ‬أخرى‭ ‬تشكل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬العرفي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬استخدام‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مبدأ‭ ‬التمييز‭ ‬ومبدأ‭ ‬حق‭ ‬المرور‭ ‬البريء،‭ ‬بالتالي،‭ ‬تعد‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الإشكاليات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬قيود‭ ‬قانونية‭ ‬على‭ ‬استخدامها،‭ ‬فعلى‭ ‬عكس‭ ‬الألغام‭ ‬الأرضية،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬معاهدة‭ ‬دولية‭ ‬نصت‭ ‬على‭ ‬حظر‭ ‬استخدام‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬وجود‭ ‬تعريف‭ ‬واضح‭ ‬لمفهوم‭ ‬اللغم‭ ‬البحري‭. ‬

أبعاد‭ ‬الاهتمام‭ ‬الدولي‭ ‬بالألغام‭ ‬البحرية

بينما‭ ‬شكلت‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬خياراً‭ ‬فعالاً‭ ‬وأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬البحرية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التهديد‭ ‬يتزايد‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الألغام‭. ‬حيث‭ ‬تمتلك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسين‭ ‬دولة‭ ‬ألغاماً‭ ‬بحرية،‭ ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬30‭ ‬دول‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬قدرات‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الإلغام‭ ‬محلياً‭. ‬بالإضافة‭ ‬لذلك،‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬الفاعلة‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬الرخيصة‭ ‬لتهديد‭ ‬السفن‭ ‬وتعطيل‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تشير‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬الصين‭ ‬حوالي‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الألغام،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تستخدمها‭ ‬بكين‭ ‬لإنشاء‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق،‭ ‬كالأرخبيلات‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬عن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وبحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي،‭ ‬وذلك‭ ‬حال‭ ‬نشوب‭ ‬أي‭ ‬صراعات‭ ‬مستقبلية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬قررت‭ ‬الصين‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ضد‭ ‬تايوان‭. ‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬حذرت‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬قدرات‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التهديدات‭ ‬المتزايدة‭ ‬للألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬خروج‭ ‬المنصات‭ ‬الرئيسة‭ ‬للبحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مكافحة‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬عن‭ ‬الخدمة،‭ ‬والتي‭ ‬تتمثل‭ ‬بالأساس‭ ‬في‭ ‬طائرات‭ (‬MH-53E AMCM‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2025،‭ ‬وكاسحات‭ ‬الألغام‭ ‬من‭ ‬فئة‭ (‬Avenger‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬خرجت‭ ‬آخر‭ ‬أربعة‭ ‬سفن‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيجعل‭ ‬مجمل‭ ‬قدرة‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬قاصرة‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬سفن‭ (‬LCS‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لإعادة‭ ‬تجهيزها‭ ‬بحزمة‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬مكافحة‭ ‬الألغام‭ ‬الحديثة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬التقنيات‭ ‬غير‭ ‬المأهولة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬الألغام‭ ‬وتدميرها‭ ‬عن‭ ‬بعد‭. ‬

وبينما‭ ‬تعمل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬قدراتهم‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬مكافحة‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬يدفع‭ ‬منافسو‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬قدراتهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أعلنت‭ ‬روسيا،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬انضمام‭ ‬كاسحة‭ ‬ألغام‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬‮«‬ألكسندر‭ ‬أوبوخوف‮»‬،‭ ‬لتنضم‭ ‬للأسطول‭ ‬الروسي‭ ‬الضخم‭ ‬من‭ ‬كاسحات‭ ‬الألغام،‭ ‬من‭ ‬فئتي‭ ‬‮«‬ألكساندريت‮»‬‭ ‬و»ناتيا‮»‬‭. ‬وعلى‭ ‬المنوال‭ ‬ذاته،‭ ‬عززت‭ ‬الصين‭ ‬قدراتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سفن‭ ‬جديدة‭ ‬لمكافحة‭ ‬الألغام،‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬‮«‬ووزانغ‮»‬‭.‬

الحروب‭ ‬المضادة‭ ‬للإلغام‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬القاتلة

هناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التدابير‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬لمكافحة‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬تعرف‭ ‬هذه‭ ‬التدابير‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬كاسحات‭ ‬الألغام‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تدابير‭ ‬مكافحة‭ ‬الألغام‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬تشمل‭ ‬مجموعة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬التكتيكات،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬استخدام‭ ‬الأنظمة‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬وتقنيات‭ ‬السونار،‭ ‬والأسلحة‭ ‬الأكثر‭ ‬تطوراً،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬لسفينتين‭ ‬تحييد‭ ‬حقول‭ ‬الألغام،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سحبهما‭ ‬لكابل‭ ‬مصمم‭ ‬لقطع‭ ‬كابلات‭ ‬التثبيت‭ ‬للألغام،‭ ‬ليتم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تفجير‭ ‬الألغام‭ ‬بالمدفعية‭. ‬بالإضافة‭ ‬لذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬استخدام‭ ‬قاذفات‭ ‬‮«‬فيكرز‭ ‬ويلينغتون‮»‬‭ ‬المعدلة،‭ ‬والتي‭ ‬يتم‭ ‬تجهيزها‭ ‬بحلقات‭ ‬خشب‭ ‬البلسا،‭ ‬وتحتوي‭ ‬على‭ ‬ملف‭ ‬من‭ ‬الألمنيوم،‭ ‬تحلق‭ ‬هذه‭ ‬القاذفات‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬منخفض‭ ‬وبسرعة‭ ‬بطيئة،‭ ‬بحيث‭ ‬تشغل‭ ‬محركاتها‭ ‬مولداً‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬مجالاً‭ ‬مغناطيسياً‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬السفينة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬تفجير‭ ‬الألغام‭ ‬المغمورة‭. ‬وهناك‭ ‬نهج‭ ‬آخر‭ ‬اتبعته‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬لمكافحة‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحويل‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬الكبيرة‭ ‬إلى‭ ‬كاسحات‭ ‬ألغام‭ ‬مزودة‭ ‬بملف‭ ‬كهرومغناطيسي‭ ‬يولد‭ ‬نبضات‭ ‬مغناطيسية‭. ‬بالإضافة‭ ‬لذلك،‭ ‬تحتاج‭ ‬بعض‭ ‬الألغام‭ ‬لتبني‭ ‬نهج‭ ‬مباشر‭ ‬لتحييدها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إرسال‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الغواصيين‭ ‬لتحييدها‭ ‬فور‭ ‬تحديد‭ ‬موقعها‭. ‬

ثمة‭ ‬إشكالية‭ ‬أخرى‭ ‬تطرحها‭ ‬عمليات‭ ‬مكافحة‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬والتكلفة‭ ‬اللازمين‭ ‬لتطهير‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬يشتبه‭ ‬في‭ ‬احتوائها‭ ‬على‭ ‬ألغام،‭ ‬فقد‭ ‬تستغرق‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬تصل‭ ‬أحياناً‭ ‬لسنوات،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬امتدت‭ ‬العمليات‭ ‬الأسترالية‭ ‬لدعم‭ ‬إزالة‭ ‬لألغام‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬عقب‭ ‬نهاية‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬نحو‭ ‬خمسة‭ ‬أشهر،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬نطاق‭ ‬البحث‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬كيلومترين‭ ‬مربعين‭ ‬فقط،‭ ‬تم‭ ‬خلالها‭ ‬إزالة‭ ‬60‭ ‬لغماً‭. ‬

الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭: ‬تجربتا‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وإيران

عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬–‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬أعلنت‭ ‬طهران‭ ‬إغلاقها‭ ‬شبه‭ ‬الكامل‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬مع‭ ‬التلويح‭ ‬باحتمالية‭ ‬وجود‭ ‬ألغام‭ ‬بحرية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬الحيوي،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬أثارت‭ ‬تهديدات‭ ‬عالمية‭ ‬واسعة،‭ ‬فقبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬كان‭ ‬خمس‭ ‬امدادات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يتم‭ ‬نقله‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬بالتالي‭ ‬فوجود‭ ‬لغم‭ ‬بحري‭ ‬واحد‭ ‬يهدد‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭. ‬

وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مخزون‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬كان‭ ‬يقدر‭ ‬بحوالي‭ ‬5000‭-‬6000‭ ‬لغم،‭ ‬يُنتج‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬محلياً،‭ ‬بينما‭ ‬يستورد‭ ‬الجزء‭ ‬المتبقي‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭. ‬ويزداد‭ ‬الأمر‭ ‬تعقيداً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬كشف‭ ‬طهران‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬قامت‭ ‬فعلياً‭ ‬بزرع‭ ‬الألغام،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬مواقعها،‭ ‬فقد‭ ‬اكتفت‭ ‬إيران‭ ‬بالإشارة‭ ‬إلى‭ ‬احتمالية‭ ‬وجود‭ ‬ألغام‭ ‬في‭ ‬المضيق‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬أشارت‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬الأوروبية‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬حوالي‭ ‬80‭ ‬لغماً‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬تشمل‭ ‬بالأساس‭ ‬ألغام‭ ‬‮«‬Maham 3‮»‬‭ ‬و‮«‬Maham 7‮»‬‭ ‬شديدة‭ ‬الإنفجار‭. ‬وقد‭ ‬رجحت‭ ‬هذه‭ ‬التقارير‭ ‬وجود‭ ‬أربعة‭ ‬حقول‭ ‬ألغام‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬حول‭ ‬المدخل‭ ‬الغربي‭ ‬للمضيق،‭ ‬وحول‭ ‬ممر‭ ‬الشحن‭ ‬المركزي‭ ‬المتجه‭ ‬شرقاً،‭ ‬وحول‭ ‬ممر‭ ‬الشحن‭ ‬المركزي‭ ‬المتجه‭ ‬غرباً،‭ ‬وأخيراً‭ ‬حول‭ ‬المخرج‭ ‬الشرقي‭ ‬باتجاه‭ ‬خليج‭ ‬عمان‭.‬

بالتالي،‭ ‬أثبتت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬خطأ‭ ‬القناعة‭ ‬السابقة‭ ‬لدى‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بشأن‭ ‬تراجع‭ ‬أهمية‭ ‬حروب‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المشكلات‭ ‬التشغيلية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬وحدة‭ ‬مهمة‭ ‬مكافحة‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬الحالية‭ (‬MCM‭)‬،‭ ‬التابعة‭ ‬لسفن‭ ‬القتال‭ ‬الساحلية‭ ‬الأمريكية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تسعى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للتوسع‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬حلفائها‭ ‬من‭ ‬الناتو‭ ‬لتحمل‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬مكافحة‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬أشارت‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تطهير‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬يمثل‭ ‬تحدياً‭ ‬معقداً،‭ ‬سيتطلب‭ ‬وقتاً‭ ‬وتنسيقاً‭ ‬دولياً‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬بدأت‭ ‬بالازدياد‭ ‬عقب‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لكن‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬المضيق‭ ‬بالكامل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تطهيره‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬الألغام‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬السفن‭ ‬للخطر‭. ‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬نصت‭ ‬على‭ ‬مسؤولية‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬إزالة‭ ‬الألغام‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرات‭ ‬الكافية‭ ‬على‭ ‬إزالة‭ ‬الألغام‭ ‬بمفردها،‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تعاون‭ ‬دولي‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المهمة،‭ ‬وقد‭ ‬أبدت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬استعدادها‭ ‬للانضمام‭ ‬لهذه‭ ‬المهمة،‭ ‬مثل‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا‭.‬

على‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬شهدت‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬استخداماً‭ ‬آخر‭ ‬للألغام‭ ‬البحرية‭ ‬من‭ ‬طرفي‭ ‬الصراع،‭ ‬تشير‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬قامت‭ ‬بنشر‭ ‬مئات‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬عام‭ ‬2022‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬كشفت‭ ‬تقارير‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬قيام‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بزرع‭ ‬ألغام‭ ‬بحرية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأسود،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬كييف‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2022،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬قام‭ ‬بزرع‭ ‬ألغام‭ ‬بحرية‭ ‬لصد‭ ‬الهجمات‭ ‬الروسية‭.‬‭ ‬ومنذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬تتبادل‭ ‬موسكو‭ ‬وكييف‭ ‬الاتهامات‭ ‬بشأن‭ ‬إلقاء‭ ‬الألغام‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأسود،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الغموض‭ ‬بشأن‭ ‬حجم‭ ‬الألغام‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬فبينما‭ ‬تشير‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬الأوكرانية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬ألقت‭ ‬حوالي‭ ‬400‭-‬600‭ ‬لغم‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬الإقليمية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬حذرت‭ ‬تقارير‭ ‬روسية‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬نحو‭ ‬370‭ ‬لغماً‭ ‬بحرياً‭ ‬عائماً‭ ‬زرع‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أوكرانيا‭ ‬قبالة‭ ‬سواحل‭ ‬أوديسا‭.‬

مستقبل‭ ‬استخدام‭ ‬الألغام‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬البحرية‭ ‬الحديثة

لم‭ ‬يعد‭ ‬اللغم‭ ‬البحري‭ ‬مجرد‭ ‬كرة‭ ‬ذات‭ ‬قرون‭ ‬تنفجر،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬القديمة‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬النماذج‭ ‬الأحدث‭ ‬من‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬وسيلة‭ ‬فعالة‭ ‬لإحداث‭ ‬تأثيرات‭ ‬واسعة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬ساحة‭ ‬المعارك،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تطور‭ ‬قدرات‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬‮«‬الذكية‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬بإمكانها‭ ‬إحداث‭ ‬تأثيرات‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬البيانات‭ ‬غير‭ ‬الحركية،‭ ‬وصولاً‭ ‬للانفجارات‭ ‬ذات‭ ‬التأثير‭ ‬الحركي‭. ‬كما‭ ‬أصبح‭ ‬بإمكان‭ ‬الدول‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬الإلغام‭ ‬بشكل‭ ‬مسبق،‭ ‬بحيث‭ ‬توفر‭ ‬تهديداً‭ ‬مستمراً،‭ ‬مع‭ ‬إمكانية‭ ‬تكيفها‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيلها‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭.‬

وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬الانتشار‭ ‬المطرد‭ ‬للمركبات‭ ‬البحرية‭ ‬غير‭ ‬المأهولة‭ ‬ذاتية‭ ‬التشغيلة،‭ ‬تجدد‭ ‬اهتمام‭ ‬القوى‭ ‬البحرية‭ ‬المختلفة‭ ‬بحروب‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية،‭ ‬وعمليات‭ ‬مكافحة‭ ‬هذه‭ ‬الألغام‭. ‬فالقوة‭ ‬التي‭ ‬ستتمكن‭ ‬من‭ ‬توفير‭ ‬حلول‭ ‬متكاملة‭ ‬وبأسعار‭ ‬معقولة،‭ ‬ستحقق‭ ‬لأساطيلها‭ ‬مكاسب‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تعزيزها‭ ‬لحرية‭ ‬المناورة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العملياتي،‭ ‬والتفوق‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬التكتيكي‭ ‬للحروب‭ ‬البحرية‭.‬

بالتالي،‭ ‬تشير‭ ‬هذه‭ ‬الأدبيات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬التقليدي‭ ‬للألغام‭ ‬البحرية‭ ‬قد‭ ‬تعاظم،‭ ‬فقد‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬تأثيرات‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬البحر،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بمساعدة‭ ‬الغواصات‭ ‬والقوات‭ ‬الجوية‭ ‬والسطحية‭ ‬والبرية‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬الخصم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تعمل‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬منصات‭ ‬إطلاق‭ ‬جديدة‭ ‬للإلغام‭ ‬البحرية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬طورت‭ ‬الصين‭ ‬ألغاماً‭ ‬جديدة‭ ‬يتم‭ ‬إطلاقها‭ ‬بالصواريخ‭ ‬ويتم‭ ‬تفعيلها‭ ‬عن‭ ‬بعد،‭ ‬وهي‭ ‬ألغام‭ (‬EM-52‭/‬T-1‭). ‬كما‭ ‬تعتبر‭ ‬المركبات‭ ‬غير‭ ‬المأهولة‭ ‬تحت‭ ‬الماء‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬الأدوات‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬زرع‭ ‬الألغام‭ ‬الهجومية،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬سبي‭ ‬بيبي‮»‬‭ ‬الأوكراني،‭ ‬والذي‭ ‬حقق‭ ‬نجاحات‭ ‬في‭ ‬إيصال‭ ‬الألغام‭ ‬ضد‭ ‬الأهداف‭ ‬الروسية‭. ‬

على‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬تدفع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬الحرب‭ ‬المضادة‭ ‬للألغام،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بمسح‭ ‬مناطق‭ ‬أوسع‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر،‭ ‬مع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬فورية‭ ‬بشأن‭ ‬كيفية‭ ‬الاستجابة‭ ‬للأجسام‭ ‬المكتشفة‭. ‬وقد‭ ‬تمكنت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬قدراتها‭ ‬فعلياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المركبات‭ ‬غير‭ ‬المأهولة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تشير‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التقارير‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬الهجومية‭ ‬بالألغام‭ ‬ستسهم‭ ‬بدور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬المستقبلية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬ترجيح‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الألغام‭ ‬الحديثة‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬وتهديداً،‭ ‬حيث‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬متانة‭ ‬الألغام‭ ‬التقليدية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬الواسع،‭ ‬وسرعة‭ ‬الطوربيدات‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬المناورة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬مرونة‭ ‬المركبات‭ ‬غير‭ ‬المأهولة‭ ‬وحركتها‭ ‬واستقلاليتها‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬اعتقاد‭ ‬سائد‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭ ‬بأن‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬ماضي‭ ‬الحروب،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشكل‭ ‬محدداً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬البحرية‭ ‬الحديثة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توافرها‭ ‬وتنوعها،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تكلفتها‭ ‬المعقولة‭ ‬وسهولة‭ ‬نشهرها،‭ ‬وتأثيرها‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬العمليات‭ ‬البحرية‭. ‬فبينما‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬تكلفة‭ ‬تصنيع‭ ‬الألغام‭ ‬الحديثة‭ ‬والأكثر‭ ‬تطوراً‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬فإنها‭ ‬قد‭ ‬يتمخض‭ ‬عنها‭ ‬تكاليف‭ ‬اقتصادية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬هائلة،‭ ‬كما‭ ‬تدفع‭ ‬الخصوم‭ ‬لتغيير‭ ‬عملياتهم‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬التخلي‭ ‬عنها،‭ ‬بل‭ ‬وربما‭ ‬تجبر‭ ‬الأطراف‭ ‬المتحاربة‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭.‬● عدنان‭ ‬موسى‭ (‬مدرس‭ ‬مساعد‭ ‬بكلية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والعلوم‭ ‬السياسية‭ ‬ـــــ‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭)‬

Instagram
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض