الدفاع الجوي في عصر المسيّرات

الدفاع الجوي في عصر المسيّرات دروس مستفادة من الحروب الحديثة

شهدت‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬تحولًا‭ ‬جذريًا‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬التهديدات‭ ‬الجوية،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التفوق‭ ‬الجوي‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬المالكة‭ ‬للمقاتلات‭ ‬المتقدمة‭ ‬والصواريخ‭ ‬ذات‭ ‬المديات‭ ‬المتعددة،‭ ‬بل‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬ميدان‭ ‬المعركة‭ ‬أدوات‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬وأكثر‭ ‬انتشارًا،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والذخائر‭ ‬الجوالة‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬والخليج،‭ ‬أن‭ ‬أبسط‭ ‬التهديدات‭ ‬الجوية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬تحديات‭ ‬استراتيجية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وعملياتية‭ ‬معقدة‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬تطورًا‭.‬

رغم‭ ‬التطور‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬متعددة‭ ‬الطبقات،‭ ‬أظهرت‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬التهديدات‭ ‬الجوية‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قادرة،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬هذه‭ ‬الدفاعات‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬أهدافها‭. ‬فقد‭ ‬نجحت‭ ‬بعض‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والذخائر‭ ‬الجوالة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬شبكات‭ ‬الرصد‭ ‬والاعتراض،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬مثل‭ ‬الطيران‭ ‬المنخفض،‭ ‬والبصمة‭ ‬الرادارية‭ ‬المحدودة،‭ ‬والهجمات‭ ‬الإغراقية‭ ‬المتزامنة‭. ‬

وقد‭ ‬كشفت‭ ‬الهجمات‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬منشآت‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬منظومات‭ ‬دفاع‭ ‬جوي‭ ‬متقدمة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحقيق‭ ‬حماية‭ ‬مطلقة،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تواجه‭ ‬هذه‭ ‬المنظومات‭ ‬تهديدات‭ ‬رخيصة،‭ ‬كثيفة‭ ‬العدد،‭ ‬وسريعة‭ ‬التكيف‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬ظرفًا‭ ‬عابرًا‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بحرب‭ ‬أو‭ ‬منطقة‭ ‬محددة،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬اتجاهًا‭ ‬مرشحًا‭ ‬للاستمرار‭ ‬والتوسع‭ ‬مستقبلًا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الانخفاض‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬كلفة‭ ‬تصنيع‭ ‬المسيّرات،‭ ‬وسهولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مكوناتها‭ ‬التجارية،‭ ‬والتطور‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الملاحة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والاستهداف‭ ‬الذاتي‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬والجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬وحتى‭ ‬الفاعلين‭ ‬غير‭ ‬الحكوميين‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل،‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬المسيّرات‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭ ‬عنصرًا‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمليات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الجيوش‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬عقائد‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي،‭ ‬ومعادلات‭ ‬الكلفة،‭ ‬وآليات‭ ‬الاستدامة‭ ‬والاستجابة‭ ‬السريعة‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬المشكلة‭ ‬الأساسية‭ ‬تتمثل‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬التهديدات‭ ‬الجوية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الاعتراض‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬استنزاف‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬تتسم‭ ‬بالكثافة‭ ‬العددية،‭ ‬والسرعة،‭ ‬وانخفاض‭ ‬كلفة‭ ‬التهديد‭ ‬مقارنة‭ ‬بكلفة‭ ‬وسائل‭ ‬الاعتراض‭. ‬فمسيّرة‭ ‬انتحارية‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭ ‬قد‭ ‬تستدعي‭ ‬استخدام‭ ‬صاروخ‭ ‬اعتراضي‭ ‬تبلغ‭ ‬قيمته‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬معادلة‭ ‬استنزاف‭ ‬غير‭ ‬متكافئة‭ ‬تهدد‭ ‬الاستدامة‭ ‬العملياتية‭ ‬حتى‭ ‬لدى‭ ‬الجيوش‭ ‬المتقدمة‭.‬

الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬التهديد‭ ‬الجوي

أظهرت‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬المجال‭ ‬الجوي‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ازدحاماً‭ ‬وتعقيداً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬ففي‭ ‬الماضي،‭ ‬كانت‭ ‬التهديدات‭ ‬الجوية‭ ‬ترتبط‭ ‬غالباً‭ ‬بالطائرات‭ ‬المقاتلة‭ ‬والقاذفات‭ ‬والصواريخ‭ ‬التقليدية،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬باتت‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬مشبعة‭ ‬بالطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬بمختلف‭ ‬أحجامها،‭ ‬الذخائر‭ ‬والصواريخ‭ ‬الجوالة،‭ ‬الأنظمة‭ ‬ذاتية‭ ‬التشغيل،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الاستخدام‭ ‬المكثف‭ ‬للحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والتشويش‭ ‬الكهرومغناطيسي‭.‬

ساهم‭ ‬الانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬للمسيّرات‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬قواعد‭ ‬الاشتباك‭ ‬بصورة‭ ‬جوهرية،‭ ‬لأنها‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬خصائص‭ ‬خطيرة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬فعلاوة‭ ‬على‭ ‬انخفاض‭ ‬الكلفة،‭ ‬تتصف‭ ‬بسهولة‭ ‬الإنتاج‭ ‬وصعوبة‭ ‬الاكتشاف‭ ‬أحيانًا،‭ ‬إضافة‭ ‬للقدرة‭ ‬على‭ ‬الإغراق‭ ‬العددي‭. ‬وأصبح‭ ‬بالإمكان‭ ‬تنفيذ‭ ‬هجمات‭ ‬مركبة‭ ‬تستخدم‭ ‬عشرات‭ ‬أو‭ ‬مئات‭ ‬المسيّرات‭ ‬بصورة‭ ‬متزامنة‭ ‬بهدف‭ ‬استنزاف‭ ‬الدفاعات‭ ‬الجوية‭ ‬وإرباكها،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المسيّرات‭ ‬محدودة‭ ‬القدرات‭ ‬الفردية‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬بدأت‭ ‬العقائد‭ ‬العسكرية‭ ‬الحديثة‭ ‬تعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬نفسه،‭ ‬ليس‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬مظلة‭ ‬حماية‮»‬‭ ‬ثابتة‭ ‬فوق‭ ‬الأصول‭ ‬الحيوية،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬منظومة‭ ‬مناورة‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات،‭ ‬تشمل‭ ‬الرادارات،‭ ‬الصواريخ،‭ ‬المدافع،‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬أنظمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الموجّهة‭ (‬Directed Energy‭) ‬مثل‭ ‬الليزر‭ ‬والميكروويف‭ ‬عالي‭ ‬الطاقة،‭ ‬وإدارة‭ ‬المجال‭ ‬الكهرومغناطيسي،‭ ‬ضمن‭ ‬شبكة‭ ‬قتالية‭ ‬متكاملة‭ ‬تتطلب‭ ‬مرونة‭ ‬عالية‭ ‬وقدرة‭ ‬مستمرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬والتكيف‭. ‬وقد‭ ‬دفع‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجيوش‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تصور‭ ‬المجال‭ ‬الجوي،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬فراغ‭ ‬تتحرك‭ ‬فيه‭ ‬الطائرات،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬فضاء‭ ‬قتال‭ ‬ومناورة‭ ‬متعدد‭ ‬الطبقات،‭ ‬يتداخل‭ ‬فيه‭ ‬البعد‭ ‬المادي‭ ‬مع‭ ‬البعد‭ ‬الرقمي‭ ‬والكهرومغناطيسي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬برزت‭ ‬مفاهيم‭ ‬حديثة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬مناطق‭ ‬الاشتباك‭ ‬الجوية‭ (‬Aerial Engagement Areas‭)‬‮»‬‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬متعدد‭ ‬المجالات،‭ ‬والتي‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬باعتبارها‭ ‬حيزًا‭ ‬عملياتيًا‭ ‬يجب‭ ‬تنظيمه‭ ‬وإدارته‭ ‬مثل‭ ‬الأرض‭ ‬تمامًا‭.‬

من‭ ‬حماية‭ ‬الأصول‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬حيز‭ ‬الاشتباك

تقليديًا،‭ ‬ارتبط‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬بحماية‭ ‬الأصول‭ ‬الحيوية،‭ ‬كالقواعد‭ ‬الجوية‭ ‬والموانئ‭ ‬والمنشآت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ومراكز‭ ‬الثقل‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التهديدات‭ ‬الحديثة‭ ‬فرضت‭ ‬تحولًا‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬العمليات،‭ ‬فتحوّل‭ ‬الاهتمام‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬‮«‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬حمايته؟‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬‮«‬أين‭ ‬وكيف‭ ‬ينبغي‭ ‬تدمير‭ ‬التهديد؟‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬برز‭ ‬مفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬متعدد‭ ‬الطبقات،‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬وسائل‭ ‬الكشف‭ ‬والاشتباك‭ ‬عبر‭ ‬عدة‭ ‬مستويات‭ ‬ومديات،‭ ‬بحيث‭ ‬تتكامل‭ ‬الأنظمة‭ ‬بعيدة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬وقصيرة‭ ‬المدى‭ ‬ضمن‭ ‬شبكة‭ ‬دفاعية‭ ‬واحدة‭. ‬كما‭ ‬اتسع‭ ‬نطاق‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬ليشمل‭ ‬أدوات‭ ‬غير‭ ‬تقليدية،‭ ‬كما‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭ ‬إليها‭ – ‬مثل‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬أنظمة‭ ‬التشويش،‭ ‬الطاقة‭ ‬الموجهة‭ – ‬باعتبارها‭ ‬وسائل‭ ‬فاعلة‭ ‬لمواجهة‭ ‬المسيّرات‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭. ‬وأظهرت‭ ‬التجارب‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬منظومات‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬منظومات‭ ‬متطورة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكامل‭ ‬السريع‭ ‬والفعّال‭ ‬بين‭ ‬المستشعرات،‭ ‬ووسائط‭ ‬الاعتراض،‭ ‬وأنظمة‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬اكتشاف‭ ‬التهديدات‭ ‬وتتبعها‭ ‬والاشتباك‭ ‬معها‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬شديدة‭ ‬القِصر‭. ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬نافذة‭ ‬الاشتباك‭ ‬ثوانٍ‭ ‬معدودة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصواريخ‭ ‬عالية‭ ‬السرعة‭ ‬أو‭ ‬الهجمات‭ ‬الجوية‭ ‬المتزامنة‭ ‬والمكثفة‭.‬

معضلة‭ ‬الكلفة‭ ‬والاستنزاف

ربما‭ ‬تمثل‭ ‬معضلة‭ ‬الكلفة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ ‬المعاصرة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬بناء‭ ‬قدرات‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الوطنية،‭ ‬إذ‭ ‬أفرزت‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬واقعاً‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬وسائل‭ ‬الاعتراض‭ ‬أعلى‭ ‬كلفة‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬التي‭ ‬تتصدى‭ ‬لها،‭ ‬ما‭ ‬خلق‭ ‬نمطًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬الاستنزاف‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬ضغوطًا‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬إدامة‭ ‬العمليات‭ ‬ومخزونات‭ ‬الذخائر‭. ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬الحديثة،‭ ‬إذ‭ ‬أظهرت‭ ‬العمليات‭ ‬القتالية‭ ‬أن‭ ‬كثافة‭ ‬الهجمات‭ ‬الجوية‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستنزف‭ ‬مخزونات‭ ‬الذخائر‭ ‬الاعتراضية‭ ‬بسرعة،‭ ‬وتفرض‭ ‬ضغوطًا‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والإنتاج‭ ‬العسكري‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬القتال‭ ‬وإعادة‭ ‬التذخير‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬الموقف‭.‬

بدأت‭ ‬الجيوش‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬حلول‭ ‬أكثر‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومرونة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬المؤثر‭ ‬المناسب‭ ‬للتهديد‭ ‬المناسب‮»‬‭ (‬Right Effector for the Right Target‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬استخدام‭ ‬وسيلة‭ ‬اعتراض‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬التهديد‭ ‬وكلفته‭. ‬وقد‭ ‬شمل‭ ‬ذلك‭ ‬الاعتماد‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬المدافع‭ ‬السريعة،‭ ‬والذخائر‭ ‬الذكية‭ ‬الأقل‭ ‬كلفة،‭ ‬والحرب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والليزر،‭ ‬والأنظمة‭ ‬المحمولة‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى،‭ ‬والأنظمة‭ ‬الاعتراضية‭ ‬منخفضة‭ ‬أو‭ ‬متوسطة‭ ‬التكلفة‭ ‬المضادة‭ ‬للمسيّرات،‭ ‬بدل‭ ‬الاعتماد‭ ‬بدائل‭ ‬تقليدية‭ ‬مرتفعة‭ ‬الثمن‭.‬

الحروب‭ ‬الحالية‭ ‬كمختبر‭ ‬للدروس

فرضت‭ ‬البيئة‭ ‬القتالية‭ ‬الجديدة‭ ‬موجة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العقيدة‭ ‬والتنظيم‭ ‬والتشغيل‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬المرونة‭ ‬وسرعة‭ ‬التكيف‭ ‬عاملين‭ ‬حاسمين‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تهديدات‭ ‬تتطور‭ ‬بوتيرة‭ ‬متسارعة‭. ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬مظاهر‭ ‬هذا‭ ‬الابتكار،‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬أنظمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الموجهة،‭ ‬خاصة‭ ‬الليزر‭ ‬والميكروويف‭ ‬عالي‭ ‬الطاقة،‭ ‬لما‭ ‬توفره‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬تشغيل‭ ‬منخفضة‭ ‬نسبيًا‭ ‬مقارنة‭ ‬بالصواريخ‭ ‬الاعتراضية‭ ‬التقليدية‭. ‬كما‭ ‬برزت‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬كأداة‭ ‬فاعلة‭ ‬لتعطيل‭ ‬المسيّرات‭ ‬أو‭ ‬قطع‭ ‬اتصالها‭ ‬بمشغليها‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تدميرها‭ ‬حركيًا‭.‬

وقد‭ ‬كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بصورة‭ ‬خاصة‭ ‬عن‭ ‬الأهمية‭ ‬المتزايدة‭ ‬للحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الحديثة‭. ‬ففي‭ ‬دراسة‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬المعهد‭ ‬الملكي‭ ‬للخدمات‭ ‬المتحدة‭ ‬البريطاني‭  (‬Royal United Services Institute for Defence and Security Studies‭)‬،‭ ‬أشار‭ ‬الباحثان‭ ‬جاك‭ ‬واتلينغ‭ ‬ونيك‭ ‬رينولدز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬كانت‭ ‬تخسر‭ ‬أعدادًا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المسيّرات‭ ‬شهريًا‭ ‬نتيجة‭ ‬التشويش‭ ‬والخداع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬الروسي،‭ ‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬فعالية‭ ‬الوسائط‭ ‬غير‭ ‬الحركية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬الجوية‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬تعطيل‭ ‬المسيّرات‭ ‬إلكترونيًا‭ ‬قد‭ ‬يكون،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وأقل‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬الصواريخ‭ ‬الاعتراضية‭ ‬التقليدية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬عزز‭ ‬الاتجاه‭ ‬نحو‭ ‬دمج‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬ضمن‭ ‬مفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬متعدد‭ ‬المجالات‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬اتجهت‭ ‬بعض‭ ‬الجيوش‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬شبكات‭ ‬دفاع‭ ‬جوي‭ ‬تتصف‭ ‬بدرجة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬اللامركزية،‭ ‬تسمح‭ ‬للوحدات‭ ‬الصغيرة‭ ‬بامتلاك‭ ‬قدرات‭ ‬عضوية‭ ‬لمكافحة‭ ‬المسيّرات،‭ ‬بدل‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬المنظومات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المركزية‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬إدراكاً‭ ‬متزايدًا‭ ‬بأن‭ ‬التهديدات‭ ‬الجوية‭ ‬الحديثة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬العمق‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مستويات‭ ‬القتال،‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬وحتى‭ ‬المنشآت‭ ‬الخلفية‭. ‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الحروب‭ ‬الجارية‭ ‬اليوم‭ ‬مختبرًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬لاستخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬العملياتية‭ ‬والتقنية‭ ‬بصورة‭ ‬شبه‭ ‬فورية‭. ‬فالحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬والخليج،‭ ‬إضافة‭ ‬للعمليات‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬كشفت‭ ‬جميعها‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬سرعة‭ ‬التعلم‭ ‬المؤسسي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أحيانًا‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬التكنولوجيا‭.‬

كما‭ ‬أظهرت‭ ‬هذه‭ ‬النزاعات‭ ‬أهمية‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬والإقليمي‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات،‭ ‬وتطوير‭ ‬الأنظمة‭ ‬الدفاعية‭ ‬وتكاملها،‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬العملياتية،‭ ‬مع‭ ‬أهمية‭ ‬التكامل‭ ‬الصناعي‭ ‬والعسكري‭. ‬فالتحديات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمسيّرات،‭ ‬والحرب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والاستنزاف‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحديات‭ ‬محلية‭ ‬تخص‭ ‬دولة‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬ظاهرة‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬تتطلب‭ ‬استجابات‭ ‬جماعية‭ ‬وتنسيقًا‭ ‬مستمرًا‭ ‬بين‭ ‬الحلفاء‭ ‬والشركاء‭. ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬مع‭ ‬لجوء‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬المعادية‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬المجالات‭ ‬الجوية‭ ‬أو‭ ‬المناطق‭ ‬الحدودية‭ ‬للدول‭ ‬المجاورة‭ ‬كمسارات‭ ‬لعبور‭ ‬المسيّرات‭ ‬والصواريخ‭ ‬أو‭ ‬تخطي‭ ‬أنظمة‭ ‬الرصد‭ ‬والدفاع‭ ‬الجوي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬تحديات‭ ‬إضافية‭ ‬تتعلق‭ ‬بتبادل‭ ‬بيانات‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر،‭ ‬وتنسيق‭ ‬العمليات،‭ ‬وإدارة‭ ‬المجال‭ ‬الجوي‭ ‬المشترك،‭ ‬وتفادي‭ ‬الثغرات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنشأ‭ ‬بين‭ ‬حدود‭ ‬الدول‭ ‬وأنظمتها‭ ‬الدفاعية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬بناء‭ ‬شبكات‭ ‬تعاون‭ ‬تسمح‭ ‬بنقل‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬بسرعة،‭ ‬وتطوير‭ ‬العقائد‭ ‬بصورة‭ ‬مرنة،‭ ‬وتحديث‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬التجارب‭ ‬القتالية‭ ‬الواقعية،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬الافتراضات‭ ‬النظرية‭ ‬فقط‭.‬

خاتمة

تكشف‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬دخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تختلف‭ ‬جذريًا‭ ‬عن‭ ‬المراحل‭ ‬السابقة‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬التحدي‭ ‬الأساسي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬أفضل‭ ‬الصواريخ‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬الرادارات‭ ‬تطورًا،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والمرونة‭ ‬العملياتية،‭ ‬وسرعة‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التهديدات‭ ‬المتغيرة‭. ‬وفيما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬‮«‬عصر‭ ‬المسيرات‮»‬،‭ ‬أصبحت‭ ‬معركة‭ ‬السماء‭ ‬معركة‭ ‬استنزاف‭ ‬وابتكار‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬حيث‭ ‬يتحدد‭ ‬النجاح‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بقدرة‭ ‬الجيوش‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬التهديدات،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬والتعلم،‭ ‬والتكيف،‭ ‬وتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الكلفة‭ ‬والفعالية‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬قتالية‭ ‬تتغير‭ ‬بوتيرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭.‬

فالحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬تشير‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬لن‭ ‬يُحسم‭ ‬فقط‭ ‬بمن‭ ‬يمتلك‭ ‬السلاح‭ ‬الأكثر‭ ‬تطورًا،‭ ‬بل‭ ‬بمن‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬الأسرع‭ ‬على‭ ‬التكيف،‭ ‬والتكامل،‭ ‬وتحقيق‭ ‬معادلة‭ ‬مستدامة‭ ‬بين‭ ‬الكلفة‭ ‬والفاعلية‭.‬

اللواء‭ (‬م‭)/ ‬خالد‭ ‬السميطي‭ ‬

Facebook
WhatsApp
Al Jundi

الرجاء استخدام الوضع العمودي للحصول على أفضل عرض